تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ﴿٤١﴾
فَوَٰكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴿٤٢﴾
فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿٤٣﴾
عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴿٤٤﴾
يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍۭ ﴿٤٥﴾
بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ ﴿٤٦﴾
أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات ٤١] معلومٌ عند الله، ومعلومٌ عندهم؛ فإن الله تعالى أخبر عباده بما ينالونه يوم القيامة من أنواع الثواب.
طيب، فإنْ قال قائل: هل هو معلومٌ بالحقيقة أو بالمعنى؟
فالجواب أنَّه معلومٌ بالمعنى، أمَّا الحقيقة فليس بمعلوم؛ يعني أنَّنا لا نعلم كُنْه هذا النعيم أو هذا الرزق؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ولقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه، البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. إذَنْ لا نعلم من نعيم الآخرة إلا الأسماء فقط، أمَّا الحقائق فإنها ليست معلومةً كما قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: «ليس في الجنَّة شيءٌ مِمَّا في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه الطبري في تفسيره (١ / ٣٩٢).]]. فاكهةٌ، نخلٌ، رمَّانٌ، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا، إذَنْ هو معلومٌ بالمعنى لا معلومُ الحقيقةِ والكُنْهِ؛ لأن ذلك لا يُدرَك إلا بحقِّ اليقين.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ أهل الجنة يأكلون هذا الرزق تَفَكُّهًا وتَنَعُّمًا، لا اقْتِياتًا يحتاجون إليه؛ لقوله: ﴿فَوَاكِهُ﴾ [الصافات ٤٢]. في الدنيا يأكل الإنسانُ الطعامَ أحيانًا اقْتِياتًا للحاجة إليه، وأحيانًا تَفَكُّهًا وتلَذُّذًا، أمَّا في الآخرة فكلُّ طعامها تلذُّذ.
* ومن فوائد الآيات: أن أهل الجنة مُكْرَمون، مُكْرَمون بِمَن؟ من وجوهٍ ثلاثةٍ ذكرناها أمس: مِن قِبَل الله، مِن قِبَل الملائكة، مِن قِبَل الخدَم؛ الغلمان، فهُم مُكْرَمون من كلِّ وجه.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ جزاءَ الله للمحسن أكثرُ من عمله بكثير. أليس كذلك؟ لأنَّ إحساننا نحن للعمل لو نُسِب إلى ثواب الله لم يكُنْ شيئًا؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]. ثم إحساننا مَهْما بَلَغ له مُنتهًى، مُنتهاه الموتُ، لكن ثواب الآخرة لا مُنتهى له، إذَنْ يتبيَّن بذلك أنَّ فضْلَ الله عز وجل وجزاءَه أكثرُ بكثيرٍ من عملِ العامل، فيكون هذا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦١].
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ الجنة أصنافٌ وأنواعٌ، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ [الصافات ٤٣]، ولكنَّها تشترك كلُّها في أنها جنَّاتُ نعيمٍ.
* ومن فوائدها أيضًا: أنَّ الجنَّة كلَّها نعيمٌ؛ نعيمٌ للبَدَن ونعيمٌ للقلب؛ فنعيمُ القلبِ بالسرور والانبساط والفرح الدائم الذي لا يعتريه هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حزنٌ، والبَدَن ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان ١١]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية ٨، ٩]، إلى غير ذلك من الآيات الدالَّة على تنعيم هذا البَدَن، نفْسُ البَدَن منعَّم، وما يلبسه أيضًا من الزينة والحلي كذلك منعَّمٌ فيه.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: سعةُ محلَّاتِ أهل الجنة لكونهم متقابلين على السُّرُر؛ لأنَّ التقابل يؤدِّي إلى سعة المكان، لا سِيَّما مع كثرتهم.
