تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ ﴿٣٤﴾
لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴿٣٥﴾
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [يس ٣٤، ٣٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حاجة العبد إلى ربه؛ لقوله: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾، وكأن هذا الحصر كأن فيه إشارة إلى تحدي الإنسان؛ لأنك لا يمكن أن تأكل إلا من هذا الذي أخرجه الله لك، وهذا من فوائد الحصر كأنه يقول: إن كنتَ قادرًا فأخرج لنفسك ما تأكله، إنك لن تأكل إلا مما أخرجناه لك.
بيان عظمة الله حيث قال: ﴿أَخْرَجْنَا﴾ و﴿فَجَّرْنَا﴾ بضمير العظمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما أنعم الله به على العباد من هذه الأشجار العظيمة الكثيرة المظلة؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [يس ٣٤، ٣٥]، فما أعظم نِعَم الله على العبد بهذه النخيل والأعناب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان فضل النخيل والأعناب؛ لأنها ثمر يُؤكل بلا تعب، وثمر يُقتات رطبًا ويابسًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان قدرة الله عز وجل بتفجير الأرض عيونًا. هذه الأرض اليابسة يابسة جامدة، يخرج منها هذا الرطب السائل، وهو الماء، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة ٧٤]، وهذا من عظيم قُدْرة الله، كان موسى عليه الصلاة والسلام يضرب الحجر اليابس؛ إما حجرًا معينًا كما قيل: يحمله معه، وإما أي حجر كان، يضربه فيتفجر اثنتي عشرة عينًا على قدْر قبائل بني إسرائيل، وهذا من تمام قُدْرَة الله سبحانه وتعالى.
* ومنها: بيان احتياج النخيل والأعناب إلى الماء، وأن ثمره يكثُر بحسب الماء؛ لأنه قال: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [يس ٣٤، ٣٥]، فدل هذا على أن الماء له أثر في الثمار؛ في كثرة الثمار وطيبها، وهذا هو الواقع.
* ومنها: الرد على الجبرية بإثبات العلة والحكمة في قوله: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾.
والنصوص الدالة على إثبات حكمة الله عز وجل كثيرة جدًّا، منها ما صرح الله تعالى به مثل قوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر ٥].
* ومنها: ما صرح الله به على وجه السلب والنفي: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار﴾ [ص ٢٧]، ولا أدل على الصفة من إثباتها ونفي ضدها، فإن إثباتها يدل على ثبوتها، ونفي ضدها يدل على كمالها، وأنها غير مشوبة بهذا النقص الذي يحصل بفقدها أو بفقد كمالها، ولا شك أننا إذا نفينا الحِكمة عن فِعْل الله عز وجل أو عن شرع الله لزم من ذلك النقص العظيم، وأن يكون الله عز وجل يفعل الشيء سفهًا وعبثًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما أنعم الله به على العباد من هذا الثمر الذي يؤكل، أرأيتم لو أن هذا الثمر صار مُرًّا هل ينتفع به؟ لا؛ ولهذا قال الله تعالى في الماء: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٦٨ - ٧٠]، فلم تستطيعوا شربه، هذا الثمر جعله الله تعالى شهيًّا للنفوس، تأكل منه، وتتغذى به الأبدان؛ ولهذا قال: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ لو شاء الله عز وجل لجعل هذا الثمر فاسدًا، قد يكون حلوًا لذيذًا شهيًّا لكن يجعل الله فيه آفة تفسده، أليس كذلك؟ موجود بكثرة ولكن من نعمة الله أنه يبقى ويؤكل من ثمره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أننا لا نملك لأنفسنا أن نُوجِد هذا الثمر، وأن ذلك مجرد فضل من الله؛ لقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس ٣٥]، فإن هذا ليس من صُنعنا، لو اجتمع الناس كلهم على أن يخرجوا رُطبة واحدة، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا أو حبة عنب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ومع هذا يخلق الله عز وجل هذه العناقيد التي لا تُحصى كثرة، وهذه الأعذاق في النخل التي لا تُحصى كثرة، ونحن لم نعمل ذلك بأيدينا غاية ما هنالك أننا نوجه هذه الثمار حسب ما علمنا الله عز وجل، فنأخذ مثلًا من طلع الفحل، ما نجعله في طلع النخلة حتى يطيب الثمر، أما أننا نحن الذين خلقناه وأوجدناه فلا، هذا على جعل ما نافية.
* وفائدة أخرى، وهي: بيان نعمة الله عز وجل بما علمنا مما نصنعه من هذه الثمار على وجه يخالف ما خُلِقَت عليه حتى يتكون من هذا طِيب على طِيب؛ لقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس ٣٥]، فإن الله تعالى علمنا كيف نصنع هذه الثمار على وجه نتلذذ بها وننتفع بها أكثر مما هي عليه في الخِلقة، هذا على جعل (ما) موصولة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب شُكْر نعمة الله عز وجل؛ لأن الله وبَّخَ من لا يشكر، والشكر مع كونه طاعة لله يُثاب الإنسان عليه، ويعرف به قدْر نعمة الله عليه فهو سبب للمزيد من هذه النِّعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم ٧].
