تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ ﴿٦٩﴾
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٧٠﴾
وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ﴾ أي: الذي علمناه، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أي: ما الذي علمناه إلا ذكر وقرآن مبين.
قوله: ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ قال المؤلف: (عِظَة) يعني: موعظة يتذكر بها مَنْ تَذَكَّر، ومن الذي يتذكر؟ الذي يتذكر بهذا القرآن بَيَّنه الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]، وهذا باعتبار الاستعداد والقبول، وقال تعالى في آية أخرى ما يدل على أن كل المتقين يتعظون بهذا القرآن، فيكون فيه بيان للذين يتعظون به من حيث السلوك، ففي سورة (ق) بيان للذين يتعظون به من حيث القبول والاستعداد في التذكر.
وفي الآيات الأخرى التي تربط التذكر بالقرآن بالإيمان والتقوى وما أشبه ذلك دليل على من يتعظ به من حيث السلوك والعمل وكلما ازداد الإنسان عملًا بالقرآن ازداد تَذَكُّرًا به، وهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله في معنى الذكر هو أحد معاني؛ لأن الذكر الذي وُصِفَ به القرآن يتضمن عدة معانٍ:
المعنى الأول ما ذكره المؤلف وهو أيش؟ العظة والتذكر به.
المعنى الثاني أنه ذِكْرٌ يذكر به الله وهو أشرف أنواع الذكر، كيف ذلك؟ لأن القرآن كلام الله عز وجل فبمجرد ما تتلوه وأنت تشعر أنه كلام الله سوف تذكر عظمة الله عز وجل، ولأن القرآن يشتمل على أخبار هي أصدق الأخبار وأنفعها للقلوب، ولأنه يشتمل على قصص هي أحسن القصص وأجملها وأتمها، ولأنه يشتمل على أحكام مِنْ لَدُنْ حكيمٍ خبير هي أعدل الأحكام وأقومها بمصالح العباد، ولأنه يشتمل على أوصاف الله تعالى وأسمائه التي هي أفضل الأسماء وأشرف الأوصاف. كل هذا في الواقع ذِكْرٌ، فالقرآن نفسه ذكر لله عز وجل؛ لأنه يشتمل على كل هذه المعاني التي بينها الله تعالى في كتابه.
المعنى الثالث للذكر أنه رِفعة وشرف لمن يقوم به ويعمل به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤]، والذكر بمعنى الرفعة والشرف موجود في القرآن كما في الآية التي تلوتُها الآن، وكما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤] أي: ذكرك بالشرف والتبجيل والتعظيم.
فصار معنى الذكر هنا التذكر الذي هو الموعظة، والذكر الذي هو ذكر الله عز وجل بما يشتمل عليه القرآن مما أشرنا إلى شيء منه، والثالث الشرف؛ لأنه لا شك أن مَنْ تَمَسَّك بهذا القرآن فإنه له الشرف والسيادة على جميع الخلق؛ ولهذا فإني أحثُّكم على أن تمسكوا بهذا القرآن وأنتم إذا تمسكتم به عقيدة وعملًا وهديًا فستكون العاقبة لكم، ولا تظنوا أنكم قليلون، لو كنتم قليلين فإن الاهتداء بالقرآن يستلزم أن ينجذب الناس للمهتدي به حتى يكثروا شيئًا فشيئًا كالحجر تلقيه في اليم ثم تتسع الدائرة حتى يشمل اليم كله، فالحاصل أن المهم أن الإنسان إذا تَمَسَّك بهذا القرآن الكريم فسوف يكون له الشرف والسيادة والظهور على جميع الخلق.
قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، ﴿قُرْآنٌ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى مفعول وأن يكون بمعنى فاعل؛ لأن قرآن مصدر مثل الشكران والغفران والنكران وما أشبهها، والمصدر يأتي بمعنى اسم الفاعل ويأتي بمعنى اسم المفعول؛ وعلى هذا فالقرآن قارئ ومقروء؛ أما كونه قارئًا فلأنه من القَرْء يعني الجمع فهو جامع للأحكام والأخلاق والآداب الموجودة في الكتب السابقة قبله كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨]، فهو جامع أيضًا لكل ما تقوم به أمور الدنيا وأمور الآخرة، هو أيضًا مقروء أي: متلو؛ لأنه يُتْلَى، والقراءة بمعنى التلاوة.
إذن قرآن نقول: إنه مصدر بمعنى اسم الفاعل واسم المفعول، وهل له نظير أعني إتيان المصدر على وزن فعلان؟
* طالب: نعم، له نظير.
* الشيخ: إي نعم، له نظير قلنا: الغفران والشكران والنكران وما أشبهه.
قال: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف رحمه الله: (مظهر للأحكام وغيرها) فـ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من (أبان) بمعنى أظهر، وقد سبق لنا مرارًا أن (أبان) يكون لازمًا ويكون متعديًا، يكون لازمًا بمعنى ظهر وهو كثير في القرآن مثل: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أي: بَيِّنٌ ظاهر، وتأتي مبين من (أبان) بمعنى أظهر أي المتعدي كما في هذه الآية.
﴿مُبِينٌ﴾ أي: مظهر، لأي شيء هو مظهر؟ مظهر للأحكام وغير الأحكام كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فما من شيء يحتاج الناس إليه إلا وجد في القرآن كل شيء يحتاج الناس إليه موجود في القرآن، لكن وجوده في القرآن إما أن يكون على وجه صريح أو على وجه ظاهر، أو على وجه الإيماء والإشارة، أو على وجه الشمول والعموم، أو على وجه اللزوم.
المهم أن القرآن مبين لكل شيء؛ تارة يذكر الدليل على المسألة، وتارة يذكر التوجيه إلى الدليل على المسألة، فمثلًا في مسائل كثيرة لا توجد في القرآن وهي من أهم أحكام الإسلام كعدد الركعات في الصلوات وتقدير أنصباء الزكاة وما يجب فيها وما أشبه هذا، لكن في القرآن ما يشير إليه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧] هذه الآية إذا وجهتها إلى السنة شملت جميع السنة، وشرعنا كله لا يعدو الكتاب والسنة، إذن فالقرآن مُبَيِّن لكل شيء؛ ولهذا قال: ﴿مُبِينٌ﴾ في الأحكام وغيرها، هو أيضًا مبين لكل ما سبقنا من الحوادث التي يكون في بيانها مصلحة كقصص الأنبياء وقصص الأولياء وقصص المكذبين للرسل وغير ذلك، كل ما سبق مما في ذكره مصلحة لنا فهو مذكور، أما ما ليس لنا فيه مصلحة فإنه لا حاجة إلى ذكره، وقد يكون هذا الشيء الذي لم يُذْكَر موكولًا إلى عقول الناس وتجاربهم كما في كثير من طبائع الأشياء، الأمور الطبيعية سواء كانت فلكية أو جيولوجية أو غير ذلك نجد أن القرآن لم يفصِّلْها، ولم يبينها لماذا؟ لأنه ليس فيها فائدة، فائدتها تكْمُن في أن الناس يطلبونها وينظرون في آيات الله ويتحركون حتى يدركوها.
