×

الصافات

الآيات ٣٧–٣٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿٣٧﴾

إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ ﴿٣٨﴾

بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ٣٧]. الانتقالي ولَّا الإبطالي؟ * الطالب: الانتقالي. * الشيخ: تعرف الفرق بينهما؟ * الطالب: لا. * الشيخ: إذن كيف تميز بينهما فتثبت هذا وتنفي هذا وأنت لا تعرف الفرق. * طالب: (بل) للإبطال. * الشيخ: للإبطال، تعرف الفرق بين الإبطال والانتقال؟ * الطالب: إي نعم، يعني في الحكم في الانتقال باقٍ كذلك هناك. * الشيخ: أحسنت. * طالب: وفي الإبطال الحكم ما يبقى (...) قبل وينتقل إلى.. * الشيخ: إلى ما بعد (بل). * الطالب: (...). * الشيخ: بارك الله فيك، زين، قوله: ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ٣٧] ذكرنا أن (...) وجهين؟ * الطالب: أولًا أنه تصديق لما أخبروا به (...). * الشيخ: تصديق لما أخبروا به. * الطالب: (...) الثاني أنه قال: إنهم صادقون، هؤلاء الرسل صادقون (...). * الشيخ: صح. * طلبة: نعم. * الشيخ: صدقهم يعني وقع مطابقًا لما اخبروا به، وهذا تصديق، وصدقهم أي قال: إنهم صادقون (...) يجب الإيمان بهم، وهذا هو طريقة الرسول والمؤمنين ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥]. الفوائد: قال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات ٣٣]. * يُستفاد من هذه الآية وما بعدها أولًا: أن الأتباع والمتبوعين كل منهم مشترك في العذاب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات ٣٣]، والفائدة من ذلك أنه لن ينجو الأتباع ولا المتبوعون، فإن قال قائل: هل الاشتراك يقتضي المساواة؟ فالجواب: لا، بل لكل درجات مما عملوا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إذلال هؤلاء المتبوعين الذين كانوا في الدنيا يعتلون على الخلق؛ لأنه جمع بينهم وبين من يستعبدونهم في الدنيا ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات ٣٣]؛ لأن الآخرة دار عدل وليس فيها تفاضل. * من فوائد الآيات: أن الله سبحانه وتعالى لم يظلمهم بهذا العذاب؛ لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات ٣٤] فهم لم يعذبوا إلا لجرمهم. * ومن فوائدها أيضًا: أن الناس عند الله سواء، فكل من استحق عقابًا أو ثوابًا فهو له؛ لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات ٣٤]، يعني لم نفعل بهؤلاء وحدهم، بل حكمنا هذا شامل لكل مجرم، وكذلك يقال في الثواب: إن الله سبحانه وتعالى يثيب كل عامل بعمله بمقتضى الأوصاف التي يستحق بها هذا الثواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفعل لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ﴾ [الصافات ٣٤]، والله سبحانه وتعالى فعال لما يريد، والفعل يقتضي التجدد بحسب المفعول، فخلق الله السماوات والأرض لم يكن أزليًّا، وإنما كان حين خلق السماوات والأرض وخلق الله للجنين في بطن أمه لم يكن أزليًّا، بل هو حادث حين حدوث هذا الجنين. وننتقل من هذه الفائدة إلى فائدة نتفرع عنها: وهي إثبات أفعال الله الاختيارية، خلافًا لمن أنكر ذلك وقال: إن الله لا يقوم به فعل اختياري، وعللوا ذلك بعلة باطلة، قالوا: لأن الفعل الاختياري يقتضي الحدوث، والحادث لا يكون إلا بحادث، والله سبحانه وتعالى أزلي أبدي، ولا شك أن هذا القول قول باطل، فإن الحادث قد يكون بغير الحادث كما في أفعال الله، أليس الله تعالى خلق السماوات والأرض ثم استوى على العرش، فحدث الاستواء بعد خلق السماوات والأرض؟ أوليس الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر؟ فحصل النزول بعد مضي ثلثي الليل، ومع ذلك فإن الله لم يزل ولا يزال موجودًا، ثم إن الإنسان بنفسه يجد أن أفعالًا منه تتجدد مع سبقه عليها، أليس كذلك؟ الإنسان مثلًا فعله اليوم ليس فعله بالأمس، وهو سابق على أفعاله، فتقوم به الأفعال (...) مع سبقه عليها، فإذا جاز هذا في المخلوق فهو في الخالق من باب أولى؛ لأنه كمال. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام، سلطان الله عز وجل وقوته، وجه ذلك أن هؤلاء المجرمين معروفون بالعتو والكبرياء والغطرسة؛ كما في فرعون وغيره من الملأ، ومع ذلك فإن الله قاهرهم يعذبهم ويفعل بهم ما يشاء مما تقتضيه حكمته. * من فوائد الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات ٣٥] أن هؤلاء المجرمين في غاية ما يكون من العتو، فإنهم إذا قيل لهم هذه الكلمة العظيمة التي لو وزنت بها السماوات والأرض لرجحت بهم، يستكبرون عنها ويرون أنهم أكبر قدرًا من أن يقولوها أو أن يصدقوا من قال بها؛ لأنه سبق أن قلنا: يستكبرون عن أيش؟ القائل والمقول عنه يعني عن الخبر والمخبر به. * من فوائد الآية الكريمة: وجوب الخضوع لما تقتضيه هذه الكلمة؛ لأن الله ساقها في القوم المستكبرين عنها مساق الذم، وعلى هذا فمن قبلها وخضع لها فقد نفى عن نفسه الذم وقام بما يجب عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قال: لا إله إلا الله بإخلاص فلا بد أن يخضع لأوامر الله ولا يستكبر، ومن ثم جاءت نصوص كثيرة تعلق دخول الجنة على قول: لا إله إلا الله، ومن المعلوم أن دخول الجنة لا يترتب على مجرد قولها؛ إذ إن المنافقين يقولونها، ومع ذلك لا يدخلون الجنة، لكن المراد بمن قالها خاضعًا لما تقتضيه هذه الكلمة العظيمة من اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله؛ لقوله أيش؟ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات ٣٥]، فلا يجوز أن يُصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، لا صلاة، ولا نذر، ولا سجود، ولا ركوع، ولا حج، يجب كله أن يصرف لله عز وجل؛ لأنه هو المعبود حقًّا. * ومن فوائد الآية: في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات ٣٦] أن هؤلاء كذبوا بما تقتضيه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فالأول ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات ٣٥] والثاني إذا قيل لهم: آمنوا بمحمد قالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات ٣٦] فلم يقوموا بلا إله إلا الله، ولم يقوموا بمحمد رسول الله، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: والله عز وجل يقرن دائمًا بين هاتين الكلمتين في آيات كثيرة، انظر إلى قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩] ففي الأول الإشارة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وفي الثاني أم لم يعرفوا رسولهم شهادة أن محمد رسول الله. ولهذا أيضًا جعل النبي ﷺ هاتين الشهادتين ركنًا واحدًا من أركان الإسلام، فقال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨)، ومسلم (١٦ / ٢١) من حديث عبد الله بن عمر.]] إلى آخره؛ لتلازم هاتين الشهادتين، ولأن مبنى العبادة كلها على الإيمان بهاتين الشهادتين؛ إذ إن مبنى العبادة على الإخلاص والمتابعة اللذين يتحقق بهما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المستكبرين لم يكفهم الاستكبار عن الحق حتى قدحوا فيمن جاء بالحق، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات ٣٦] فلم يكفهم أن تركوا الحق حتى هاجموا وقدحوا فيمن جاءوا به. وهل وُرثت هذه الطريقة؛ أعني القدح فيمن جاء بالحق؟ نعم وُرثت، فأهل البدع يسمون أهل السنة بكل عيب ووصف قبيح، سموهم المشبِّهة والمجسِّمة والحَشوية والغُثاء والنوابت والعامة، وما أشبه ذلك من الكلمات التي تفيد القدح، ولكن جعل الله سبحانه وتعالى لكل نبي عدوًّا من المجرمين، ولكل متبع نبي عدوًّا من المجرمين، فورث هؤلاء الأصفياء ورثوا صفوة الخلق، وهم الرسل، وورث هؤلاء الأشقياء من؟ أشقى الخلق الذين يقدحون في الرسل. * ومن فوائد الآية الكريمة: شدة انتصار هؤلاء المشركين لآلهتهم، انظر كيف قالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾ [الصافات ٣٦]، وهذا يدل على شدة انتصارهم لها وحميتهم الجاهلية. وقد سبق في سورة يس أن الله تعالى قد قال عن هذه الآلهة: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٧٥] فالأصنام والآلهة لا تنصرهم، وهؤلاء جند محضرون لنصر هذه الآلهة. و قوله تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ٣٧]. * يستفاد منها فوائد أولًا: أن رسول الله ﷺ جاء بالحق، فكل دينه مشتمل على الحق فيما يتعلق بمعاملة الله، أو معاملة عباد الله، وقد قال الله تعالى في وصف القرآن الذي جاء به الرسول