×

يس

الآيات ٦٤–٦٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٦٤﴾

ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿٦٥﴾

اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ الذي يظهر أنه عهد حضوري. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (ما) مصدرية أي: بكونكم تكفرون، والباء للسببية أي بسبب، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: تكفرون به في الدنيا؛ فقد كفروا بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وبكل ما أخبر الله به؛ ولهذا لم يقوموا بطاعته؛ لأنه ليس عندهم إيمان، وإنما يقال لهم: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ لإقامة الحجة عليهم وبيان أنهم لم يظلموا؛ ولهذا ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك ٨، ٩]. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة، (﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: الكفار؛ لقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ وغيرها ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فكل عضو ينطق بما صدر منه). ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الختم على الشيء بمعنى إغلاقه وعدم الوصول إليه، ومنه خَتَمْتُ الكيس إذا أحكمتُ شدَّه وختمت عليه بالشمع ونحوه، ومعنى ﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي نسُدها فلا تتكلم؛ وذلك أن المشركين يوم القيامة إذا رأوا الموحدين قد نجوا تكلموا وتبرؤوا من الشرك، وقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. أقررنا لأننا غير مشركين لعلنا ننجو كما نجا أهل التوحيد، وحينئذ يُخْتَم على أفواههم؛ لأن أفواههم صارت تتكلم بماذا؟ بالكذب، فيختم على أفواههم وتنطق الجوارح والجلود، الجوارح بما عملت والجلود بما مسَّت؛ فإن الجلد يَمَسُّ المحرمات كمس المرأة لشهوة مثلًا فتشهد عليهم الجوارح؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يس ٦٥]، نفس اليد تتكلم تقول: عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا. ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس ٦٥] نفس الأرجل تشهد تقول: أشهد أنه عَمِل كذا وكذا، وتأمَّلِ الفرق بين اليد والرجل؛ فاليد قال: ﴿تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾، في الأرجل قال: ﴿تَشْهَدُ﴾؛ لأن اليد تُخْبِر عما فعلت، والرجل تخبر عما فعل غيرُها، قالوا: لأن الأصل في المباشرة اليد؛ ولهذا دائمًا يُعَلَّق الكسب باليد فيقال: بما كسبت أيديكم، أو ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، أو بما كسبت أيديهم؛ فلهذا كانت الأيدي مباشرة، والأرجل شاهدة؛ لأن الشاهد هو الذي يُخْبِر عما فعل غيره، والفاعل هو الذي يُخْبِر عما فعل هو بنفسه، هكذا قال بعض أهل العلم، وهو فرق لا بأس به مع أن الإنسان قد يشهد على نفسه كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء ١٣٥]، فإقرار الإنسان على نفسه شهادة عليها، لكن الفرق الذي أشار إليه بعض العلماء ونقلناه لكم فرق لا بأس به. ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ كذا عندكم؟ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال: (﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ وغيرها)، المؤلف قال: (وغيرها)، ولا يعني ذلك أنه يستدرك على القرآن، لكنه يُنَبَّه على موضع آخر من القرآن، ففي آية أخرى بيَّن الله تعالى أنه تشهد عليهم الجلود ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت ٢٢]، لا قبلها ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت ٢٠]. السمع والبصر ذُكِرَ هنا ولَّا ما ذُكِر؟ هنا ما ذُكِرَ، هنا ذُكِرَت الأيدي والأرجل، السمع والبصر والجلود ما ذكر، ولهذا قال المؤلف: (وغيرها) إشارة إلى أن هناك أعضاء تشهد غير الأيدي والأرجل؛ ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾ السمع بما سمع، والبصر بما رأى، والجلد بما مس، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ ولم يقل: وقالوا لأبصارهم وسمعهم: لم شهدتم؛ لأن عذاب الجلد عام يشمل الجسد كله، لكن عذاب السمع والبصر خاص بالسمع والبصر؛ فلهذا ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾؛ لأن العذاب سيكون على الجلود كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦]، الحاصل أنه يشهد غير الأيدي والأرجل فتكون الشهداء كم؟ خمسة؛ الأيدي، والأرجل، والسمع، والبصر، والجلود. يقول: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ تنازعه عاملان: الأول: (تُكَلِّم)، والثاني: (تَشْهَد)، والتنازع أن يتوارد عاملان على معمول واحد؛ مثل أن تقول: أكرمت ورأيت زيدًا، فإن (أكرمت) و(رأيت) عاملان على معمول واحد وهو زيد، أما أيهما يعمل هل هو الأول ولَّا الثاني؟ فالعلماء اختلفوا في ذلك يقول ابن مالك: وَالْثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ ∗∗∗ وَاخْتَار عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ العامل الثاني هو الذي عند البصريين وعند الكوفيين، الذي يعمل هو الأول. ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ولم يقل: بما كانوا يعملون؛ لأن العمل قد لا يكون من كسب الإنسان، قد يكون العمل خطأ فلا يؤاخذ به الإنسان فلا يكون من كسبه، بل الذي يكون من الكسب هو العمل الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦] ولم يقل: لها ما عملت وعليها ما عملت، فالكسب أخصُّ من العمل؛ لأنه لا يلزم من كل عمل أن يكون كسبًا، قد يكون وقع عن سهو أو عن جهل فلا يؤاخذ به الإنسان، وقد يكون عن غير قصد فلا يؤاخذ به الإنسان، لكن مع ذلك أحيانًا يُطْلَق العمل ويراد به العمل الذي هو الكسب؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت ٤٦]، يقول: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فكل عضو ينطق بما صدر منه؛ اليد تنطق بما بطشت، والرجل بما مشت، والعين بما رأت، والأذن بما سمعت، والجلد بما مس. في سورة النور ذكر الله أن الألسن تشهد؛ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤]. إذن نضيف هذا إلى الخمسة تكون ستة؛ اللسان أيضًا يشهد عليهم؛ لأن اللسان هو أعظم الجوارح خطرًا لقول النبي ﷺ لمعاذ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّار عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»[[أخرجه الترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣) من حديث معاذ بن جبل. ]] وكلَّ صباح تكفر الجوارح اللسان؛ يعني أنها تجعل الأمر منوطًا به؛ ولهذا قال في سورة النور: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾، ونص على الألسن في سورة النور؛ لأنه ذكر فيها ما يتعلق بذلك من الأمور العظيمة كالقذف مثلًا، وأعظمه قذف عائشة رضي الله عنها؛ فلهذا ذُكِرَت في سورة النور الألسن؛ لأن القذف قول فقال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وكل عضو ينطق بما صَدَر منه. قال: (﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ لأعميناها طَمْسًا ﴿فَاسْتَبَقُوا﴾ ابتدروا ﴿الصِّرَاطَ﴾ الطريق ذاهبين كعادتهم ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ فكيف يبصرون حينئذ؟ أي: لا يبصرون، ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ قردة وخنازير أو حجارة ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ وفي قراءة ﴿مَكَانَاتِهِمْ﴾ جمع مكانة بمعنى مكان أي: في منازلهم ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لم يقدروا على ذهاب ولا مجيء). قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ [يس ٦٦]، (لو) هذه حرف امتناع لوجود، ما الذي امتنع؟ الطمس، امتنع ليش؟ لامتناع المشيئة، فإذن هي حرف امتناع لامتناع، لو جاء زيد لأكرمتك. امتنع المجيء والإكرام، لكن (لولا) حرف امتناع لوجود، و(لما) حرف وجود لوجود، فهذه الثلاثة أدوات تنازعت الوجود والعدم. لو جاء زيد لأكرمتك. امتناع لامتناع. لولا زيد لأكرمتك. امتناع لوجود. وإن شئت فقل: لولا مجيء زيد لأكرمتك، عشان ينطبق مع المثالين، هنا ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ إذن حرف امتناع لامتناع، امتنع المسخ لامتناع المشيئة، فقوله عز وجل: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾، ﴿نَشَاءُ﴾ هذه جمع، ﴿نَشَاءُ﴾ الضمير ضمير جمع؛ يعني: لو نشاء نحن، وهذا من المشتبه؛ لأن النصراني ادعى تعدد الآلهة بمثل هذا الضمير، قال الله عز وجل يعبِّر عن نفسه بـ(نحن) و(نشاء) و(نريد) وما أشبه ذلك، إذن فهو متعدد، ولكننا نرد عليه بأن الجمع هنا للتعظيم وليس للتعدد؛ لأنك عميت عينك وعميت بصيرتك عن الآيات الصريحة المحكمة الدالة على أن الله إله واحد ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء ١٧١]، ولكن كما قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧] إذن الضمير ﴿نَشَاءُ﴾ وهو ضمير جمع، (نحن) هذا للتعظيم وليس للجمع قطعًا؛ لأن الله واحد. ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ قال: (أعميناها طمسًا) والطمس أبلغ من الإعماء؛ لأن الطمس إزالة العين مرة واحدة ليس لها أثر، والعمى يكون مع بقاء العين، لكن قد تكون قائمة بصورتها وقد تختلف، المهم أن الطمس إزالة العين ومعالمها نهائيًّا، لو شاء الله تعالى لفعل ذلك حتى بعد وجود العين، وإلا لن يخلق فيهم أعينًا. إحنا قلنا بعد وجود العين؛ لأن الله قال: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾، والله عز وجل على كل شيء قدير، فكما كان قادرًا عل شق العين فهو قادر على طمس ذلك الشق، وإذا كان البشر ربما يخيط الشق حتى يتلاءم فما بالك بالخالق عز وجل الذي يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]!. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٦٦] يعني: طُمِسَ على أعينهم فصاروا يتسابقون لعلهم يدركون الطريق الذي يُوَصِّلهم إلى مقصودهم، كأنك تتصورهم الآن يتنافرون تنافر الحمر لعلهم يهتدون إلى الطريق، وهل هذا ممكن؟ هل يمكن للأعمى أن يُدَلَّ الطريق؟ لا، من حيث الدلالة البصرية لا يمكن، ولهذا قال: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ يعني: كيف يبصرون الطريق وقد طمس الله أعينهم! والمقصود بهذه الآية أن الله سبحانه وتعالى طمس قلوب هؤلاء، ولو شاء لطمس أعينهم فصار الطمس حسيًّا معلومًا، وكما أن المطموسة عينه لا يُبْصِر فكذلك المطموسة بَصيرته لا يبصر الحق، كيف يمكن لإنسان طَمَس الله بصيرته أن يبصر الحق ويهتدي هذا شيء متعذر، كما أن مَنْ طَمَس الله بصره لا يمكن أن يهتدي إلى الطريق. قال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس ٦٧] الأول ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ انتفاء الدلالة، والثاني انتفاء السير ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ ﴿مَسَخْنَاهُمْ﴾ قيل: المراد بالمسخ ما قال المؤلف: (قردة وخنازير وحجارة) ، وقيل: المراد بالمسخ الإبقاء على ما هم عليه؛ يعني: يُمْسَخون على مكانتهم فلا يستطيعون التحرك، وهو آدمي لكن ممسوخ لا يستطيع الحراك، وأيًّا كان فالله على كل شيء قدير، وقد قلب الله تعالى بني آدم قردة وخنازير. * طالب: (...). * الشيخ: بني إسرائيل، إي نعم، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠] فالله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صْورَةَ حِمَارٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧ / ١١٤) من حديث أبي هريرة.]]، والأمر هين على الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. فيقول: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: حَوَّلْنا صورهم إلى صور أخرى من القردة والخنازير أو جعلناهم حجارة أو أننا أبقيناهم ماكثين كالجماد، المهم أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لمسخهم وأبقاهم في مكانهم ما يتحركون؛ ولهذا قال: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ يعني: فما استطاعوا أن ينظروا، لماذا؟ لأنهم مُسِخُوا على مكانتهم وبقوا ثابتين ولا يستطيعون أن يرجعوا، والذي لا يستطيع أن يمضي ولا يرجع معناه ثابت كالعمود لا يتقدم أمامًا ولا يتأخر خلفًا، لو شاء الله عز وجل لمسخهم على هذا حتى ظهر أمرهم محسوسًا، أما بالنسبة للخير والتقدم المعنوي فهم لم يتقدموا إلى الخير ولكن تأخروا عنه إلى الشر؛ ولهذا كان سَيْرُهم الذي يسيرون عليه في العمل عكسَ الاتجاه الصحيح، بل مضاد له تمامًا؛ ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس ٦٨] (...). ويش تقولون فيه؟ حرف استفهام بمعنى النفي؛ يعني: فلا يبصرون. (...) انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦١]. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس ٦٢] هذا مبتدأ الفوائد. * يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد: * أولًا: بيان عداوة الشيطان لبني آدم؛ حيث أضل منهم جِبِلًّا كثيرًا أي: خلقًا كثيرًا عظيمًا. * ومنها: الحذر بل التحذير من الشيطان وإغوائه؛ لأنه لا يمكن أن يسعى لهداية الخلق أو لهداية بني آدم، وإنما يسعى لإضلالهم. * ومنها: أن من اتبع الشيطان في إغوائه وإضلاله فهو غير عاقل؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. * ومنها: أن مَن ساء تصرفه صح أن ينفى عنه العقل وإن كان عاقلًا عقل إدراك؛ لقوله هنا: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾، وقد مر علينا أن العقل عقلينِ: عقل هو مناط التكليف وهو عقل الإدراك، وعقل هو مناط المدح والذم وهو عقل التصرف الذي يكون به الرشد. * ومنها: توبيخُ ولومُ مَنْ تَبِعَ الشيطان في إضلاله لكونه