×

يس

الآيات ٥٩–٦١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿٥٩﴾

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿٦٠﴾

وَأَنِ ٱعْبُدُونِى ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴿٦١﴾

وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. * في الآية الكريمة من الفوائد: أن المجرمين يُهانون يوم القيامة بحيث يميزون من المؤمنين بلفظ الطرد، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ يعني: انفردوا وأبعدوا. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يميز بين المجرمين والأبرار يوم القيامة كما مَيَّز بينهم في الدنيا فإن طريق هؤلاء غير طريق هؤلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن قام بعمل أن يذكر الوصف المناسب لهذا العمل، فهنا لما أُمِروا بالإنفراد وطُرِدوا ناسب أن يذكر سبب ذلك حيث قال: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، كأنما قال: امتازوا لإجرامكم، ولا شك أن ذكر سبب الحكم يزيل الشبهة واللبس والاعتراض. فإذن نقول: إن تعليق الحكم بوصف هذه فائدة مبنية على الفائدة التي قلنا: إن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّة ذلك الوصف أي: على أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم؛ فإذا قلت مثلًا: أُكْرِمَ المجتهد من الطلبة. فهنا عُلِّق الإكرام بالاجتهاد يفيد أن علة الإكرام هو الاجتهاد، وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم وهو أن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّتِه أي أنه علة ذلك الحكم. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ حُذِفَت منها ياء النداء، فلماذا؟ يمكن أن يدَّعي علماء البلاغة أنها حُذِفَت من باب الإهانة لهم حتى لا يطول الكلام؛ لأن طول الكلام مع المخاطب من باب التبسط إليه والانشراح لمخاطبته، فإذا اختصر فهو نوع من الإهانة، وليس هذا على إطلاقه بل هذا على حسب السياق؛ قد يكون من الإكرام أن تختصر الكلام، وقد يكون من الإكرام أن تبسط الكلام، لكن المقام في هذا لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن اختصار الكلام وعدم تطويله من باب الإهانة لهم. ثم قال عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يحب الإعذار من نفسه؛ أي: يحب أن يقيم العذر لنفسه لتقوم الحجة على خلقه؛ لقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ فإن من عهد إلينا ألا نعبد الشيطان، وأن نعبد الله قد أقام علينا الحجة وأقام العذر لنفسه، وهذا كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. * من فوائدها: إثبات رحمة الله عز وجل بالخلق حيث لم يجعل إخلاصهم له موكولًا إلى عقولهم، بل عهد بذلك إليهم على ألسنة الرسل؛ لأن الله لو جعل الإخلاص موكولًا إلى العقول لاختلفت العقول في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ لأن الأهواء لا تنضبط، فجعل الله عز وجل ذلك مما تكفل به هو نفسه لعباده؛ ففيه إثبات رحمة الله عز وجل بهذا العهد الذي عهد به إلى عباده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التصفية قبل التحلية، أو أحد يقول: التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ هذا أيش؟ تخلية ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ تحلية يعني: نفي وإثبات، وهذا هو التوحيد، التوحيد مبني على نفي وإثبات؛ لأن النفي المجرد تعطيل محض وعدم، والإثبات المجرد لا يمنع المشاركة. إذن لا يكون التوحيد إلا بنفي وإثبات. وأضرب مثلًا لهذا لو قلت: لا قائم في البيت. هذا نفي مجرد معناه العدم، عدم وجود قائم في البيت. وإذا قلت: زيد قائم في البيت، هذا إثبات مجرد لا يمنع المشاركة، أي: قد يكون رجل آخر في البيت قائم. فإذا قلت: لا قائم في البيت إلا زيد، حينئذ تحقق الانفراد وتحقق التوحيد، وصار لا يوجد قائم في هذا البيت إلا زيد. إذن التوحيد لا بد فيه من هذين الأمرين: النفي، والإثبات. ولكن بماذا يبدأ؟ يبدأ أولًا بالنفي ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب، خالص صالح لاستقرار الإثبات فيه، ولهذا يبدأ بالنفي ثم بالإثبات كذا؟ وهذا في القرآن كثير. استمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧] فتبرَّأ أولًا من كل معبود، ثم أثبتَ العبادة لله وحده الذي فطره ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الشيطان في معصية الله، ولا تكون طاعة الشيطان إلا في معصية الله نوع من العبادة؛ لقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾؛ لأن الطاعة فيها نوع من التذلل، والعبادة هي التذلل، فمن أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده. * ومن فوائدها: أن العبادة لا تختصُّ بالركوع والسجود والذبح والنذر، وما أشبه ذلك، بل هي عامة شاملة لكل طاعة يكون فيها كمال التذلل فهي عبادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من طاعة الشيطان؛ حيث سمَّى الله تعالى طاعته عبادة، وكل إنسان يحذر من أن يعبد مع الله غيرَه، ففيه التحذير من طاعة الشيطان في معصية الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب عبادة الله وحده في قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾، والعبادة تُطْلَق على معنيين: أحدهما التعبد، والثاني المتعبَّد به، التعبد يعني التذلل لله عز وجل، وهي بهذا المعنى فعل العبد يعني صلاته صيامه حجه وزكاته، وما أشبه ذلك، وتُطلَق العبادة على المتعبَّد به، وهي بهذا المعنى كل اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال؛ العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية، إذن تطلق العبادة على؟ * طلبة: معنيين. * الشيخ: الأول: التعبد وهو فعل العابد، والثاني: المتعبد به وهي العبادات القائمة المشهورة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم هو التوحيد؛ لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ أي: ترك عبادة الشيطان والالتزام بعبادة الله، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: طريق مستقيم لا عوج فيه، وإنما كان كذلك لأنه موصل إلى رضا الله تعالى وجنته، فهو صراط مستقيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط قد يكون مستقيمًا، وقد يكون مُعْوَجًّا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣] كل واحد من البشر له طريق، فإن كان على شرع الله فهو مستقيم وإن كان على خلافه فهو معوج.