تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴿١٧٧﴾
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴿١٧٨﴾
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴿١٧٩﴾
سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٨٠﴾
وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿١٨١﴾
وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿١٨٢﴾
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
* ومنها، من فوائدها: أنهم لو آمنوا في هذا الوقت فلن ينفعهم؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لم تصدق عليهم هذه الجملة صدقًا كاملًا، وهي قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧]؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لزال عنهم هذا السوء، ولكن الإيمان لن ينفعهم، وهذه سنة الله عز وجل في عباده إذا نزل بهم العذاب فآمنوا ألا ينفعهم الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]، وقال فرعون لما أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] يعني فلن ينفعك، وقال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، وكل هذا يوجب للإنسان العاقل أن يبادر بالتوبة، وألا يتأخر، وألا يهمل؛ لأنه لا يدري متى يفجؤه الموت، وإذا نزل به الموت فلن تنفعه التوبة، لا بد أن تكون التوبة في وقت تُقبل فيه.
يُستثنَى من هذا قرية واحدة آمنت بعد نزول العذاب فيها ونفعها إيمانها، وهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قرية آمنت بعد نزول العذاب فيها فنفعها إيمانها، ما حضرت أمس؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: طيب.
* طالب: قوم يونس.
* الشيخ: قوم يونس، الدليل على أنه نفعها إيمانها بعد نزول العذاب بها؟
* الطالب: الآيات في سورة..
* الشيخ: (...) يصح أن يقول القائل: الدليل آية في القرآن؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: اترك هذه.
* الطالب: (...).
* طالب آخر: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨].
* الشيخ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ﴾ [يونس ٩٨] إذن العذاب نزل بهم، لكن لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا.
ما هي الحكمة من أن هؤلاء نفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بهم؟
* طالب: لأن نبيهم يونس عليه السلام خرج مغاضبًا قبل أن يؤمر بالخروج.
* الشيخ: قبل أن يؤمر بالخروج، فكان هذا عذرًا لهم، صحيح.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى لن يهلك قومًا حتى يقيم عليهم الحجة بالإنذار، الدليل من الآية؟
* طالب: ﴿سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
* الشيخ: ﴿سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذا يدل على أنهم لن يحل بهم العذاب إلا بعد الإنذار، وهذا موجود في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٥].
والصحيح أن هذا عام في التوحيد وما دونه، فهو شامل لفروع الإسلام؛ كالصلاة والزكاة والطهارة، وما إلى ذلك، فإن الإنسان لا يلزمه شيء منها إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة، ولهذا كان القول الراجح أن من عاش في بادية بعيدًا عن الناس، ولم يصم، ولم يصل، ولم يزك، وهو جاهل، فإنه لا قضاء عليه ولو بقي سنوات.
والدليل على هذا: نصوص كثيرة من السنة تدل على أن من كان جاهلًا نشأ في بادية بعيدة لا يدري عن الشرع، فإنه لا قضاء عليه، فمثلًا الرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته بقي على هذا مدة الله أعلم بها، لكنه بقي مدة لا يحسن إلا هذا إلا صلاة لا يطمئن فيها، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة ما مضى من صلاته، وإنما أمره بإعادة صلاة الوقت الحاضر؛ لأن مطالبته بها في هذا الوقت قائمة، فلهذا أمره أن يعيد حتى تكون صلاته صحيحة، أما ما قبل فلم يأمره بالإعادة[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]] ، ولم يقل للمرأة التي قالت: إنها تحيض حيضة كبيرة شديدة تمنعها الصلاة؛ لم يأمرها أن تعيد الصلاة، مع أنها مستحاضة والمستحاضة تصلي[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣ / ٦٢) من حديث عائشة.]] والأمثلة على هذا كثيرة.
