تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ ﴿١٨﴾
الطالب: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات ١٨ - ٢٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ وهذا الاستفهام أمر الله سبحانه وتعالى نبيه أن يجيب عنه بقوله: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ يعني: تبعثون، و﴿نَعَمْ﴾ حرف الجواب يجاب به الإثبات للتصديق، ويجاب به النفي كذلك للتصديق، فهو حرف جواب للتصديق سواء كان الكلام نفيًا أم إثباتًا، فإذا قلت: أقام زيد؟ تقول: نعم، لتصديقه. وتقول: لا، لتكذيبه. يعني: نفيه.
أما (بلى) فهي حرف الجواب يجاب بها النفي فقط، لتصديقه ولَّا لتكذيبه؟ لتصديقه فيقول: ألم يقم زيد؟ فالجواب: بلى..
قلنا: إن (نعم) يجاب بها النفي والإثبات للتصديق؛ يعني: لإثبات ما بعد همزة الاستفهام. أقام زيد؟ طيب، ألم يقم زيد؟ نعم، يعني، لم يقم. (بلى) يجاب بها النفي فقط ولا تأتي في الإثبات، ولكن لتكذيبه، ما هو لتصديقه. فإذا قلت: ألم يقم زيد؟ فالجواب: بلى، يعني قد قام، وكلمة (قد قام) تنافي لم يقم، فهي تكذيب في الواقع، أما (لا) فهي حرف جواب في الإثبات فقط لتكذيبه ولَّا لتصديقه؟ لتكذيبه.
الخلاصة أن (نعم) يجاب بها للتصديق سواء كان نفيًا أو إثباتًا، فإذا قلت: أقام زيد؟ وأجبت: (نعم)، فهذا لتصديق القيام؛ يعني أنه قد قام، وإذا قلت: ألم يقم زيد؟ فأجبت: نعم. يعني: لم يقم، فصدقت النفي. (بلى) لا يجاب بها في الإثبات، وإنما يحاب بها في النفي لتكذيبه، فإذا قلت: ألم يقم زيد؟ فالجواب: بلى. يعني: قد قام خلافًا لما نفيت. وأما (لا) فلا يجاب بها إلا في الإثبات لتكذيبه؛ أي: لم يقم. أقام زيد؟ فقلت: لا. يعني: لم يقم.
فهذه أحرف الجواب الثلاثة، أيها أعم؟ (نعم) لأنها تكون في الإثبات وتكون في النفي، وأما (بلى) و(لا) فكل واحدة منهما مختصة بشيء؛ (بلى) في النفي، و(لا) في الإثبات.
طيب، نشوف الآن الآية الكريمة: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ هذه للتصديق، يعني: نعم تبعثون.
ولهذا قدر المؤلف ذلك في قوله: (تبعثون) يعني: أنكم ستبعثون يوم القيامة بعد أن كنتم ترابًا وعظامًا، ولكنكم لا تبعثون كما أنتم عليه في الدنيا في عِزَّةٍ وتَرَفٍ، بل ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون، والجملة هنا حال من فاعل الفعل المحذوف المستفاد من الجواب، أو من نائب الفاعل في الفعل المُقَدَّر بعد الجواب، نعم، تبعثون وأنتم داخرون. والدخور بمعنى الصَّغَار والذل؛ يعني: أنهم يبعثون يوم القيامة على وجه الصغار، لا على ما كانوا عليه في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥] بعد أن كان الواحد منهم في الدنيا يقلب مُقْلَتَيْه كما شاء، فهم في الآخرة ينظرون من طرف خفي مملوء بالخجل والخزي والعار، والعياذ بالله، (تُبْعَثُونَ ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ ).
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ يعني: إذا كان الأمر كذلك أنهم يبعثون، فهل يحتاج الأمر إلى علاج وإلى مدة؟ فالجواب: لا ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ أي: زجرتهم للبعث ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ هذا هو الأصح في مرجع الضمير؛ ولهذا قال المؤلف: (ضمير مبهم يفسره ﴿زَجْرَةٌ﴾ ) فيكون هي ضمير مرجعه مستفاد من الخبر؛ أي: فإنما الزجرة لبعثهم زجرة واحدة.
