×

الصافات

الآيات ٦–٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ﴿٦﴾

وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ ﴿٧﴾

إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ إلى آخر الآيات * في هذه الآيات من الفوائد: بيان أن الله تعالى زَيَّن السماء بهذه الكواكب؛ فإنك إذا رأيت في السماء في ليلة صاحية ليس فيها قمر ولا حولك إضاءة وجدت لها من الحُسْن ما لا تتصوره، من حُسْن هذه النجوم؛ فيها اللامع، والخفي، والقريب بعضهم من بعض، والمتباعد بعضه من بعض، والمختلف الأشكال، مما يدل على عظمة الخالق عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى جعل هذه النجوم زينةً للسماء، وفيها أيضا فائدة غير الزينة أشار إليها بقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾، وفيها فائدة ثالثة غير الحفظ والزينة: الاهتداء ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦]، فهذه النجوم فيها هذه الفوائد الثلاثة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات متطابقة بعضها أدنى من بعض؛ لقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ مما يدل على أن هناك سماوات فوقها، وهو كذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بخلقه؛ حيث زَيَّن لهم السقف الذي فوق رؤوسهم؛ لأنه لو كان مظلمًا حالكًا لا يرون فيه شيئًا مُنيرًا لكان في ذلك شيء من الإيحاش، ولكن الله تعالى اعتنى بهذا فزينه لهم. وفيه أيضًا: عناية الله من وجه آخر؛ حيث حَفِظَ السماء الدنيا بهذه الكواكب. فإذا قال قائل: ما فائدة هذا الحفظ؟ قلنا: الفائدة لئلا تعبث الشياطين بما ينزل من السماء من الوحي، أو تعبث الشياطين بتغرير الخلق بالكهان وأنهم يعلمون الغيب. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الشياطين مردة؛ لقوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ بناء على أن كلمة (مارد) صفة كاشفة، فإن جُعِلَت صِفَة مُقَيِّدَة ففيها دليل على أن الشياطين منهم مردة ومنهم دون ذلك، والآية محتملة لأنْ تكون مارد صفةً لكل شيطان، ومحتملة لأنْ تكون صفة لبعض الشياطين وأنْ يكون بعضهم غير ماردْ. * ومن فوائد الآيات: أن هؤلاء الشياطين لا يسْمَعون إلى الملإ الأعلى السماع الكامل بحيث ينالون مرادهم، بماذا؟ بسبب هذه الشهب التي تحرقهم فلا يستطيع الواحد منهم أن يَسْمَعَ سماعًا كاملًا يُصْغِي إلى الملأ الأعلى كما يصغي الإنسان إلى شيخه وإلى مُحَدِّثِه، بل تَجِدُهُم يأتون إلى السماء خطفًا فيخطفون ما يسمعون دون أن يكون هناك مهلة وتأنٍّ؛ لأنها تخشى من الشهب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشياطين أجسام؛ لقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾؛ لأنه لا يُخْرَق ولا يُحْرَق إلا ما كان جسمًا وهو كذلك فإن الشياطين أجسام، لكنهم أجسام لطيفة تَخْتَرِق الأجسام الكثيفة أجسام البشر؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها.]] كما أن الروح تجري من الجسد مجرى الدم، والروح جسم لطيف، فكذلك الشياطين أجسام لطيفة تَخْتَرِق الأجسام الثقيلة أو الكثيفة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد يُعْطِي هذه الأجسام اللطيفة قُدْرَةً يَصِلُون بها إلى السماء، أليس كذلك؟ لقوله: ﴿