ولا فرق كما قلت بين التوحيد وما دونه، فلو فرضنا أن رجلًا مسلمًا كان ناشئًا في بلد بعيد، ولا يدري يعبد هذا القبر وهو لا يدري أنه كفر فإنه لا يحكم بكفره لأنه مسلم ارتكب هذا خطأ ولم يتعمده قلبه فليس عليه شيء، كما أن من ارتكب محظورًا شركًا فما دونه متأولًا ولم يجد من يفتح عليه فإنه لا يكون كافرًا؛ لأنه لا بد من القصد، فهذا الرجل الذي ضاعت ناقته في فلاة من الأرض وطلبها ولم يجدها، وأيس منها، واضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧ / ٧) واللفظ له من حديث أنس بن مالك.]] فجعل نفسه ربًّا وجعل رب العالمين عبدًا، هذه كلمة كفر لا شك في هذا، لو قال قائل: أنا أكبر من الله، أنا ربه، وهو عبدي لكان كافرًا بلا شك، لكن هذا الرجل أخطأ لم يقصد الكلام، أخطأ من شدة الفرح، فلم يكن كافرًا لعدم قصده الكفر، وكذلك الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه في المعاصي قال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذروني في اليم ظنًّا منه أنه إذا فعل ذلك نجا من عذاب الله، ولكن الله بقدرته قال له: كن، فكان، فاجتمع فسأله ربه عز وجل: لم صنعت هذا؟ قال: خوفًا من عذابك يا رب، قال له كلامًا معناه: خوفك من عذابي أنجاك من عذابي[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٢٧٥٦ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]] فأنجاه الله من العذاب، مع أن هذا الرجل كان شاكًّا في قدرة الله، لكن ليس عن قصد متأول، فلم يكن كافرًا.
ومثل هذه المسائل لا يجوز للإنسان أن يتسرع فيها، أعني مسألة التكفير أو التفسيق أيضًا؛ لأن بعض الإخوة يسارع في التكفير ويلاحظ المقالة دون القائل، ويلاحظ الفعل دون الفاعل، إذا كان هذا القول كفرًا قال: من قال به فهو كافر مطلق، وإذا كان هذا الفعل كفرًا قال: من فعله فهو كافر مطلقًا، ولم ينظر إلى الموانع؛ لأن هذا القول مثلًا إذا كان مكفرًا كان سببًا للكفر لا شك هذا الفعل إذا كان مكفرا كان سببًا للكفر، لكن هل الأسباب يعتريها الموانع أو لا؟
نعم، ما من سبب إلا وله مانع، قد يكون هناك مانع في هذا الشخص المعين يمنع من الحكم بكفره، فمنه: الجهل والإكراه والنسيان والغلبة على النفس حتى لا يتمكن، ولهذا لو أن أحدًا سها وقال كلمة الكفر هل نقول: إنه يكفر؟ لا، والنسيان والجهل صنوان في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله ﷺ.
إذن يجب على طالب العلم أن يفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فقد يكون القول كفرًا، لكن القائل ليس بكافر، وقد يكون الفعل كفرًا لكن الفاعل ليس بكافر، أرأيتم لو أكره رجل على أن يسجد لصنم وقيل: إما أن تسجد أو السيف؟ فسجد يفعل الإكراه لا تقربًا للصنم أيكفر؟ لا يكفر؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ١٠٦] شوف الكلام: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعني اختاره منشرحًا به صدره، فهذا هو الذي يُعطى حكمه، وأما من ليس كذلك فلا، لهذا يجب علينا أيها الإخوة ألا نسارع في التكفير والتفسيق، بعض الناس بغيرته يسارع في الحكم: هذا كافر، يا ابن الحلال، اتق الله، أنت إذا كفَّرت شخصًا ليس بكافر عاد الكفر عليك؛ كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠ / ١١١) من حديث ابن عمر.]] ، أتريد أن تكون كافرًا؟ لا تكفر إلا من قامت الحجة على كفره، يعني من قامت الحجة على كفره نحتاج فيها إلى أمرين:
ثبوت أن هذا الشيء كفر، وتحقق شروط الكفر في هذا الفاعل أو هذا القائل، يعني لا تقوم الحجة على كفر شخص إلا بأمرين:
ثبوت أن هذا الشيء مكفر.
والثاني: تحقق الكفر في حق هذا؛ لأنه قد يكون الشيء مكفرًا لكن لا يتحقق الكفر في هذا الفاعل، أو هذا القائل.
وهذه المسألة أنا أكررها لأهميتها؛ لأنه يبلغني أن قومًا من الناس بمجرد ما يقال: إن فلانًا فعل كذا يقول: أعوذ بالله، هذا كافر، نبرأ إلى الله منه؛ نبرأ إلى الله منه؟! هذا غلط.
ما تقولون في قتل النفس؟ من كبائر الذنوب، ولما قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله متأولًا هل قتله الرسول؟ ما قتله ولا ضمنه بدية، غاية ما هنالك قال له:« «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» فقال أسامة: قالها يا رسول الله تعوذًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٨) من حديث أسامة بن زيد.]] القصة معروفة أظن.