غير عاقل؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس ٦٣] في هذا إثبات نار جهنم وأنها تشاهد عيانًا يوم القيامة؛ لقوله: ﴿هَذِهِ﴾ والإشارة تكون إلى مشار إليه محسوس. * ومنها: بيان صفة النار، وأنها -والعياذ بالله- كلها ظلمة وكلها سواد؛ لقوله: ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ لأنها من الجهمة أي: الظلمة والسواد. * ومنها أيضًا: تقرير هؤلاء وإظهار خطأهم في تكذيبهم؛ لقوله: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. * ومنها؛ من فوائد الآية: صدق وعد الله سبحانه وتعالى؛ حيث صدق وعده بما وعد به هؤلاء المكذبين حتى شاهدوا ما وُعِدوا به عيانًا. ثم قال عز وجل: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس ٦٤]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن هؤلاء المكذبين يؤمرون أمر إهانة وإذلال ليصلوا النار؛ لقوله: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الأسباب لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، وإثبات الأسباب أمر معلوم بالشرع والعقل والحس، ولا ينكر إثبات الأسباب إلا جاهل بحقيقة الواقع فإنه لا أحد ينكر أنك إذا رميت الزجاجة بحجر انكسرت به، وإذا ألقيتَ الخِرَق في النار احترقت بها، لا ينكر هذا إلا شخص مكابر في الواقع، ومع هذا فهل الأسباب تفعل بذاتها أو تؤثر بذاتها؟ لا، بل بخلق الله سبحانه وتعالى التأثيرَ فيها، وحينئذ لا يكون لإثبات الأسباب أو لا يكون في إثبات الأسباب شيء من الشرك خلافًا لمن زعم أن إثبات تأثير الأسباب نوع من الشرك؛ لأن وقوع هذه الأسباب إنما تؤثر بأيش؟ بخلق الله عز وجل التأثير فيها؛ ولهذا إذا شاء الله ألا تؤثر لم تؤثر فإن النار طبيعتها الإحراق، ومع ذلك لم تحرق إبراهيم عليه الصلاة والسلام بل كانت بردًا وسلامًا عليه؛ لأن الله قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]. * ومنها: كمال عدل الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: فلم تظلموا، بل أنتم الذين فعلتم ذلك بأنفسكم. ثم قال عز وجل: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يختم على أفواه المكذبين يوم القيامة فلا يتكلمون، وقد سبق لنا الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى عنهم: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، وما هو الجمع؟ * طالب: (...). * الشيخ: أحسنت، إذن يكون للقيامة أحوال؛ حال يكذبون، وحالة يُقِرُّون، لكن بعد أن تشهد عليهم أيديهم وألسنتهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾، فإنه خلاف العادة أن تكلم الأيدي والأرجل، ولكن الله على كل شيء قدير؛ ولهذا لما ذكر الله عنهم أنهم قالوا ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت ٢١]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان يمكن أن يشهد بعضه على بعض؛ لأن هذا الرجل الواحد تشهد عليه أعضاؤه بما عمل، فهل يتفرع على هذا أن الإنسان في الدنيا يمكن أن يشهد على نفسه؟ نعم يمكن، وشهادته على نفسه هو إقراره على نفسه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبرة في العمل بما كان فيه من كَسْبٍ لا مجرد العمل؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وذكرنا في التفسير الفرق بين قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت ٢٠] و﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لأن مجرد العمل قد لا يكون كسبًا كما لو صدر من جاهل أو صدر من ساهٍ أو نائم أو ما أشبه ذلك. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ الآيتين. * في هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾، ولكن كل شيء معلق بمشيئة الله فإنه مقرون أيضًا بالحكمة؛ لأن الله عز وجل لا يشاء مشيئة مجردة بل مشيئته تابعة لحكمته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يدل على أن مشيئته مقرونة بالعلم والحكمة. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان تمام قدرة الله؛ ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾، هذه الأعين المبصرة لو شاء الله لطمسها وصارت كأن لم تكن. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: ضَرْب المثل عن الأشياء المعقولة بالأشياء المحسوسة؛ فإن هؤلاء لو طُمِسَت أعينهم ما استطاعوا أن يهتدوا إلى السبيل، فكذلك إذا طمس الله بصيرة القلب -والعياذ بالله- لم يستطع الوصول إلى الحق ولم يعرف الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: كمال بلاغة القرآن؛ لأن الله لو شاء لقال: