تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴿٣٧﴾
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس ٣٧] نقول في إعرابها ما قلنا في ﴿آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ﴾ فيكون ﴿اللَّيْلُ﴾ مبتدأ، و﴿آيَةٌ﴾ خبر مقدم، ونقول في نفس اللفظ كما قلنا في قوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ أي: أنه يجوز أن تكون صفة لـ(الليل) على حد قول الشاعر:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ∗∗∗ ............................
ويجوز أن تكون الجملة استئنافية؛ لبيان هذه الآية، كيف كان آية؟ كيف كان الليل آية؟ قال: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧] نسلخ يقول المؤلف: (نفصل) وسمى الله.. سلخًا؛ لأنه يشبه سلخ الجلد من البهيمة ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾؛ لأن النهار أمر وجودي يوجد بوجود الشمس، فهو وارد على الليل، فإذا غابت الشمس تبعها هذا الضوء كالجلد الذي يُسلخ من البهيمة أنت عندما تسلخ الجلد من البهيمة تجده يتراجع شيئًا فشيئًا، هكذا النهار ضوء النهار مثل الليل يسلخ الله تعالى النهار من الليل كما يُسلخ الجلد من البهيمة قال: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]؛ أي: داخلون في الظلام، (إذا) فجائية تدل على أنه بمجرد هذا الانسلاخ يُظلِم الجو، وكما نشاهد أن الانسلاخ يأتي شيئًا فشيئًا، لكن إذا تكامل الانسلاخ وُجِدَت الظلمة كاملة، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنه لو ورد الظلام الدامس على الضوء الساطع لأضر هذا بالأبصار وبالأشجار وبكثير من الأشياء، لكن كونه يأتي شيئًا فشيئًا يتنزل الأمر من أعلى ما يكون من الإضاءة إلى الظلمة شيئًا فشيئًا، ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس ٣٨]، (الواو) حرف عطف، و﴿الشَّمْسُ﴾ معطوفة على الليل؛ يعني وآية لهم الشمس أيضًا..
﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ويجوز أن تكون الواو استئنافية والشمس مبتدأ، يجوز هذا وهذا، لكن المعنى الأول أقوى.
قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ إلى آخره من جملة الآية لهم، أو آية أخرى والقمر كذلك؛ يعني سواء قلنا: الجملة استئنافية، وأن هذه آية أخرى جديدة، أو قلنا: إن الواو حرف عطف فإنه لا شك أن الشمس على الوصف الذي ذكر الله لا شك أنها آية من آيات الله، فالشمس آية من آيات الله في ذاتها، هذا الجرم الكبير العظيم الذي تصل حرارته إلى الأرض مع بُعد المسافة بينها وبين الأرض، لا شك أن هذه من آيات الله.
من يستطيع أن يُوجِد مثل هذه الكتلة النارية الملتهبة المضيئة التي يصل ضوؤها شعاعها وحرارتها إلى الأرض مع هذه المسافة العظيمة؟
فالجواب: لا أحد يستطيع؛ إذن فهي آية من آيات الله، ثم ما يحصل فيها من المنافع من إنضاج الثمار وتدفئة الأرض والنور العظيم، كم طاقة يتفاداها الإنسان بنور هذه الشمس من الكهرباء؟ طاقة عظيمة، سواء كان هذا فيما يحصل من الحرارة في أيام الشتاء التي يُستغنى بالشمس عن تدفئة المنازل، أو فيما يحصل بالإضاءة، فإن هذا أمر لا يُقدَّر له ثمن، وأما إنضاج الثمار، وإيباس الرطب، وما أشبه ذلك مما فيه مصلحة الخلْق، فحدِّث ولا حرج، فهي آية من آيات الله، آية عظيمة من آيات الله عز وجل، هي آية أيضًا في سيرها قال: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ﴾ [يس ٣٨] ﴿تَجْرِي﴾ يعني تسير جريانًا، والجري هو المشي بشدة، وهكذا الشمس فإنها تسير بسرعة عظيمة جدًّا، لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل، أو قد يُعلم بالوسائل الحديثة مدى سرعتها، لكن تأمل الآن الطائرة تسير بسرعة عظيمة، وهي قريبة منا ولَّا لا؟ قريبة، ومع ذلك نراها تمشي ببطء لبعدها عنا، فما بالك بالشمس؟ نحن نشاهدها تسير لا شك في هذا؛ حتى إنك إذا نظرت إلى الظل عند انفصاله من الشعاع تجده يتحرك كأنه يرتعد، وهذا دليل على أنها تمشي مشيًا عظيمًا، ومع هذا ويش بعدها عنا؟ بعيدة جدًّا، ونشاهدها تسير هذا السير، إذن فسريانها سريع جدًّا، وقد عُلِم تقديره عند الفلكيين الآن.
وقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال المؤلف: (أي: إليه لا تتجاوزه). والمستقر موضع القرار كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة ٣٦]، وقد جعل الأرض قرارًا، فالمستقر موضع القرار.
قال المؤلف: (أي: إليه، لا تتجاوزه). والمستقَرُّ: موضع القَرار؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة ٣٦]، وقال: ﴿جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [النمل ٦١]، فالمستقَرُّ موضعُ القرار، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦]، فما هذا القرار الذي تجري الشمسُ إليه؛ هلْ هو قرارٌ زَمَنِيٌّ أو قرارٌ مكانِيٌّ أو هما جميعًا؟
ثبتَ في الحديث الصحيح عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّه كان مع النبي ﷺ في المسجد حين غربت الشمسُ فقال: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ» » قال أبو ذر: الله ورسوله أعلم، قال: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ وَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَسْتَأْذِنُ، فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا» ثم قرأ: ﴿