ولهذا تجد بعض المسائل التي يتنازع فيها الناس كمسألة دوران الأرض هل هي موجودة في القرآن على وجه صريح؟ ما هي موجودة لو كان هذا مما يتعين علينا اعتقاده إثباتًا أو نفيًا لكان الله عز وجل يبينه بيانًا واضحًا كما بَيَّن الأمور التي لا بد لنا من الاعتقاد فيها على وجه صريح، إذن هذه موكولة للناس استخراج ما في الأرض من المعادن وغيرها من المصالح العظيمة التي لم يُطْلَّع عليها إلا أخيرًا، هذا أيضًا لم يُذْكَر في القرآن وإن كان في القرآن إشارة إليه لكنه لم يُذْكَر على وجه التفصيل، بل قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد ٤] و﴿قِطَعٌ﴾ هذه من صيغ جموع التكثير، لو تقول: إنها ملايين القطع لم يخرج عن دلالتها، هذه القطعة لولا أنها تختلف في منافعها وذواتها وكل ما يتعلق بها ما قال الله: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إذن هي متباينة في هذه الآية مثلًا تستطيع أن تقول: إن الله أرشدنا إلى استخراج أيش؟ المعادن من الأرض لأن الله بَيَّن أنها قطع، ما هي القطع اللي فوق التراب، هذا فقط في أشياء كثيرة ما تُعْلَم، وربما تُعْلَم في المستقبل، وربما ظهر علمها الآن، المهم أن القرآن مبين أيش؟ مبين لكل شيء.
وأنت إذا تدبرت القرآن مرة بعد أخرى لا تعيد التدبر مرة ثانية إلا ظهر لك معنى جديدًا غير الأول، ولا يمكن لأحد أن يحيط بمعاني القرآن، لكن كلما تدبره الإنسان طالبًا الحقَّ مريدًا للصواب فإنه يهتدي إلى معانٍ كثيرة.
سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه هل عهد إليكم رسول الله ﷺ بشيء؟ لأنه كان يُرَوَّج في ذلك الوقت -من وقت علي والشيعة- يروجون بأن النبي ﷺ عهد بالخلافة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فسُئِلَ هل عهد إليكم رسول الله ﷺ بشيء؟ يعني: من الخلافة أو من العلوم التي كتمها عن الناس، فقال: «لَا، وَالَّذِي بَرَأَ النَّسَمَةَ وَفَلَقَ الْحَبَّةَ إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَاءَ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَالَّذِي فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ الْعَقَلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤٧) من حديث علي بن أبي طالب.]] الشاهد كلامه الأول إلَّا فَهْمًا يؤتيه الله تعالى مَنْ شاء في كتابه، هذا الفهم يختلف فيه الناس اختلافًا كبيرًا جدًّا جدًّا، ترى بعض العلماء يتكلم على آية يستخرج منها فوائد محدودة معدودة، وترى آخر يتكلم عليها يستخرج منها أضعافًا مضاعفة بالنسبة لما استخرجه الأول، كل ذلك بحسب استعداد الإنسان وفَهْمِه وبصيرته، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا وتقوى ازداد هدى بالقرآن؛ ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧].
قال عز وجل: (﴿لِيُنْذِرَ﴾ بالياء والتاء) ﴿لِيُنْذِرَ﴾ بالياء، فالضمير يعود على أيش؟ على القرآن. ﴿لِتُنْذِرَ﴾ الضمير يعود على رسول الله ﷺ، لكن على قراءة التاء قَدَّر المؤلف: (به) لتنذر به؛ ولهذا قال: (بالياء والتاء به) كلمة (به) تعود على القراءة الثانية وهي ﴿تُنْذِرَ﴾ ، أما القراءة الأولى فلا تحتاج إلى هذا التقدير، ولا شك أن القرآن نفسه منذر، وأن النبي ﷺ منذر به، فالقرآن فيه وعيد، وفيه أوصاف لمن يستحق هذا الوعيد، وهذا هو الإنذار، كما أن فيه أيضًا بشارة وأوصافًا للمبشرين، وهذا هو التبشير، فالقرآن فيه بشارة وفيه إنذار والنبي ﷺ جاء بالقرآن وأَنْذَر به وخَوَّف به ورغب به. ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ قال المؤلف: (يعقل ما يخاطب به وهم المؤمنون).
﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ هل المراد بالحياة هنا الحياة المعنوية التي هي حياة القلب أو الحياة الحسية التي هي حياة الجسم؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين؛ ولهذا قال ابن كثير رحمه الله: ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ على وجه الأرض؛ يعني: من كان حيًّا حياةً جسمية؛ لأن رسالة الرسول ﷺ رسالة عامة لجميع الخلق فهو يُنْذِر من كان حيًّا يعني: ينذر كل حي أو من كان حيًّا حياة معنوية؛ يعني: حياة القلب؛ حيث يراد به مَنْ يعقل ويتبصر ويؤمن وعكسه مَنْ؟ عكسه الميت ميت الجسم، وميت القلب، أما ميت الجسم فلا يمكن إنذاره بالقرآن؛ لأنه انتقل إلى دار الجزاء ولا يمكن أن يفهم ولا أن يعلم، وأما ميت القلب فلأنه قد طبع على قلبه -والعياذ بالله- فلا يصل إليه النور ولا يصل إليه الحق.
(﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ العذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وهم كالميتين لا يعقلون ما يخاطبون به) هنا قال: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ فينتفع بالإنذار ويتَّعظ ويتجنب المحرمات ويأتي بالواجبات، ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ ماذا تتوقع أن يقال؟ أتوقع أن يقال: ويحق القول على من كان ميتًا أو على الأموات؛ لأن هذا مقتضى المقابلة، نعم، لكن عدل عن هذا إلى ذكر الكافرين ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠]، وفائدة العدول عن ذكر المقابل بلفظه أمران:
الأمر الأول: أن المراد بالميت الكافر، وأن الكافر لا يمكن أن ينتفع بالقرآن.
والثاني: التسجيل على أن من لم ينتفع بالقرآن فهو كافر، ومن انتفع به في شيء دون آخر ففيه خصلة من خصال الكفر؛ ولهذا كل معصية فهي من خصال الكفر لكنها قد تكون قليلة، وقد تكون كثيرة فلهذا عدل الله عز وجل عن هذا إلى قوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ دون قوله: (ويحق القول على الميتين) بل قال:
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ومن هذا.. يعني من هذه الأمثلة وهو كثير في القرآن قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠] لم يقل: لا يقضون بالباطل، بل قال: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ ليشمل الباطل وغير الباطل؛ يعني: ليس لهم قضاء إطلاقًا؛ لأنهم مربوبون مملوكون فلا يقضون بشيء ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١] إلى آخره.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاستفهام هنا لأيش؟ للتقرير؛ لأنه كلما دخل الاستفهام على نفي فهو للتقرير سواء كانت أداة النفي حرفًا مثل (لم) أو فعلًا مثل (ليس)، المهم أن الاستفهام هنا للتقرير، والواو حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، أو أن المعطوف عليه مقدر بين الهمزة والواو بحسب ما يقتضيه السياق.
يقول: ﴿يَرَوْا﴾ قال: (يعلموا) فَفَسَّر الرؤية هنا برؤية العلم، ويمكن أن يراد بها رؤية البصر، ورؤية البصر أقوى في التقرير من رؤية العلم؛ لأن رؤية العلم قد يُنْكِر الإنسان ويقول: أنا ما أعلم بهذا. لكن رؤية البصر إذا كان الشيء أمامه يشوف الإبل مثلًا لا يمكنه أن ينكر، والحقيقة أنها محتملة لهذا وهذا؛ فباعتبار أن الله خلق هذه الأشياء لا شك أنها رؤية علم لأننا لم نشهد خلق هذه الأشياء كما قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف ٥١]، وباعتبار المخلوق رؤية بصر لأنها يُشاهَد ويُعلَم ولا يمكن إنكارُه.
قال المؤلف: (والاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليها للعطف) الواو الداخلة عليها الآن هل الواو داخلة ولَّا مدخولة؟ يعني: قولوا عن علم، لا تكن مثل الصبي إذا ذكرت له شيئين يأخذ بالأخير دائمًا، لو تقلب عليه العبارة أخذ بالأخير الذي هو الأول في العبارة الأولى، فالآن هل الواو مدخولة ولَّا داخلة؟
* طلبة: داخلة.