وهذا الذي قَدَّرَه المؤلف لمرجع الضمير هو الصواب، فيكون مرجع الضمير الآن هو الخبر، وقال بعضهم: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ أي: البعثة التي يبعثونها، أي ما بعثتهم إلا زجرة واحدة؛ أي: بزجرة واحدة، ولكن ما قدَّرَهُ المؤلف أولى، ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال المؤلف: (أي: صيحة) يزجرون بها فيقال: اخرجوا -يعني: من القبور- إذا قيل: اخرجوا من القبور، خرجوا خروج رجل واحد لا يتخلف منهم أحد، وهل يَخْرجون ببطء؟ الجواب: لا، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] فالمسألة لا تحتاج إلى تكرار طلب للخروج، ولا إلى مهلة في زمان، بل بمجرد ما يقال: اخرجوا، ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨]. وهذا من تمام قدرة الرب عز وجل.
(﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي: صيحة واحدة يزجرون بها ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي: الخلائق أحياء ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ما يُفْعَل بهم) الفاء حرف عطف، و(إذا) فجائية، أي: ففي الحال مفاجأة هم ينظرون، وإذا الفجائية اختلف النحويون فيها هل هي حرف؟ فلا محلها من الإعراب، أم هي ظرف، ونحن لا يهمنا أن نُقَدِّرها حرفًا أو ظرفًا، المهم أن نعرف المعنى وهي أنها تدل على المفاجأة؛ يعني: يأتي بسرعة.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ يدل على أنهم بمجرد ما يخرجون يكونون أحياء يشعرون، وليسوا كالطفل الذي يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، فالناس في الدنيا يخرجون من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ولكن بَعْدَئِذٍ يجعل الله لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة؛ سمعًا يسمعون به ويعرفون وإلَّا فالسمع موجود منذ خُلِقَ، وبصرًا كذلك يبصرون به ويعرفون؛ ولهذا تجد الصبي أول ما يولد لا يلتفت إلى شيء، تَمُرُّ من عنده باللمبة من أسطع ما يكون من اللمبات ولا يدري ما هي، ثم شيئًا فشيئًا يبدأ يعرف الألوان إذا اختلفت عليه، ويُتابِع النظر، ولكن الذين يُبْعَثون من القبور لا يُنْتَظَرُ بهم هكذا؛ أي: لا تَنْمُو أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم شيئًا فشيئًا، ولكن بمجرد ما يخرجون فإذا هم ينظرون.
قال المؤلف: (﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي: الخلائق أحياء ينظرون ما يُفْعَل بهم) فإذا قال قائل: المؤلف قال: (أي: الخلائق) مع أن سياق الآيات يقتضي أن المراد بذلك هؤلاء المنكرون، ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾، فإذا أخذنا بالسياق قلنا: إن الضمير يرجع إلى هؤلاء وآبائهم، وإذا نظرنا إلى الواقع قلنا: إن الضمير يرجع إلى جميع الخلائق، والواقع أن جميع الخلائق تَخْرُج بهذه الصيحة ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾.
وأفادنا المؤلف بقوله: (ما يُفعَل بهم) أفادنا أن النظر هنا نظرُ العين وليس بمعنى الانتظار، مع أن الآية تحتمل أن يكون المعنى النظر بالعين، أو أن يكون المعنى النظر بالعين وأن يكون المعنى الانتظار، والنظر يأتي بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد ١٨] ينظرون بمعنى ينتظرون.
﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (﴿وَقَالُوا﴾ أي: الكفار ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿وَيْلَنَا﴾ هلاكنا وهو مصدر لا فعلَ له من لفظه، وتقول لهم الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ).
﴿وَقَالُوا﴾ أتى بالفعل الماضي مع أن القول مستقبل؛ لتحقق وقوعه، وهذا كثير في اللغة العربية والقرآن الكريم؛ أن يُعَبَّر عن المستقبل بالماضي؛ لتحقق وقوعه، ومثاله قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ فإن أمر الله لم يأت بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، لكن ﴿أَتَى﴾ هنا بمعنى يأتي، وعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه.
فقوله عز وجل هنا: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: ويقولون، لكنه عَبَّر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، وقوله: (أي الكفار) وهو صادق في ذلك، ولو أنه قال: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: المنكرون للبعث الذين قالوا ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ لكان أَدَقَّ في التفسير؛ لأن الكافر أَعَمُّ من المنكر للبعث؛ أليس كذلك؟ قد يَكْفُر بغير إنكار للبعث، ولكن المسألة فيها شيء من التسامح في التعبير.
وقوله: ﴿يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ قال المؤلف: إن (﴿يَا﴾ للتنبيه) وأن ويل مصدر لفعل محذوف مُقَدَّر من معناه لا من لفظه، ولكن يحتمل أن تكون ﴿يَا﴾ حرف نداء، وأنهم نادَوُا الويل، كأنهم قالوا: يا ويلنا احضر، فهذا أوانك. والويل معناه هنا شدة التحسر والعذاب أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥] أي: حسرة وعذاب، فهنا ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ أي: يا حسرتنا ويا عذابنا، احضر، فهذا أوانك. ويحتمل كما قال المؤلف أن ﴿يَا﴾ للتنبيه.
ولكن إذا قال قائل: هل تأتي (يا) للتنبيه؟
فالجواب: نعم، فإذا طُلِبَ منا مثال لا يحتمل إلا التنبيه قلنا: كقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦] فإن (يا) هنا للتنبيه لأن (يا) لا تدخل على الحروف، وإنما تدخل على الأسماء، ولكنها جيء بها للتنبيه.
وقوله: ﴿وَيْلَنَا﴾ هلاكنا، ولكن الويل كما قلت: أخص من مجرد الهلاك، بل هو التحسر والعذاب. (وهو مصدر) يعني: الويل مصدر (لا فعل له من لفظه)، ولكن من معناه. إذا كان من معناه وفسرنا الويل بالهلاك فكيف نُقَدِّر الفعل؟ (هَلَكْنا هلاكنا) كذا؟
﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ قال المؤلف: (وتقول لهم الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ )، فجعل المفسر رحمه الله ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ من كلام الملائكة.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥] أي: حسرة وعذاب، فهنا ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ [الصافات ٢٠] أي: يا حسرتنا ويا عذابنا، احضر فهذا أوانك، ويحتمل كما قال المؤلف أن (يا) للتنبيه، ولكن إذا قال قائل: هل تأتي (يا) للتنبيه؟
فالجواب: نعم، فإذا طُلب منا مثال لا يحتمل إلا التنبيه قلنا: كقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦]، فإن (يا) هنا للتنبيه؛ لأن (يا) لا تدخل على الحروف، وإنما تدخل على الأسماء، ولكنها جيء بها للتنبيه.
وقوله: ﴿وَيْلَنَا﴾ [الصافات ٢٠] (هلاكنا) ولكن الويل كما قلت أخص من مجرد الهلاك، بل هو التحسر والعذاب، (وهو مصدر)، يعني هو مصدر (لا فعل له من لفظه)، ولكن من معناه، إذا كان من معناه وفسرنا الويل بالهلاك فكيف نقدر الفعل؟ هلكنا هلاكنا، يا هلكنا هلاكنا.
﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات ٢٠] قال المؤلف: (وتقول لهم الملائكة ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ).
فجعل المؤلف رحمه الله، أو المفسر، جعل المفسر ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ من كلام الملائكة، ولكن الصحيح أنه من كلامهم، أي: من كلام هؤلاء المنكرين، يعني أنهم في ذلك اليوم يقرون بيوم الدين، ولكن لا ينفعهم الإقرار حينئذ، فهم يقرون بهذا اليوم إذا شاهدوه، يقول: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، والمشار إليه الوقت الذي هم فيه، ذلك اليوم الحاضر، و(الدين) يعني الجزاء، واعلم أن (الدين) يُطلَق على الجزاء ويطلق أحيانًا على العمل، فقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] المراد به العمل.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] المراد بالدين الجزاء.
وهنا ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات ٢٠] المراد به الجزاء، أي: هذا يوم الجزاء، والدين كما يُطلَق على الجزاء يُطلَق على العمل كما قلتُ، ومنه قولهم: كما تَدِين تُدان. أي: كما تعمل تجازى.
قال: (﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي الحساب والجزاء ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ بين الخلائق ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات ٢١])، الجملة هذه يحتمل أن تكون من كلامهم، ويحتمل أن تكون من كلام الملائكة، فإن كانت من كلامهم فالمعنى أن بعضهم يقول لبعض: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات ٢١].
