×

الصافات

الآيات ١٥–١٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿١٥﴾

أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿١٦﴾

أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ﴿١٧﴾

وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إِنْ هَذَا﴾ الآية التي رأوا أو ما جاءت به الرسل إلا سحر مبين، وهم في ذلك كاذبون يعملون أنه ليس بسحر، لكن قالوا هذا تنفيرًا للناس عن طريق الرسل. وهل وُرِثَت هذه المقالة؟ الجواب: نعم، وُرِثَت، هذه المقالة ورثت من أول من جاء من الرسل إلى عصرنا هذا وإلى يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، كل أعداء الرسل يقول هذا؛ ساحر أو مجنون، هذه الكلمة -وأريد جنس هذه الكلمة لا نوعها- وُرِثَ فصار أهل الباطل الآن يلقبون أهل الحق بألقاب السوء. انظر مثلًا إلى أهل التعطيل ماذا يلقبون به أهل الإثبات؟ يقولون: إنهم حشوية، مجسمة، مشبهة، وما أشبه ذلك. لا، فهُمْ يقولون مثل هذا الكلام من أجل أن ينفروا الناس عن طريق الحق، كذلك أيضًا أعداء أهل الحق يقولون: هؤلاء رجعيون، هؤلاء متحجرون، هؤلاء متشددون، هؤلاء متزمتون، هؤلاء متنطعون، إلى غير ذلك من الألقاب، لكنَّ أهل الحق الذين هُمْ أهلُه لا يزدادون بهذه الألقاب إلا قُوَّةً وثباتًا على ما هم عليه؛ لأنهم يعلمون أنهم منصورورن بنصر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد ٧]. وأنا كررت عليكم كثيرًا بأن انتصار الإنسان ليس انتصارَ شخصِه فقط، قد يُنْصَر الإنسان في حياته ويتبين له النصر، وقد يُنْصَر بعد مماته، بماذا يُنْصَر بعد مماته؟ يُنْصَر بعد مماته بِنَصْرِ ما قاله من الحق، ويكون كل من عمل بالحق الذي جاء به أو الذي بَيَّنَه يكون له مثل أجره، وهذا انتصار، كل إنسان يحب أن ينتصر الحق الذي بَيَّنَه للناس في حياته أو بعد مماته. يقول عز وجل: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الصافات ١٦، ١٧]. * في هاتين الآيتين: دليل على قوة إنكار هؤلاء المكذبين للبعث، كيف ذلك؟ لأنهم أَتَوْا به بصيغة الاستفهام المؤكد بـ(إنَّ) ﴿أَإِنَّا﴾، وهذا كقول أخوة يوسف له ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠] يعني: أتؤكد أنك يوسف. فهؤلاء قالوا: أَيُؤَكَّد لنا أننا مبعوثون؟ وإذا دخلت همزة الاستفهام على هذا دَلَّ على أنهم يؤكدون إنكارهم للبعث. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يأتون بالشُّبَه؛ لأنهم يقولون: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ يعني: أويبعث أيضًا آباؤنا الأولون؟ وهذا لقوة إنكارهم؛ لأنهم كما قال الله عنهم في سورة الجاثية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، وهل الذين قالوا: إنكم تبعثون قالوا: إن البعث يكون في الدنيا حتى تقولوا: ائتوا بآبائنا؟ نعم، لو قالت الرسل: إنكم تبعثون في الدنيا أو إن آباءكم يبعثون في الدنيا صَحَّ أن يقولوا: ائتوا بآبائنا، لكن الرسل يقولون: إن البعث لهم ولآبائهم يكون يوم القيامة، فهذه الشُّبْهَة التي أوردوها لا تزيد عند الناس إلا سَفَهًا على سفههم؛ يعني: لا تزيدهم إلا سَفَهًا إلى سفههم. انتبه، حُجَّتُهم التي ادَّعَوْها قالوا: إنكم تقولون: إن آباءنا يبعثون فأتوا بهم، ابعثوهم، هل هذه حجة؟ لا، ليش؟ لأن الرسل ما قالوا: إن آباءكم يبعثون الآن في الدنيا حتى تتحدوا بقولكم: ائتوا بآبائنا. إنما قال: يبعثون متى؟ يوم القيامة ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، فهم يقولون: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ ليتوصلوا إلى الحجة الداحضة، فيقول الناس: إن هؤلاء يقولون: إن الناس يبعثون نحن وآباؤنا، خلوهم يجيبون آباءنا، دعوهم يأتون بآبائنا. والجواب على هذه الشُّبْهَة واضح جدًّا هو أن الرسل لم يقولوا: إن آباءهم يبعثون الآن، وإنما يكون البعث يوم القيامة، وحينئذ تبطُل حجتهم، وينادون على أنفسهم بالسَّفَهِ والعدوان، فإنهم ألزموا الرسل ما لم يلتزموه ولم يقولوا به. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجدَّ يُسَمَّى أبًا؛ لأنهم قالوا: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾، وآباؤهم الأولون أجداد سابقون، فالجَدُّ يُسَمَّى أَبًا. ويتفرع على ذلك مسألة فَرَضِيَّة وهي أن الجد يُسْقِط الإخوة أشقاء كانوا أم لأب أم لأم، وإسقاط الجد للإخوة من الأم بالإجماع، وأَمَّا الإخوة الأشقاء أو لأب ففي إرثهم معه خلاف، والصحيح بلا شك أنهم لا يرثون مع الجد، وأنه لو هلك هالك عن أبي أبي أبي أبي أبي أب؛ الجد السادس وعن أخ شقيق فلا شيء للأخ الشقيق؛ لأن الجد أب، والأب يحجب الأخوة، ولأن هذا الابن النازل بعض من الجد السابق، بخلاف الأخ فليس بعضًا منه، ومعلوم أن الأصل الذي هذا فرعه أولى بالميراث من شخصٍ ليس أصلًا له ولا فرعًا له، وهذه مسألة تتحقق إن شاء الله في الفرائض.