×

يس

الآية ٣١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿٣١﴾

ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ أي أهل مكة القائلون للنبي ﷺ: لست مرسلًا، والاستفهام للتقرير؛ أي: علموا. * الطالب: (...). * الشيخ: علموا، إي، اشطب على الهمزة. يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾، الرؤية هنا فسرها المؤلف برؤية العلم، وذلك لأنهم لم يشاهدوا هذا بأعينهم، وإنما علموه بما بلغهم من الخبر. وقوله: أي أهل مكة، الصحيح أن هذا ليس خاصًّا بأهل مكة، بل هو عام لكل من كذب الرسول ﷺ، وكأن المؤلف جعله خاصًّا بأهل مكة؛ لأن الآية مكية، ولكن يقال: حتى وإن كانت الآية مكية فإن المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام من أهل مكة وغيرهم، فأهل الطائف كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك غيرهم كثير؛ لأن الناس لم يدخلوا في دين الله أفواجًا إلا بعد فتح مكة. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ يقول: (كم) خبرية بمعنى كثيرًا، معمولة لما بعدها، مُعلِّقة لما قبلها عن العمل. ﴿يَرَوْا﴾ بمعنى العلم الرؤية بمعنى العلم، وإذا كانت الرؤية بمعنى العلم فإنها تنصب مفعولين. (كم) خبرية علقتها عن العمل؛ يعني أنها أبطلت عملها لفظًا ومحلًّا؛ لأن التعليق يبطل العمل لفظًا فقط لا محلًّا، والإلغاء يبطله لفظًا ومحلًّا، والأفعال القلبية إما أن تعمل في اللفظ والمحل، وإما أن تعمل في المحل دون اللفظ، وإما ألا تعمل لا في اللفظ ولا في المحل، الثالث يسمى إلغاءً، والثاني يسمى تعليقًا، والأول يسمى إعمالًا، فـ(كم) هنا علقت ﴿يَرَوْا﴾ عن العمل في اللفظ ولَّا في المحل؟ في اللفظ، أما المحل فالجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي ﴿يَرَوْا﴾. ثم هي لها إعراب أيضًا باعتبار ما بعدها، فباعتبار ما بعدها يقول: إنها مفعول لما بعدها، وعليه فتُقدر كما قال المؤلف: أي كثيرًا. وقوله: (والمعنى أنا أهلكنا قبلهم كثيرًا من القرون، الأمم). وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ (من) هذه لبيان (كم)، تبين الإبهام الواقع في (كم). و﴿الْقُرُونِ﴾ جمع (قرن)، وهم الأمة المشتركة في عصر من العصور، تسمى قرنًا، والعصر مئة سنة، وعلى هذا فالقرن يكون مئة سنة، ولكن قد يكون دون ذلك، قد تكون أمة تبقى أقل من القرن، يهلكها الله عز وجل قبل أن يتم لها هذا العدد من السنين، لكن الضابط أن نقول: القرن هم الأمة التي اشتركت في عصر. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ﴾ أي المهلكين، ﴿إِلَيْهِمْ﴾ أي المكذبين، ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ كيف؟ ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي المهلكين ﴿إِلَيْهِمْ﴾ أي إلى المكذبين، عندكم مكيين؟ على كل حال المكيين هم -على كلام المؤلف- ما دام الخطاب لأهل مكة، أو الكلام عن أهل مكة فالمكذبون هم المكيون، والذي عندنا أعم، الذي عندنا (المكذبون) أعم، فهؤلاء الأمم التي أهلكت هل رجعت إلى الأمم التي بعدها؟ لا، بل هي ذهبت وزالت وكأنها لم تُوجد، ولم يبقَ إلا عملها فقط. قال: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ أفلا يعتبرون بهم و﴿أَنَّهُمْ﴾ إلى آخره بدل مما قبله برعاية المعنى المذكور. الذي قبله قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ كأنه قال: (ألم يروا أنهم لا يرجعون، فهي بدل مما قبلها من حيث المعنى). وقوله: (من حيث المعنى) يعني لا من حيث الإعراب؛ لأنها جملة مستقلة وليست تابعة لها في الإعراب، ولكنها تابعة لها في المعنى، الخلاصة أن الله بيَّن في هذه الآية بيانًا يُقرِّر به هؤلاء المكذبين بأنه أهلك كثيرًا من الأمم السابقة، وأن هؤلاء المهلكين لا يرجعون إلى هؤلاء المكذبين؛ لأنهم انتهوا من الدنيا ولم يبقَ لهم رجوع إليها حتى يستعتبوا فالواجب على هؤلاء المكذبين أن يعتبروا بهم. ثم قال: ﴿