* ومن فوائد الآيات الكريمة أيضًا: كمالُ أدبِ أهل الجنة؛ حيث كانوا يتقابلون بحيث لا يقفو أحدُهم الآخَر، بل كلُّهم يكونون مستقبلي بعضِهم بعضًا، وهذا لا شكَّ أنَّه من كمال الأدب، والأدبُ في الحقيقة كما أنَّه حَسَنٌ في أهل الجنة فهو حَسَنٌ في أهل الدنيا أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤]، ولا شكَّ أنَّ الإنسان إذا كان مؤدَّبًا كان محبوبًا عند الناس، فالجفاءُ وعدمُ المبالاة بالناسِ خُلُقٌ ذَمِيمٌ.
ومِن ثَمَّ ننظر في مسائل نعملها: أولًا وقَبْل كلِّ شيءٍ مسألة السلام؛ نجدُ كثيرًا من الناس مع أنهم حريصون على العبادة لكنَّهم لا يُبالون بالسلام لا ابتداءً ولا ردًّا، وهذا خلافُ حالِ المؤمن مع أخيه، مِن حقِّ المسْلم على أخيه إذا لَقِيه أن يسلِّم عليه، ويسلِّم عليه سلامًا حقيقيًّا مقرونًا بالبشاشة، أمَّا أن يسلِّم عليه برأس أنْفه لولا حرفُ الصفير ما علمتَ أنَّه يسلِّم فهذا ليس بسلام.
وأقبحُ من ذلك أنْ يسلِّم الإنسانُ على أخيه بصوتٍ بيِّنٍ واضحِ المخارجِ مسموعٍ ثم يردُّ ذلك عليه بصوتٍ لا يُسمَع، بل يردُّ عليه بأنْفه أو يردُّ عليه بيده هكذا، فإنَّ هذا لا شك أنَّه حرامٌ عليه؛ لأن الله يقول: ﴿إِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء ٨٦]، فمعلومٌ أنه إذا.. (السلامُ عليكم)، (..كمُ السلام)، هذا أحسن ولَّا لا؟ أبدًا، ما هو أحسن، ولا مِثْل أيضًا، فلا بدَّ أن يكون إمَّا مِثْل، وهو أدنَى الواجبِ، أو أَحْسَنَ، وهو الأكْمَل.
كذلك أيضًا نجد بعض الناس يستدبر إخوانَه ولا يهتمُّ بهم، وهذا خطأ، هذا لا ينبغي، وأنا أراه بعضَ الأحيانِ إذا سلَّمتُ من الصلاة يجيء واحد من الناس يتقدَّم ما يَشْعر أن وراءه بَشَرًا مِثْله، لماذا تتقدَّم عليهم؟ هذا مِمَّا يُوجِب اختلافَ القلوب، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام في القوم عند صَفِّ الصلاة، قال: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ»[[أخرجه مسلم (٤٣٢ / ١٢٢) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه.]]، فجعَل الاختلافَ في التقدُّم والتأخُّر سببًا لاختلاف القلوب، أنا لو كنت جنب هذا الرجُل شعرت بأن هذا الرجُل أهانني حيث تقدَّم عليَّ ولقَّاني ظهرَه.
يتعلَّل بعضُ الناسِ بأنَّه فيه ضيق مثلًا، وأنَّه يحبُّ أن يُريح رجليه فيتقدَّم ليتربَّع.
نقول: إذا كنتَ هكذا فإمَّا أنْ تتقدَّم كثيرًا تقوم وتكون بعيدًا، وإمَّا أن تتأخَّر.
يقول: ما أقْدر أتأخَّر؛ لأنَّ ورائي صفًّا يقضون الصلاة.
نقول: إذَنْ قُمْ وتقدَّم بعيدًا حتى لا تستدبر الناسَ، أمَّا أنْ تستدبر عبادَ الله بعد أن فرغوا من الصلاة وتُخَلِّيهم وراء ظهرك فهذا لا شكَّ أنَّه سوءُ أدب، وأنَّ الذي إلى جانبك سوف يشعر بأنَّك أهنْتَه.
كذلك أيضًا يوجد بعضٌ عندنا لا يُقَدِّر الصغيرُ مِنَّا الكبيرَ، يتقابل اثنانِ عند باب المسجد أو عند باب الدار ثم يتقدَّم الصغير يمكن بعجلة علشان يدخل قبل الكبير، هذا ما هو طيب، توقيرُ الكبيرِ مِن الخصال الطيِّبة ومِن صفات المؤمن، فكَوْن الإنسان لا يُبالي ولا يهتمُّ بغيره لا شكَّ أنَّه خلافُ الأدب، أهلُ الجنَّة -اللهم اجعلنا منهم- يكونون على السُّرُر متقابلين يجعلونها دائرةً حتى يُقابل بعضُهم بعضًا.