فإن قال قائل: نحن نرى كثيرًا من الناس قد أغدق الله عليهم النعم مع كفرهم بها، فبماذا نجيب عن هذه الآية؟
الجواب على هذا أن نقول: إن الله تعالى قد عاقبهم عقوبة عظيمة؛ لأن العقوبة لا تنحصر في فقدان النعمة، بل العقوبة تكون بفقدان النعمة، وتكون بقسوة القلب ومرض القلب، وإن كان أكثر الناس يظنون أن العقوبات إنما هي بزوال النِّعم، والواقع أن عقوبات القلوب بالمرض، والقسوة، والإعراض عن الله، وعن ذكره، هذه أكبر عقوبة، ثم هؤلاء المنعَّمون بأبدانهم، لا تظنون أنهم مُنعَّمون بقلوبهم أبدًا، ففي قلوبهم من الضيق والحرج، وعدم الصبر على القضاء والقدَر ما يجعلهم دائمًا في نار، ولا تجد أطيب حياةً من حياة المؤمن، وإن كان أفقر الناس ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧].
هذا جواب، ما هو الجواب الآن؟ أن نقول: إن هؤلاء قد عُوقِبوا عقوبة أعظم من إتلاف الأموال والثمار وغيرها، وهو قسوة القلْب ومرضه وإعراضه فإن هذا يُوجِب للإنسان ضيق الصدر والتعب من الحياة؛ لأنه لا يرضى بالله ربًّا ولا بشرعه دينًا.
ثانيًا: أن نقول: هذه النعم عُجِّلت لهم عقوبةً لهم واستدراجًا؛ ولهذا «لما جاء عمر رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو على سرير من الليف -يعني مخيط بالليف- وإذا هو قد أثَّر في جنبه، بكى وقال له: «مَا يُبْكِيكَ». قال: يا رسول، فارس والروم يُنعَّمون بما نُعِّموا به من الدنيا وأنت على هذه الحال؟! فقال:» «يَا عُمَرُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩١٣)، ومسلم، (١٤٧٩/٣١)، واللفظ له من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه قول عمر رضي الله عنه: وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وإن عند رجليه قَرَظًا مَضْبُورًا، وعند رأسه أُهُبًا مُعلَّقَة، فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله ﷺ، فبكيت، فقال: «مَا يُبْكِيكَ؟». فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا، وَلَكَ الْآخِرَةُ». وأخرجه بنحوه أحمد (٧٩٦٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. إذن نقول: هؤلاء يُعاقَبون بهذه النعم التي تدر عليهم؛ لأنه استدراج؛ ولأنهم إذا ماتوا وصاروا في العذاب؛ صار هذا أشد عليهم؛ لأنهم فارقوا دنيا تعلقت بها قلوبهم، ونُعِّموا بها، ثم أعقبها هذا العذاب والعياذ بالله، فصاروا أشد حسرة.
ويذكر عن ابن حجر العسقلاني رحمه الله وهو قاضي القضاة في مصر أنه مر ذات يوم بيهودي زيَّات يبيع الزيت، تعبان من الزيت، وثيابه وسخة، وهو يهودي، وقاضي القضاة؛ قضاة مصر، يمشي على عربة تجره الخيول، والناس حوله يمينًا وشمالًا، فهذا اليهودي أوقف الموكب، وقال له: يا قاضي القضاة، كيف تكون أنت في هذه الحال وأنا في هذه الحال ورسولكم يقول: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦/١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
ويش لون هذا؟ أيهما اللي في جنة الآن؟ قاضي القضاة، وهذا في بلاء وتعب، قال له: نعم، ما أنا فيه من النعيم، في الدنيا هو سجن بالنسبة لنعيمي في الآخرة، أو لنعيم المؤمن في الآخرة، وما أنت فيه من التعب والبلاء هو بالنسبة لعذاب الآخرة جنة، أنت الآن في جنة؛ لأنك بتنتقل إلى عذاب، عذاب ما تتصوره، فلما قال ذلك قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ فأسلم.
فالمهم أن نقول: إن هؤلاء الْمنعَّمِين نعيمهم في الحقيقة شقاء وعذاب، وإن نُعِّمت أجسامهم لكن أكثر الناس في غفلة عن هذا، ومع الأسف أن هذا الداء دَبَّ إلى المسلمين فصار أكثر المسلمين اليوم لا ينشدون إلا هذا النعيم فقط، أعني نعيم الدنيا، وفي غفلة عن نعيم الآخرة؛ ولهذا تجدهم يتحدثون دائمًا عن الترف واللهو وما أشبه ذلك كأنهم ما خُلقوا إلا لهذا، وهذا من أكبر ما يصد الإنسان عن دينه؛ أن يكون قلبه معلقًا بالدنيا، ولا ينظر إلا إلى التنعم بها.
ونحن لا نُنكر أن ينال الإنسان من الدنيا ما يستفيد به في الآخرة، بل إن الدنيا إذا جُعِلت وسيلة للآخرة صارت من الآخرة في الحقيقة، لكننا ننكر أن تكون الدنيا أكبر هم الإنسان كأنما خُلِقَ لها فقط، وهذا من نقص دينه ونقص عقله أيضًا، كيف تجعل نفسك وحياتك الثمينة، كيف تجعلها مهتمة غاية الاهتمام بأمر ليس بمضمون، وليس بِمخلَّد؟
قال الله تعالى مُنكرًا على قوم هود عليه الصلاة والسلام: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء ١٢٩]، أنت لست بخالد، كيف تجعل هذا الممر الذي أنت تعيش فيه تجعله أكبر همك مع أنك لا تدري متى تفارقه؟! كل من هؤلاء المترفين لا يدري متى يموت، أليس كذلك؟ لكن يدري أنه سيبقى في الآخرة، إن كان مؤمنًا بها ومع هذا يعمل للدنيا التي لم يُخلق لها ويدع الآخرة التي قد خلق لها (...).
﴿