تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ ﴿٤٢﴾
وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس ٤٢] ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ المراد بالمثل هنا الجنس، وليس المراد المماثلة من كل وجْه؛ وذلك لأن المماثلة من كل وجه قد تكون متعذِّرة، لكن يكفي الجنس، أمَّا النوع فيختلف باختلاف الأعصار، فلكُلِّ عصرٍ نوع سُفُنه، وما زالت تترقَّى السفن في البحار إلى أن وصلتْ إلى ما وصلتْ إليه في عهدنا الحاضر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بتعليم الله تعالى). إشارة إلى سؤالٍ مقدَّر؛ كأنه قال: كيف قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وهذه السفن مصنوعةٌ بأيدي البشر، وليستْ بخلق الله كخلق البعيرِ التي تُركب والفرسِ وشبهها؟ فأجاب المؤلف بأن الله تعالى أضاف خَلْقَها إليه لأنها كانت بتعليمه.
* في هذه الآية من الفوائد:
* أولًا: بيان ما في إنقاذ البشرية من الغرق في زمان نوح؛ فإنه لولا أن الله أبقى هؤلاء لزالتْ البشرية من الأرض، لكن الله تعالى أبقى نوحًا ومَن معه، ومع هذا فلمْ يَبْقَ من نَسْل الذين معه أحد، وإنما الذين بقوا هم نَسْل نوح فقط كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، أمَّا غيرهم فلم يَبْقَ منهم أحد، ولهذا يسمَّى نوحٌ أبا البشر الثاني.
* ثانيًا من فوائد هذه الآية: بيان نعمة الله عز وجل بما أنعم على هؤلاء بتعليم السفن التي يركبونها في البحر، ولولا هذه السفن ما استطاع أحدٌ أن يعبر من يابسةٍ إلى أخرى بينهما ماء، ولكن الله أعلمهم بصناعة هذه حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السفينة التي كان فيها نوح كانت مملوءةً من البشر وغيره؛ لقوله: ﴿الْمَشْحُونِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المماثَلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجه؛ لقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾، وليست هذه السفن الموجودة والتي كانت في عهد نزول القرآن ليست كمثل سفينة نوح من كل وجه، ويدلُّ على أن المماثلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجهٍ قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]؛ فإنَّ المراد بالمماثلة هنا المماثلة في العدد فقط، وإلا فإن بين الأرض والسماء من الفروق العظيمة ما هو ظاهر.
* وفي قوله: ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ إشارةٌ إلى الراحة الحاصلة بهذه السفن، وأنَّ محلَّ الركوب للاستقرار،* ففيها أيضًا: بيان نعمةٍ من الله سبحانه وتعالى باستقرار الراكبين على هذه السفن.