وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢] مشروعية البشارة بالولد، وقد سبقت، وذلك لأن الولد يُسرُّ به الإنسان بلا شك، لا سيما إذا بُشِّر بأنه نبي كما في هذه الآية: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أو بأنه: ﴿غُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١] كما في الآيات التي في إسماعيل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الدليل الظاهر على أن الذي أُمِرَ إبراهيم بذبحه إسماعيل وليس إسحاق، وقد بينا في الدرس الماضي تسعة أوجه تدل على أن الذي أُمِرَ بذبحه هو إسماعيل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات نبوة إسحاق؛ لقوله: ﴿إِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات ١١٢].
* ومن فوائدها: أنه قد يُنَبَّأ الإنسان وهو صغير حين ولادته، كيف؟ ﴿بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ نقول: هذه الحال مقدرة، وليست حال حالية بل هي حال مستقبلة، كما مر علينا في التفسير أمس، إذن يستفاد منها بدل هذه الفائدة أنه ينبغي للإنسان عند البشارة أن يذكر ما يرجى من مستقبل ما بُشِّر به سواء كان ولدًا أم مالًا أم زوجة أم بيتًا أم غير ذلك.
المهم أن الإنسان إذا توقع خيرًا في المستقبل فيما بَشَّر به فإنه ينبغي أن يقرن ذلك بالبشارة، لأن الله قرن نبوته بالبشارة به.
* ومن فوائد هذه الآية: الثناء على إسحاق عليه الصلاة والسلام بكونه نبيًّا من الصالحين، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام جمعوا بين الصلاح بأنفسهم والإصلاح لأممهم، فهم صالحون مُصلِحون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبوة وصف كمال؛ لأن الله تعالى قرنها بالبشارة فلولا أنها وصف كمال يستبشر به الإنسان لكان ذكرها لغوًا لا فائدة منه.
* ومن فوائدة الآيات الكريمة في قوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات ١١٣] أن الله سبحانه وتعالى بارك على إبراهيم وعلى إسحاق؛ فمن بركات إبراهيم أن جميع الأنبياء من بعده كانوا من ذريته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦] في ذريتهما، أما من سبق إبراهيم فهو من ذرية نوح، وأما من بعده فهو من ذرية نوح وإبراهيم كذا؟ ولَّا ما توافقوني؟
* طالب: من بعد يا شيخ ذرية إسحاق.
* الشيخ: كيف؟ هنا (من ذريتهما) مَن؟
* طلبة: إسحاق وإبراهيم.
* الشيخ: زين، الذي ليس من ذرية إسحاق هو من ذرية إبراهيم، أنا ذهب وهمي إلى نوح، الذي من غير ذرية إسحاق هو من ذرية إبراهيم، والذي من ذرية إسحاق من ذرية إبراهيم وإسحاق.
مثال من لم يكن من ذرية إسحاق إسماعيل ومحمد ﷺ فإنهما من ذرية إبراهيم وليسا من ذرية إسحاق، أما أنبياء بني إسرائيل فكلهم من ذرية إسحاق.
* ومن فوائد قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١١٣] من فوائدها أن ذرية إبراهيم وإسحاق انقسموا إلى قسمين: محسن، وظالم، وهذا يشمل الإحسان المطلق ومطلق الإحسان، والظلم المطلق ومطلق الظلم، كذا؟ طيب، أو نقول: إن مطلق الإحسان يشترك فيه مطلق الظلم أو يشترك معه مطلق الظلم؛ لأن مَنْ جَمَع حسنات وسيئات ففيه مطلق الإحسان ومطلق الظلم؛ يعني: ليس فيه الإحسان الكامل لأن عنده ظلم، وليس فيه الظلم المطلق لأن عنده إحسان فيكون الإحسان المطلق والظلم المطلق متقابلان.
الإحسان المطلق الذي إذا فعل معصية ذكر الله فاستغفر فرُفِعَ عنه أثر المعصية.
والظلم المطلق: هو الكافر الذي ظلم بالكفر كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤].
فذرية إبراهيم وإسحاق ينقسمون إلى ثلاثة أقسام عند التفصيل: محسن مطلق، وظالم مطلق؛ المحسن المطلق هو المسلم بل هو المؤمن ﴿الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٣٥].
والثاني الظالم المطلق وهذا الكافر. بقي عندنا مَن عنده مطلق الإحسان وهو المؤمن أو المسلم الذي عنده معاصٍ.
ومطلق الظلم وهو كذلك المؤمن أو المسلم الذي عنده معاصٍ، فإن كَثُرَت معاصيه على طاعاته صار إلى الظلم أقرب، وإن كثرت طاعاته على معاصيه صار إلى الإحسان أقرب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١١٣] أن الظلم يكون بينًا أو مظهرًا لصاحبه على حسب القول في ﴿مُبِينٌ﴾ هل بمعنى بين أي ظاهر، أو بمعنى مظهر لظلم صاحبه؟ لأن الظلم قد يكون ظلمًا بينًا واضحًا كالعدوان على الناس على أموالهم ودمائهم وأعراضهم فهذا يكون الرجل فيه مظهرًا لظلمه، وقد يكون خفيًّا يستتر به الإنسان فهذا ظلم بَيِّن بالنسبة له، ولكنه ليس مُظْهِر له لأنه قد أخفاه على الناس، والله أعلم.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]