يقول بعضهم لبعض هذا توبيخًا وتنديمًا وتقريعًا وإذا كان من كلام الملائكة فلا إشكال فيه؛ لأنهم يخاطبون قومًا يُكذِّبون به.
وقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [الصافات ٢١] بعد ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ لأنه إذا أُدين الناس وحُوسبوا وجُوزوا انفصلوا، انفصل بعضهم عن بعض، فريق في الجنة وفريق في السعير، قد يُفصَل بين المرء وأبيه، وبين المرء وأمه، وبين المرء وأقاربه، هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار، فإذن سُمِّيَ يوم الفصل لأنه يُفصَل فيه بين الخلائق، فيُصرَف قوم إلى النار ويُصرَف قوم إلى الجنة
وسُمي يوم الفصل أيضًا لأنه يُفصَل بين الخلائق بالحكم بينهم، بأخذ حق المظلوم من الظالم، كما يفصل القاضي في الدنيا بين المتخاصمين، فيعطي المظلوم حقه من الظالم، فسُمي يوم الفصل لانفصال الناس بعضهم عن بعض؛ فريق في الجنة وفريق في السعير، وسُمِّي يوم الفصل لأنه يفصل بين الخلائق بالحكم بينهم بالعدل.
وقوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات ٢١] ﴿كُنْتُمْ﴾ أي فيما مضى، أما الآن فيصدقون به؛ لأنهم قالوا: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ لكن فيما مضى يكذبون بهذا اليوم ويقولون: كيف يمكن أن تُبعَث الخلائق بعد أن كانوا عظامًا وترابًا.
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. فإذا قال قائل: ما الفائدة من قوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾؟
قلنا: الفائدة من أجل زيادة التحسر على هؤلاء؛ لأنهم إذا قيل لهم: الذي كنتم به تكذبون فسوف يتحسرون ويقولون: يا ليتنا لم نكذِّب، فيكون في هذا زيادة ألم في نفوسهم، هذه من جهة.
من جهة أخرى: التوبيخ لهؤلاء ولومهم على تكذيبهم، حيث كذَّبوا بالحق، ففي ذلك إذن فائدتان:
الفائدة الأولى: زيادة التحسر فيهم.
الفائدة الثانية: التوبيخ واللوم على تكذيبهم بالحق. ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
(ويقال للملائكة: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قرناءهم من الشياطين ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره من الأوثان ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ دلوهم وسوقوهم ﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٢٢، ٢٣] طريق النار). أعوذ بالله!
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الخطاب هنا من الله -والعلم عنده- إلى الملائكة، ومعنى ﴿احْشُرُوا﴾ أي اجمعوا كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩]. وسُمي يوم الجمع وسُمي يوم الحشر؛ لأن الناس يُحشَرون فيه ويُجمَعون.
وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (أنفسهم بالشرك) ينبغي أن يقال: الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى حذف المفعول به، وحذف المفعول به يُؤذِن بماذا؟ بالعموم، فهم في الحقيقة ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، ولا سيما الرؤساء منهم الذين أضلوا أتباعهم؛ فإنهم ظلموهم بتلبيس الحق بالباطل وإضلالهم.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال المؤلف: (قرناءهم من الشياطين) وكل زوج قرين، ومنه الزوج وزوجته؛ فإنهما قرينان، وقيل: المراد بالأزواج الأصناف والأشكال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨] أي: الأصناف، والمعنى متقارب؛ لأن الغالب أن القرين من جنس المقارن كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨) من حديث أبي هريرة.]].
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ أي: والذي كانوا يعبدون، متى؟ في الدنيا، ولهذا أتى بالفعل الماضي ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ أي: في الدنيا، وجملة ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، وتقديره: وما كانوا يعبدونه من دون الله.
وقول المؤلف: (من الأوثان) إذا قال قائل: كيف تُحشَر الأوثان وهي جماد، ليس عليها حساب ولا عقاب؟ فالجواب أنها تُحشَر إلى النار وتُلقَى في النار إهانةً لعابديها، أما هي فلا شعور لها، لا تشعر بإهانة ولا كرامة، ولكنَّ عابديها هم الذين يشعرون بالإهانة إذا كانت معبوداتهم تلقى في النار، فتلقى هذه المعبودات في النار إهانةً لعباديها، وبيانًا لكونها لا تنفعهم في أحوج ما يكونون إلى نفعها.
وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذه الآية عامة، وخُصت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١]؛ لأننا لو أخذناها على عمومها لكان في الناس من يعبد الأنبياء، وكان في الناس من يعبد الملائكة، فهل يحشر هؤلاء المعبودون مع هؤلاء العابدين؟
فالجواب: لا ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨].
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، وعلى هذا فالعموم هنا مخصص بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾.
وقيل: إن العموم باقٍ على ما هو عليه، لكنه عام أُريد به الخاص، أُريد به هؤلاء الذين أنكروا البعث. والذين أنكروا البعث لم يعبدوا الملائكة ولا الرسل، إنما كانوا يعبدون هُبَل، واللات، والعُزَّى، ومَنَاة. وهبل واللات والعزى ومناة كلها في النار.
وعلى كل حال سواء قلنا: إن هذا عام أريد به الخاص، أي: الذين يخاطبون الرسول عليه الصلاة والسلام وينكرون البعث، أو قلنا: إنه عام مخصوص، فإنه لا شك أن الذين يُعبَدون من دون الله، وهم من أولياء الله، لن يُحشروا إلى النار، ولن يدخلوها.
﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾.
اهدوهم أي: دلوهم، وهذه هداية الدلالة، وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم ٨٥، ٨٦]؛ فإن الذي يُساق يُهدى أيضًا، أرأيت الرجل يسوق بعيره ويهديها أو لا؟ يهديها.
هؤلاء يساقون وفي نفس الوقت يُقال: اذهبوا من هنا، اذهبوا من هنا، اذهبوا من هنا، حتى يصلوا إلى النار.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء يُساقون إلى النار في حال يحتاجون معها، بل يُضطرون إلى الماء.
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ عِطاشًا، فإذا جاءوا لم يجدوا إلا النار المحرِقة والعياذ بالله، وهذا يكون كالصفعة على وجوههم، حيث جاءوا وهم يرجون أن يشربوا، ولكنهم يفاجَؤون بما يزيدهم لهبًا وعطشًا ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾.
﴿صِرَاطِ﴾ بمعنى طريق، والصراط نوعان: صراط حسي، وهو ما تمشي عليه الأقدام، وصراط معنوي وهو ما تمشي عليه القلوب، فمن استقام في الصراط المعنوي على دين الله استقام في الصراط الحسي يوم القيامة حتى يصل إلى الجنة، ومن كان غير مستقيم في الدنيا على شريعة الله لم يكن مستقيمًا في الآخرة على طريق الجنة، ولكن على طريق النار هنا ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ الصراط هنا حسي أو معنوي؟
* طالب: حسي.
* الشيخ: حسي، والكفر؟
* الطلبة: معنوي.
* الشيخ: معنوي، طيب ﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾، وقوله: ﴿الْجَحِيمِ﴾ قال: (النار).
فالجحيم إذن من أسماء النار، وأسماء النار في القرآن كثيرة متعددة، وقد يكون من الخير أن نطلب من أحدكم أن يُحصيها لنا من القرآن.
ثم قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات ٢٤] ﴿قِفُوهُمْ﴾ يعني: أوقفوا، مِن وقَف يقِف، والأمر قِفْ، (وقف) تُستعمل لازمة ومتعدية، فإذا قلت: وقف فلان، مشى فلان، فوقف هذا لازم أم متعدٍّ؟
* طالب: لازم.
* الشيخ: لازم وإذا قلت: وقَفْتُ القول؟
* طالب: متعدٍّ.
* الشيخ: أو وقَفْتُ زيدًا عند المكان الفلاني فهذا متعدٍّ.
﴿قِفُوهُمْ﴾ لا شك أنه متعدٍّ، ووجهه أنه نصب المفعول به الهاء، والواو في ﴿قِفُوهُمْ﴾ فاعل.
ونسأل الأخ: كم عدد الحروف في ﴿قِفُوهُمْ﴾ عدد حروف الفعل؟
* طالب: حرفان.