* من فوائد الآيات أيضًا: راحةُ أهل الجنَّة حيث كانوا متفرِّغين على السُّرُر يتحدَّث بعضهم إلى بعضٍ ويأنسُ بعضُهم ببعضٍ على وجْه التقابل.
* ومن فوائد الآيات الكريمة أيضًا: أنَّه في حال جلوسهم على السُّرُر فالخدَم تطوفُ عليهم بأنواع الملذَّات والمشروبات، ومنها أنها تطوفُ عليهم بكأسٍ من مَعِينٍ؛ كأسِ الخمر الصافي الخالي من الشوائب، لكنَّ هذا الكأس يكون مقدَّرًا على حسب ما يحتاجه الشاربُ؛ ليس كبيرًا فيُتعبه، ولا صغيرًا فينقص من لذَّته؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان ١٥، ١٦].
* ومن فوائد الآيات الكريمة: صفاءُ هذا الشراب الذي يُطاف عليهم به؛ لقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ [الصافات ٤٦].
إلى هنا انتهى ما سبق.
* * *
يقول الله عز وجل: ﴿بَيْضَاءَ﴾ [الصافات ٤٦] (أشدَّ بياضًا من اللبن)، هكذا قال المؤلف: إنها (أشد بياضًا من اللبن)، والواقع أنَّ الآية لا تدلُّ على أنها أشدُّ بياضًا، وإنما جاء «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ» في وصْف حوضِ النبي ﷺ الذي يكون في عَرَصات القيامة، فقد جاء في وصْفه أنَّه «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَطْيَبُ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ»[[أخرج أحمد (٥٩١٣) بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لَمَّا أُنزلت (إنَّا أعطيناك الكوثر) قال رسول الله ﷺ: «هو نهرٌ في الجنَّة، حافَتاه من ذهبٍ، يجري على جنادل الدُّرِّ والياقوت، شرابُه أحلى من العسل، وأشدُّ بياضًا من اللبن، وأبردُ من الثلج، وأطيبُ من ريح المسك». وأخرجه مسلم بنحوه (٢٣٠٠ / ٣٦) عن أبي ذر رضي الله عنه.]]، أمَّا الخمر في الجنة فوَصَفه الله بالبياض فقط.
قال: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ﴾ [الصافات ٤٦] (لذيذة)، وهنا عبَّر بـ﴿لَذَّةٍ﴾ المصدر عن اسم الفاعل أو اسم المفعول؛ لأن (لذيذ) يصلح لاسم الفاعل واسم المفعول؛ لأنَّ الوصف بالمصدر أَبْلغ من الوصف بالمشتقِّ من المصدر؛ فأنت إذا قلتَ: فلانٌ عدْلٌ، أَبْلغ مما إذا قلت: فلانٌ عادلٌ؛ كأنَّك جعلتَه هو العدل بنفسه، فهُنا وَصَفَ هذا الخمرَ أو هذه الكأسَ بأنها ﴿لَذَّةٍ﴾؛ يعني كأنها هي اللَّذَّةُ لا الشيء المتَّصف باللَّذَّة، فالتعبير بالوصف عن الموصوف أَبْلغ من التعبير بالموصوف؛ لأنَّه تعبيرٌ بالأصل عمَّا تفرَّع منه، فالمشتقُّ متفرِّعٌ من المشتقِّ منه؛ من المصدر.
﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات ٤٦]، ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ هذه من باب التوكيد؛ يعني أنهم في حال شُربهم إيَّاها يتلذَّذون بها، بخِلاف خمر الدنيا فإنَّه يقول: (إنها كريهةٌ عند الشُّرب)، أمَّا خمر الآخرة فهي لذَّةٌ للشاربين. هي أيضًا سالمةٌ من الآثار السيئة؛ كما قال: ﴿