تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿١٠٧﴾
وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ هذه؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: أخذنا الفوائد نكمل القصة ونأخذ الفوائد جميعًا.
* طالب: وقفنا على اختلاف العلماء في اسماعيل واسحاق.
* الشيخ: في أيش؟
* طالب: وقفنا على اختلاف العلماء في اسماعيل واسحاق.
* الشيخ: قال المؤلف: (﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ أي: المأمور بذبحه وهو إسماعيل أو إسحاق قولان)، (أو) في كلام المؤلف ليست للشك، ولكنها للتنويع؛ أي: من العلماء من قال: أن الذبيح إسحاق، ومنهم من قال: إن الذبيح إسماعيل، ولكن القول الراجح أن الذبيح إسماعيل لعدة أوجه منها:
ما سيأتي في كلام المؤلف في قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حيث قال المؤلف: (استدل بذلك على أن الذبيح غيره).
ومنها: أن الله تعالى قال في إسحاق: بشرناه ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر ٥٣]، وفي الذبيح قال: ﴿بَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١] وهذا غير هذا؛ لأن الذي وُصِفَ بالحلم هو الذي صبر على الذبح وتنفيذ أمر الله عز وجل.
ومنها: أن الله وصف إسماعيل بأنه صادق الوعد ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم ٥٤]، وهذا الوصف إنما يقال في أمر عظيم صدق به الإنسان، والوعد الذي وَعَد هو قوله لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ وقد وَفَّى بذلك.
ومنها أيضًا: أن الله تعالى وصف إسماعيل بأنه من الصابرين، ولم يصف بذلك إسحاق فقال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء ٨٥]، ولم يذكر إسحاق ولم يصف إسحاق بالصبر، ومعلوم أن الصبر الذي صبره إسماعيل هو الصبر الذي يستحق أن يُثْنَى به عليه؛ لأنه صبر عظيم.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى بَشَّر بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود ٧١]، ولو كان إسحاق هو الذي أُمِرَ بذبحه لكان هناك تناقض؛ لأنه كيف يؤمر بذبحه وقد بُشِّر بابن له أي: بإسحاق؛ لأن يعقوب ابن إسحاق، فإذا كان قد بُشِّر بأن له ولدًا اسمه يعقوب فلا يليق أن يؤمر بذبحه.
وقد يقول قائل: إنه بُشِّر بيعقوب باعتبار المآل؛ لأنه إذا نسخ وجوب الذبح بقي هذا الولد ورزق ولدًا، فيقال: نعم هذا يمكن أن يرد به، لكن تفوت البشارة عندما يُؤْمَر بالذبح تكون البشارة بيعقوب قد انتفت في تلك الحال، ومن المعلوم أن الإنسان المُبَشَّر بالشيء لا يمكن أن يزعج بضده، إذا أُزْعِجَ بضده انقلبت البشارة سوءًا. هذا خمسة أوجه كلها تدل على أن الذبيح إسماعيل.
الوجه السادس: قوله هنا: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات ١١٢] بعد أن ذكر قصة الذبح كاملة، ولا يمكن أن يكون في القرآن تكرار.
السابع: أن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق للأم ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ ولم يذكر ذلك في إسماعيل.
الثامن: أن الله تعالى قال في إسحاق: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وإذا كان قد بُشِّرَ بأنه نبي فإنه لا يليق ولا يسوغ أن يأمر بذبحه بعد أن بشر بنبوته. هذه ثمانية أوجه كلها تدل على أن الذبيح هو إسماعيل.
التاسع: أنه روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»[[لم نقف عليه بهذا اللفظ، وقد ذكره الحاكم في مستدركه بغير إسناد (٢ / ٥٥٩). وقال العجلوني في كشف الخفا (١ / ١٩٩): قال الزيلعي وابن حجر في تخريج أحاديثه: لم نجده بهذا اللفظ، أما معناه فقد أخرج الحاكم (٤٠٨٠) بسنده عن عبد الله بن سعيد الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق بن إبراهيم فقال بعضهم: الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم: بل إسحاق الذبيح، فقال معاوية: سقطتم على الخبير كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه الأعرابي، فقال: يا رسول الله، خلفتُ البلاد يابسة والماء يابسًا، هلك المال وضاع العيال، فعد علي بما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه.. الحديث.]] يعني إسماعيل وأباه عبد الله بن عبد المطلب، فإن صحَّ هذه الحديث فهو أيضًا دليل واضح على أن الذبيح إسماعيل؛ لأن النبي ﷺ كان من ذرية إسماعيل ولم يكن من ذرية إسحاق، بل كان من ذرية إسماعيل. طيب، ربما يأتينا أوجه أخرى تؤيد أن الذبيح كان إسماعيل.
قال المؤلف رحمه الله: (﴿بِذِبْحٍ﴾ بكبش ﴿عَظِيمٍ﴾ من الجنة وهو الذي قَرَّبه هابيل جاء به جبريل عليه السلام فذبحه السيد إبراهيم مكبِّرًا) تقدم أن هذا قول ليس عليه دليل صحيح، وأن هذا الفداء كان من بهيمة الأنعام الموجودة في وقته، وليس هناك دليل على أنه من الجنة ولا على أن في الجنة كباشًا فالصواب أنه ذبح من ذبح الدنيا أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأن يذبحه، وظاهر الآية الكريمة أنه ذبحه فداء عن إسماعيل، ويجوز أيضًا أن يكون مع الفِداء شكرًا لله سبحانه وتعالى على نعمته بهذا البلاء المبين.
قال: ﴿