* الشيخ: حرفان، وعددها في الماضي؟
* الطالب: ثلاثة.
* الشيخ: وعددها في المضارع؟
* الطالب: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة، أيش تقولون؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لا ما هو صحيح، المضارع حرفان؛ لأن أحرف المضارعة لا تحسب من بنية الفعل، إذن الفعل (...) حرفان يقف كذا، ولهذا يقال: إذا أردت أن تصوغ فعل الأمر فأت بفعله مضارعًا مجزومًا ثم احذف حرف المضارعة.
وهذه تفيد طالب العلم: إذا أردت أن تصوغ فعل الأمر فأت بفعل مضارع مجزومًا واحذف حرف المضارعة، فمثلًا إذا أردت أن تأتي بفعل الأمر من (خاف).
* طالب: خِف.
* الشيخ: خِف ولَّا خَف؟
* طلبة: خَف.
* الشيخ: أما (هداية الله) فيقول: خِف، شوف القاعدة اللي أعطيناك إياها، اصبر القاعدة اللي أعطيناكم الآن: هات المضارع مجذومًا: لم يَخَف، احذف حرف المضارعة: خَف. (نام) الأمر: نَم ولَّا نُم؟
* طلبة: نَم.
* طالب: نُم.
* الشيخ: نُم (هداية الله) (...) يمكن ما أفطرت الظاهر، أفطرت ولَّا لا؟
* الطالب: أفطرت.
* الشيخ: طيب (...) أقول: (نام) الأمر: (نَم).
نجريها على القاعدة: لم يَنَم، احذف ياء المضارعة: نَم.
الأمر من: مَالَ؟
* طالب: مَل.
* طالب آخر: مِل.
* الشيخ: مِل، طيب، ما شاء الله لا حول، ولا قوة إلا بالله، الأمر من مَالَ؟
* طالب: مِل.
* الشيخ: مِل؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: طيب الدليل؟ طبق على القاعدة.
* الطلبة: لم يَمُل.
* الشيخ: لم يَمُل.
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: احذف ياء المضارعة.
* الطلبة: مِل.
* الشيخ: مِل، صح؟ طيب فهمنا القاعدة الآن، وهي قاعدة تيسر لك أحيانًا، الإنسان يستنكر كيف نام فعل الأمر تكون: نَم (...) خَف (...) خِف الله، الجواب: لأن الأمر مُقتطَع من المضارع، ووجه ذلك أنك تأتي بالمضارع مجزومًا ثم تحذف حرف المضارعة.
طيب الأمر من خشي؟
* طالب: اخشْ.
* الشيخ: اخشْ لا.
* طالب: اخشَ.
* الشيخ: اخشَ. طيب هات المضارع مجزومًا؟
* الطلبة: لم يخشَ.
* الشيخ: لم يخشَ، إذن لا بد أن نقول: اخشَ، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن تبدأ بالسكون (...) إذا حذفنا ياء المضارعة ويش بقي عندنا؟ بقي خاء ساكنة، والشين مفتوح، الخاء الساكنة لا يمكن أن تنطق بها أبدًا (...) إذا وجدت كلمة أولها ساكن فلا بد أن تأتي بهمزة الوصل (...) فتقول؟
* طالب: اخشَ.
* الشيخ: اخشَ نعم طيب.
وفعل الأمر من (رمى)؟
* طلبة: ارمِ.
* الشيخ: ارمِ؛ لأن المضارع: لم يرمِ، أوله ساكن، لا بد أن يؤتى بالهمزة، والله أعلم .
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: شيخ، بالنسبة (...).
* الشيخ: لا، هذه لغة العرب، أن همزة الوصل إذا ابتُدئ بها تكون مكسورة.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أعطِ من أعطى يعطي (...) الهمزة هذه، ما هي همزة الوصل، همزة قطع.
* طالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: الذين يصعدون الصراط كلهم مؤمنون، لكن عصاة المؤمنين هم الذين يسقطون في النار، أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم (...) قبل الصراط.
* طالب: ما يمرون؟
* الشيخ: ما يمرون الصراط، لا، ما يعبر الصراط إلا من عبر الصراط في الدنيا، لكن من عَبَره على وجه سليم عبر، ومن كان يتعثر بالمعاصي فهو الذي (...).
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)