×

يس

الآية ٤٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿٤٨﴾

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يس ٤٨] يقول مَن؟ يقول الكفارُ المكذِّبون بوعد الله عز وجل، ومنه القيامة. و﴿مَتَى﴾ هنا استفهامُ استبعادٍ وتَحَدٍّ؛ يعني: يقولون مستبعدين هذا الأمرَ مُتَحَدِّين مَن يقوله، يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. و﴿مَتَى﴾ هذه خبر مقدَّم، و﴿هَذَا﴾ مبتدأ مؤخَّر؛ وذلك لأن ﴿مَتَى﴾ واقعة موقع النكرة، و﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾ معرفة، والمعروف أن المعرفة هو المبتدأ، والخبر يكون نكرةً وقد يكون معرفةً، لكن إذا وُجد نكرة ومعرفة وأمكن أن تكون المعرفة هي المبتدأ فهي المبتدأ، لماذا؟ لأن المبتدأ محكومٌ عليه، فلا بدَّ أن يكون معرفة، والمعرفة كما تعلمون تعيِّن المدلول وتخصِّصه، فلا بدَّ أن يكون المحكوم عليه معلومًا، ولهذا قال العلماء في هذه القاعدة: إذا وُجد كلمتان إحداهما معرفة والأخرى نَكِرة وأمكنَ أن تكون المعرفة هي المبتدأ فلتكنْ هي المبتدأ، وتعليل ذلك أن المبتدأ محكومٌ عليه، فلا بدَّ أن يكون معلومًا متعيِّنًا. يقول: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، قال: (﴿الْوَعْدُ﴾ بالبعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ). يقولون هذا أيش؟ استبعادًا وتحدِّيًا، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ إن كنتم صادقين بأننا نُبعث فمتى يكون؟! ولا شك أن هذا شُبهةٌ داحضةٌ؛ لأن الذين قالوا بالبعث لم يُعَيِّنوه بيومٍ معيَّن حتى يقول: يالَّا، أعطونا البعث. وانظر إلى حُجَّتهم في آيةٍ أخرى تكون أَبْين: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، وهل الذين قالوا: إنهم يُبعثون، قالوا: إنكم تُبعثون في الدنيا، حتى يقولوا: ائتوا بآبائنا؟ أبدًا، ما قالوا هكذا، إنما قالوا: ستُبعثون يوم القيامة، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ يعني: ابعثوهم لنا، هذا تَحَدٍّ في غير محلِّه؛ لأنهم ما قيل لهم: إنكم ستُبعثون في الدنيا، بل في يوم القيامة. هم يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أيش الجواب؟ ذكر الله هذا في القرآن: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية ٢٦]، فالوعد لم يَحِنْ وقتُه بعد، انتظروا وسوف يأتي هذا الوعد. قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ [يس ٤٩] هذا الجواب، أيضًا في هذه الآية أجاب، قال: (﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس ٤٩] وهي نفخة إسرافيل). (نَظَر) تُستعمل متعدِّيةً في نفسها، وإذا كانت متعدِّيةً بنفسها فهي بمعنى الانتظار؛ مثل: ﴿