* الشيخ: والواو الداخلة عليها للعطف؟ الواو داخلة عليها ولَّا مدخولة؟
* طالب: داخلة.
* الشيخ: ما هو الداخل هل السابق ولَّا اللاحق؟
* طالب: اللاحق.
* الشيخ: يا إخوان، السابق لا شك، الداخل على الشيء هو السابق، فمثلًا إذا جاءك الواو عندنا، الهمزة والواو أنت تقول: دخلت الهمزة على الواو، ولَّا دخلت الواو على الهمزة؟
* طالب: الواو على الهمزة.
* الشيخ: المؤلف يقول هكذا، لكن نقول: دخلت الهمزة على الواو، إذا قلت: سوف يقوم، هل (يقوم) دخل على (سوف)، ولَّا (سوف) دخلت على (يقوم)؟ سوف دخلت على (يقوم) فالداخل هو الأول، والمؤلف يقول: (والواو الداخلة عليها) يشير إلى القول الثاني في مثل هذا الترتيب، وهو أن التقدير (وألم يروا أنا خلقنا لهم)، وهذا أحد القولين كما هو معروف فهنا المؤلف رحمه الله جعل الواو داخلة على الهمزة، والواقع أن الهمزة حسب الترتيب داخلة على الواو، لكنه رحمه الله يرى أن في المسألة تقديمًا وتأخيرًا وأن الواو داخلة على الهمزة في الأصل فأصله (وألم يروا).
(﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ في جملة الناس ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ أي: عَمِلْنَاهُ بِلَا شَرِيك وَلَا مُعِين ﴿أَنْعَامًا﴾ هِيَ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم) ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ أي: أوجدنا لهم من العدم أنعامًا، والله سبحانه وتعالى مختص بالخلق، لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى، وإضافة الخلق إلى المخلوق يعني: أن يكون للمخلوق خلق ليس على سبيل الإضافة بالنسبة إلى الله؛ لأن خلق الله للأشياء خلق إيجاد من عدم، خلق المخلوق للأشياء ليس خلق إيجاد، ولكنه خلق تغيير من حال إلى حال أو وصف إلى وصف، إذا نَجَّرْتَ الخشبة بابًا فقد خلقتها بابًا، لكن هل أنت أوجدت هذه الخشبة؟ الجواب: لا، لكن صيَّرْتَها إلى هيئة معينة، وهذا نوع من الخلق؛ ولهذا يقال للمصورين يوم القيامة: أَحْيُوا أيش؟ ما خلقتم[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧ / ٩٦) من حديث عائشة.]]، مع أنهم لم يوجدوا الصورة من عدم، لكن غَيَّروا ونقلوا من حال إلى حال. فالخلق الخاص بالله هو خلق الإيجاد، أما الخلق الذي يكون من المخلوق فما هو إلا تغيير وتحويل فقط.
﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ اللام هنا للملك ولَّا للاستحقاق؟
* طالب: للاستحقاق.
* الشيخ: للاستحقاق، ويصح أن تكون للملك كما سيأتي في الآية نفسها.
﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ أي: مما عملنا مِنْ نِعَمٍ، وليس المعنى أن الله سبحانه وتعالى خلق هذه الأنعام بيده، لو كان أراد ذلك سبحانه وتعالى، وكان الواقع كذلك لقال: مما عملنا بأيدينا كما قال تعالى في آدم يخاطب إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، فهنا أضاف الخلق إلى نفسه وجعل المخلوق به اليد. أما هنا فأضاف العمل إلى اليد ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فهو كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠] وما أشبهها مما يضاف فيه الفعل إلى اليد والمراد الإنسان كذلك، هنا أضاف الله تعالى العمل إلى يديه، والمراد أيش؟ المراد نفسه أي: مما عملنا. وهنا قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ بالجمع، فهل الله عز وجل له أكثر من يد؟ الجواب: لا. هل لله تعالى أكثر من يدين؟ الجواب: لا. ليس لله أكثر من يدين، ليس له إلا يدان اثنتان، فلماذا جَمَع هنا؟ جمع من أجل المناسبة؛ لأن الأفصح في المثنى إذا أُضِيفَ إلى جمع الأفصح فيه الجمع. ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم ٤] مع أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد؟
فهنا لَمَّا أضافه إلى الضمير المفيد للجمع -وهنا للتعظيم بلا شك- ناسب الجمع، وأيضًا فإن الجمع أبلغ في التعظيم؛ فلهذا جُمِعَت، وأيضًا فإن هذه الأنعام لا يُحْصيها إلا الله عز وجل فهي جموع كثيرة، كل واحدة منها تحتاج إلى فعل ولَّا لا؟ إلى فعل خاص؛ لأن لكل واحدة خلق خاص، فجمع أيضًا باعتبار المعمول الذي هو هذه الأنعام.
طيب، على كل حال هذه الآية لا شك أنها تفيد إثبات اليد لله عز وجل، ولكنها لا تفيد أن له أكثر من يدين لما عَلِمْتُم من وجوه الجمع، لا تفيد أن لله أكثر من يدين لما علمتم من وجه الجمع.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أنه ليس لله إلا يدان اثنتان؟
قلنا: الدليل أن الله تعالى تَمَدَّح بهما في مقام المدح والعطاء والرزق، ولو كان له أكثر من ذلك لذكره لاقتضاء المقام إياه؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٦٤] ولو كان له أكثر من ثنتين لقال: بل أيديه؛ لأنه كلما كثرت الأيدي كثر العطاء وهذا باعتبار المخلوق، أما الخالق عز وجل فعطاؤه لا ينفد ولا يُعَدُّ، وليس له إلا يدان اثنتان، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* طالب: الضابط في عدم التكلف في حمل الآيات (...).
* الشيخ: ينظر إذا كان اللفظ يقتضيه ويدل عليه بمقتضى اللغة العربية ثبت بالقرآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هي بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام صفة نقص لا شك، لو كان شاعرًا لكان هذا نقصًا، وإن لم يكن نقصًا لذاته لذات الشعر لكن لما يترتب عليه من الشبهات، كما أن الأمية وصف نقص من حيث هي لكن هذا باعتبار النبي عليه الصلاة والسلام هي صفة كمال؛ ولهذا مدحه الله بذلك في قوله: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف ١٥٧] فالشيء قد يكون كمالًا باعتبار إضافته لشيء ونقصًا باعتبار إضافته لشيء، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»[[أخرجه البخاري (٦١٤٥) من حديث أبي بن كعب.]] فهذا الذي منه الحكمة لا شك أنه كمال.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، فيه محذور؛ المحذور أنه لو قلنا بذلك لكانت الأنعام أشرف من الأنبياء.
* طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ فلمَ نقول: إن ﴿ذِكْرٌ﴾ أي: الوحي اللي هو السنة والقرآن هو القرآن المبين؟
* الشيخ: لأن المشركين قالوا: إن القرآن شعر، ولم يقولوا عن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: إنه شعر، فأبطل الله قولهم، وقال: هذا الذي تقولون: إنه شعر وأن الرسول عُلِّمَه ما هو إلا ذكر، وفي القرآن كثير من وَصْفِ الله تعالى القرآن بالذكر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩].
في الآية اللي بعدها * فائدة خامسة وهي إثبات العلة، وإن شئت فقل الحكمة؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ اللام، وكلما رأيت اللام لام التعليل في كتاب الله عز وجل فهي مثبتة للحكمة في أفعال الله تعالى أو في مشروعاته.
ثم قال عز وجل: ﴿