القصة رجل من الكفار هرب فلحقه أسامة بن زيد، فلما أدركه قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، ظنه أنه قالها تعوذًا، يعني خوفًا من القتل، والقرينة مع أسامة؛ لأن رجلًا كافرًا أدركه مسلم بسيفه فقال: لا إله إلا الله، قرينة كونه متعوذًا بها قوية جدًّا، لكن الرسول ﷺ لا يريد منا أن نحكم بما نظن، يريد أن نحكم بالظاهر: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]] ، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» شوف تكرار يقول: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت بعدُ»، الله أكبرُ.
الحاصل أنه يجب علينا أن نرفق بأنفسنا وبالناس، لا نكفر أحدًا حتى يتبين لنا أن هذا الشيء كفر، وأن هذا الذي قاله أو فعله ينطبق عليه شروط التكفير؛ حتى لا نبوء نحن بالكفر أو الفسق.
والحمد لله الحكم إلى الله ولَّا إلينا؟ إلى الله، إذا كان الله لم يكفر هذا الشخص ليش نكفره؟ إذا كفرنا ما لم يكفره الله فكأنما حرمنا ما أباحه الله، أو أبحنا ما حرمه الله، فعلينا أن نتقي الله. والأصل في المسلم أيش؟ الإسلام، ما دام يدين بالإسلام، لكن يفعل خصلة من الكفر أو يقول قولًا من الكفر وهو جاهل لم ينشأ في بلد استتب فيه الإسلام، كيف نقول: إن هذا كافر؟ رجل بدوي ناشئ في أرض بعيدة عن العلوم الشرعية، لكنه مسكين، كل صباح ينصب حجرًا ويسجد له، وهو لا يدري، نقول: هذا كافر وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله!
ولهذا قال العلماء، نصوا على هذا في كتبهم: لو أن رجلًا جحد وجوب الصلاة لكان كافرًا، لكن قالوا: لو جحد وجوب الصلاة وهو ناشئ في بلد بعيد عن العلم الشرعي، أو كان حديث عهد بالإسلام لم يكن كافرًا؛ لأنه جاهل.
إذن قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] تدل على أنه لا يمكن أن يُعذَّب أحد إلا بعد الإنذار.
وهل يكفي بلوغ الحجة أو لا بد من فهم الحجة؟
* طلبة: فيه خلاف.
* الشيخ: الثاني، لا بد من فهمها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] ليش؟ لأنهم لا يفهمونه، وإذا لم يؤمنوا به لعدم فهمهم فهم معذورون، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤] بلغتهم من أجل أن يبين لهم، فلا بد من فهم الحجة، أنت لو قلت لإنسان أعجمي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو لا يدري أيش معناها، هل تقوم عليه الحجة؟ ما تقوم، لو قلت له: يا فلان، أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، ثلاثًا، قال: نعم، وأربعًا وخمسًا فهم من (أطلقت امرأتك) يعني جعلتها طليقة تروح وتيجي، أعجمي ما يدري، قلنا: خلاص بانت منك، لا تحل لك إلا بعد زوج! كم يصيح، يا جماعة كيف هذا الكلام؟ قلنا: نحن سألناك أنك أطلقت زوجتك؟ قلت: نعم، قلنا: ثلاثًا؟ قلت: ثلاثًا وأربعًا، خلاص بانت منك الزوجة، تبين منه ولَّا لا؟ لا تبين، ليش؟ لأنه لا يعرف المعنى.
لكن لو قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا.
* طالب: أيش معناها؟
* الشيخ: هكذا قال الفقهاء، أنه إذا قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا، أنا لو أقولك: واحد عربي يقول لزوجته: بهشتم بهشتم بهشتم، ما تطلق ولو مرة واحدة؛ لأنه لا يعرف.
المهم أن هذه مسائل مهمة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، وألا يوقع نفسه في هلكة، أو يوقع غيره في هلكة، ويوالي ويعادي على غير وجه شرعي، فالبشر حكمهم إلى الله عز وجل، من حكم الله بكفره كفرناه، ومن حكم بفسقه فسقناه، ومن لم يحكم بكفره لم نكفره، ومن لم يحكم بفسقه لم نفسقه. والله أعلم.
* طالب: بعض (...) إذا ماتوا؟
* الشيخ: إذا ماتوا فإن كانوا يدينون بالإسلام ولم يعرفوا أن هذا كفر، فهم لا يعاقبون عليه، وأما إذا بلغوا وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة فهؤلاء لا يقبل منهم.
* طالب: هو لا بد من فهم؟
* الشيخ: لا بد من فهم، أعجمي وأنت تخاطبه بالعربية وهو لا يعرف.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يعني فهم الحجة، يعني أن يفهم المعنى، وليس بلازم أن يفهم الأدلة.