ﷺ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، هذه الكلمة لو صُنفت عليها مجلدات ما استوعبت مدلولها ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ في كل شيء في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، إيجادًا أو تركًا، ولو أنك تتبعت الشريعة بقدر ما تستطيع لوجدت أن هذا الوصف منطبق على جميع خصال الشريعة، كل خصال الشريعة أقوم من كل شيء هنا. يقول: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ [الصافات ٣٧] ضد الحق هو الباطل، والباطل إما كذب في الأخبار، وإما جور في الأحكام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] وذكرنا لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ معنى آخر غير كون ما جاء به حقًّا، وهو أنه ﷺ صادق فيما جاء به، فما جاء به حق وهو صادق في قوله: إنه من عند الله وليس بكاذب. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ [الصافات ٣٧] بل والثناء على الرسول ﷺ حيث وصفه بأنه جاء بالحق، ولا شك أن من وصف من عند الله بأنه جاء بالحق لا شك أن هذا من أعظم المناقب والأوصاف الحميدة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النبي ﷺ آخر الرسل؛ لقوله: ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ٣٧]؛ فإن (أل) للعموم، فتقتضي كل رسول، وهذا يشير وليس بصريح إلى أنه خاتم الرسل، بل خاتم النبيين، كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] الآية لها مدلول عظيم، قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وكان مقتضى السياق أن يقول: ولكن رسول الله وخاتم الرسل، أو يقول: ولكن نبي الله وخاتم النبيين، لكن قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ لأن وصف الرسالة أعلى من وصف النبوة، وخاتم النبيين يعني لن يأتي من بعده لا رسول ولا نبي، وهو كذلك، فهو عليه الصلاة والسلام أفضل الرسل، ولن يأتي بعده لا نبي ولا رسول. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب علينا أن نصدق مَن سبق من الرسل؛ لأن نبينا ﷺ صدق المرسلين، فيجب علينا نحن أن نصدق؛ لأنه يجب على المأموم متابعة الإمام، فإمامنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيجب علينا أن نتبعه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الرسل السابقين أخبروا به؛ لقوله: ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ٣٧] ولا شك أن الرسل السابقين أعلموا به، وأن آخرهم عيسى بشر به؛ أما الأول فدليله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران ٨١]، فإن المراد بذلك محمد ﷺ، فإنه جاء مصدقًا لما معهم، فكان عليهم أن يؤمنوا به بمقتضى هذا العهد، وانظر إلى ليلة المعراج حيث صلى الرسل، بل الأنبياء صلوا جماعة، فمن كان إمامهم؟ كان إمامهم محمدًا ﷺ، مما يدل على أنه أفضلهم؛ فإن الإمامة في الصلاة تقتضي الإمامة التي فوق الصلاة. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات ٣٨]. * طالب: فيه فائدة تناقض هؤلاء أنه شاعر.. * الشيخ: إي نعم. * وفيه أيضًا: تناقض هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ، حيث وصفوه بأنه شاعر مجنون؛ لأن المجنون لا يمكن أن يكون شاعرًا، فهم يتخبطون خبط عشواء، إلا أن يدعي مدع بأن الكلام مقسم، أي أن بعضهم يقول: شاعر، وبعضهم يقول: مجنون، ونسب القول للجميع، وإن كانوا لم يقولوا به؛ لأنهم راضون به، إن ادعى مدعٍ ذلك فله وجه، لكن إن كان القائل منهم يجمع بين الوصفين فقد تناقض. وقال: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات ٣٨] . (...). * طالب: .. المتكلمين يفسرون التوحيد بأن الله تعالى واحد، لا قسيم له في ذاته، ولا شبيه له، وذكرنا الآن أنهم يقولون: لا قادر على الاختراع إلا الله؟ * الشيخ: أي: يفسرون لا إله إلا الله ما بكل التوحيد. * الطالب: (...) يفسرون لا إله إلا الله. * الشيخ: لا. * الطالب: لأنه لا قسيم له في ذاته. * الشيخ: لا، إحنا قلنا: التوحيد عندهم أنه واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، هذا التوحيد عندهم، لكن التفسير الخاص لـ (لا إله إلا الله) هو القادر على الاختراع * الطالب: أليست كلمة لا إله إلا الله كلمة التوحيد. * الشيخ: بلى لكن ما هو التوحيد عندهم؟ التوحيد عندهم هذه الأشياء الثلاثة، توحيد الله في هذه الأشياء الثلاثة، ثم فسروا لا إله إلا الله بهذا المعنى الخاص، بأنه قادر على الاختراع، ففسروه بما يقتضي أن معناها توحيد الربوبية. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لقول هؤلاء: لا قادر على الاختراع إلا الله، هذه الكلمة في حد ذاتها أليست صحيحة؟ أن الذي يخلق ابتداء ليس هو إلا الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إي. * الطالب: بس إحنا قلنا: إنها كلمة باطلة (...)؟ * الشيخ: إي الباطل تفسيره لا إله إلا الله في هذا، وليس الباطل قولهم: لا قادر على الاختراع إلا الله، هذا صحيح، لكن تفسيره لا إله إلا الله بهذا هو الباطل. أفهمت الآن؟ * طالب: ﴿أَئِنَّا﴾ [الصافات ٣٦] أربع قراءات (...) التسهيل كيف التسهيل؟ * الشيخ: التسهيل ألا تنطق بالهمزة الثانية محققة، لا تنطقها صريحة، فتقول: ﴿أاِنا﴾. * الطالب: يعني (...). * الشيخ: لا، تسهيل يعني مشِّ بسرعة ﴿أاِنا﴾ اسمع كلامي ﴿أاِنا﴾ يعني كأنك مَشَيت بخفة. * الطالب: (...). * الشيخ: أي نصف. * طالب: المشركين (...) قال الرسول ﷺ: لا إله إلا الله (...) ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] يعني كانوا خيرًا من هؤلاء (...)؟ * الشيخ: إي مافيش شك، لا شك أنهم خير من هؤلاء وأفهم منهم بالمعنى، ما فيها شك. * الطالب: أفهم منهم بالمعنى؟ * الشيخ: إي نعم صحيح، وهذه يعني من جملة ما يرد عليهم، قالوا: إن المشركين الذين قاتلهم الرسول ﷺ كانوا أعلم منكم، بمعنى لا إله إلا الله. * طالب: ما الفرق بين لا معبود بحق ولا معبود حق؟ * الشيخ: إي أيش الفرق؟ إذا قلنا: لا معبود بحق ما جاء الخبر، وصارت بحق متعلقة بمعبود، يعني: لا أحد يُعبد بحق إلا الله، يكون على هذا الخبر هو الله، وهذا مشكل على قواعد النحو؛ لأن (لا) النافية للجنس لا تعمل إلا في النكرات. وإذا قلنا: لا معبود حق صارت (حق) خبر لا، ما تكون متعلقة بـ(معبود)، ولهذا بعضهم قال في تقديره: لا معبود موجود إلا الله، وهذا ما هو بصحيح، لماذا؟ (...) موجود أن يعبد سوى الله، لكن الصحيح أن نقول: لا معبود حق كما لو قلت: لا أحد قائم إلا زيد، تكون (قائم) هي الخبر، لا معبود حق إلا الله عرفت. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٣٨، ٣٩]. قال الله تعالى ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ هذه الجملة كما لا يخفى مؤكَّدة بمؤكدين؛ أحدهما (إن)، والثاني اللام، وقوله: ﴿لَذَائِقُو﴾ هي الخبر، وحُذفت النون منها من أجل الإضافة؛ لأن المضاف تُحذَف منه النون إن كان مثنًّى أو جمعًا، ويُحذَف منه التنوين إن كان مفردًا، وقوله: ﴿الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ الأليم هنا بمعنى المؤلِم، وفعيل تأتي بمعنى مفعل، ومنه قول الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ تُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ أمن ريحانة الداعي السميع بمعنى المُسْمِع. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ هذا فيه حق اليقين؛ لأن هؤلاء تُوعدوا بهذا العذاب، وتوعدهم بالعذاب هو علم اليقين، ثم رأوا النار كما قال تعالى ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣]، وهذا عين اليقين، ثم قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات ٣٨] وهذا حق اليقين، فاجتمع في وعيد هؤلاء المراتب الثلاث: العلم والعين والحق. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ قال المؤلف: إن فيه التفاتًا، من أين إلى أين؟ من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الخطاب بمثل ذلك أبلغ وأوقع، فإنك إذا تحدثت عن الإنسان الغائب ليس كما إذا خاطبت الإنسان مباشرة بما توعدته به. إذن ففائدة الالتفات هنا بالإضافة إلى التنبيه هو شدة وقع هذا الوعيد عليهم؛ لأنهم خوطبوا به مباشرة، ولم يتحدث عنه التحدث عن الغائب ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾. والمراد به عذاب جهنم والعياذ بالله؛ لأنه مؤلم، وقد أخبر الله عز وجل عن إيلام هذا العذاب بأنواع عظيمة ذكرها الله تعالى في كتابه، وذكر منها النبي ﷺ شيئًا كثيرًا في السنة. قال: ﴿