تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ يسٓ ﴿١﴾
وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ ﴿٢﴾
الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر والجزاء فيه؛ لقوله: ﴿يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥].
* ومن فوائدها: إثبات الاسم لله وهو بصير، وما تضمنه من الصفة وهو البصر، والبصر هنا بمعنى بصر البصيرة أو بصر العين؟ يشمل هذا وهذا.
هل نأخذ من هذا أن الإنسان قد يُعاقَب بتلف المال؟ إي نعم؛ لقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥] يشمل حتى الحيوانات، فإذا تلف للإنسان أموال فإن هذه من عقوبات الذنوب سواء كانت الأموال من ذوات الأرواح كالدواب حية أو من غير ذوات الأرواح، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥] كل هذه تقع ابتلاء من الله عز وجل، وتقع عقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ [الشورى ٣٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله تعالى بتقديره الأشياء تقديرًا مُحكمًا لا تتقدم ولا تتأخر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥].
ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (سورة يس مكية)، والمكي ما نزل قبل الهجرة ليس ما نزل بمكة؛ إذ قد ينزل بمكة بعد الهجرة ويكون مدنيًّا، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، هذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم.
قال: (أو إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية [يس: ٤٧] أو مدنية) فالأقوال فيها إذن ثلاثة؛ إما مكية، أو مدنية، أو مكية إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ [يس ٤٧]، والذي يظهر أنها مكية؛ لأن أسلوبها أسلوب المكي، والسور المكية تمتاز عن السور المدنية بقوة الأسلوب وجزالة اللفظ بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها لين ألين؛ لأنه يُخاطِب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب.
فالظاهر -والله أعلم- أنها مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية، فمن ادعى استثناء آية أو آيتين أو أكثر فعليه الدليل، أما مجرد أن المعنى يليق بأهل المدينة مثلًا فهذا لا يكفي في الاستثناء؛ لأن الله تعالى قد يذكر معنى يليق بأهل المدينة توطئة وتمهيدًا حتى يكون الناس على بصيرة؛ ولهذا يذكر الله تعالى في الآيات المكية قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أن العناية بقصة موسى في المدينة أولى؛ لأن فيها اليهود، أما مكة فليس فيها يهود.
المهم أن بعض العلماء إذا نظر إلى أن المعنى يليق بالسورة المدنية أو بالأحكام المدنية ذهب يستثني ويقول: إلا آية كذا، إلا آية كذا، وهذا غير مستمر.
قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، البسملة آية من كتاب الله مستقلة، يؤتى بها في ابتداء كل سورة ما عدا سورة براءة وليست من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو القول الراجح، وأما من قال: إنها من الفاتحة وليست من غيرها فقوله ضعيف؛ أولًا: للتفريق بدون دليل، وثانيًا: أن حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح وهو «قول الله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥/٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث، وأيضًا فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يجهر بها في صلاته، لا يجهر بالبسملة؛ وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية الآيات.
أما إعرابها فقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا، وأنها جار ومجرور وصفة وموصوف، وأن هذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وأن هذا المحذوف ينبغي أن يكون فعلًا خاصًّا متأخرًا، فكونه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو بالعوامل الأفعال؛ ولذلك تعمل الأفعال عملها بدون شرط، الأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد فيها من شروط، هذا واحد، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لفائدتين: التبرُّك بتقديم اسم الله عز وجل، وإفادة الحصر.
عندما تُسمي على الوضوء ويش تُقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، لو قلت: باسم الله ابتدائي؟ يصح، لكن ابتدائي عام، وأتوضأ أخص، والإتيان بالأخص أدل على المقصود.
لو قلت: ابتدائي باسم الله؟ صح، لكن فاتك التأخير والتخصيص والفعلية إذا قلت: ابتدائي، إذا قلت: أبتدئ باسم الله؛ فاتك التأخير والتخصيص. إذا قلت: أتوضأ باسم الله؛ فاتك التأخير فقط.
إذن نُقدر متعلق البسملة فعلًا خاصًّا متأخرًا، فعلًا لماذا؟ لأن الأفعال هي الأصل في العمل، خاصًّا؛ لأنه أدل على المخصوص، متأخرًا لأمرين: تَبَرُّكًا بالبداءة باسم الله، والثاني: إفادة الحصر؛ يعني لا ابتدئ بشيء إلا باسم الله.
ربما يقول قائل: هل يمكن أن نستدل لهذا القول بشيء من النص؟
نقول: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب الناس في عيد الأضحى: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» أو: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠/١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه. ]]. لفظان، فإن هذا يدل على أن تقدير الأخص أولى من تقدير الأعم (...) ثم على قراءتها في القرآن، ذكرنا أن البسملة جار ومجرور متعلق بمحذوف (...)
وأعلم الأعلام، أعلم حتى من الضمير؛ لأنه اسم يختص بالله لا يمكن أن يشركه فيه أحد؛ ولهذا قالوا: أَعْرَف المعارف على الإطلاق اسم الله؛ لأنه لا يُشاركه فيه أحد، الضمير إذا قلت: قمت، صحيح ما يشاركني أحد فيه لكن صالح أن يستعمله غيري، أما الله فلا تصح الشركة فيه.
أما الرحمن الرحيم فهما صفتان لله، والرحمن والرحيم معناهما؛ ذو الرحمة، لكن الرحمن باعتبارها وصفًا لله، والرحيم باعتبارها فعلًا له؛ ولهذا كان الرحمن عامًّا والرحيم خاصًّا قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] فالرحمن لُوحِظ فيه الوصف، والرحيم لُوحِظ فيه الفعل؛ ولهذا لما لُوحِظ في الرحمن الوصف جاء على الأوزان التي تدل على الامتلاء والسعة فصارت على وزن (فَعْلَان).
والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى الحقيقية الثابتة له على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد أنكرها أهل التعطيل، ومنهم الأشاعرة، وقالوا: إنه ليس لله صفة هي الرحمة؛ لأن الرحمة رِقَّة ولين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، وفسروها إما بالإرادة؛ لأنهم يؤمنون بالإرادة، وإما بالفعل؛ لأن الفعل منفصل عن الفاعل، يعني المفعول منفصل عن الفاعل، فهم يفسرونها إما بالإحسان وهو مخلوق منفصل، وإما بإرادة الإحسان؛ لأنهم يقرون بالإرادة.
ولا شك أن قولهم هذا باطل، وأنه إنكار صفة من أعظم صفات الله عز وجل وهي من أبرز الصفات، فقد قال الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[أخرجه البخاري (٧٤٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]. والعجب كل العجب أنهم يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، والرحمة دل العقل على انتفائها، كيف؟ قالوا: لأن التخصيص دال على الإرادة، التخصيص يعني مثلًا كون هذا سماءً، وهذه أرضًا، وهذه شمسًا، وهذا قمرًا، إلى آخره يدل على الإرادة؛ لأنه لا مُخصِّص إلا بإرادة.
أما الرحمة فيقولون: إن العقل لا يدل عليها بل يدل على انتفائها، ونحن نقول: عجبًا لكم!! دلالة العقل على الرحمة أبلغ وأظهر وأوضح من دلالته على الإرادة، ولهذا جعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص، وهذا لا يفهمه إلا خواص الناس، يمكن طالب العلم لو تسأله بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم، لكن الرحمة كُلٌّ يعرف أن لله تعالى رحمة، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق تقول له: والله نزل المطر، واخضرت الأرض، ورويت الزروع، وما أشبه ذلك، منين هذا؟ ويش يقول لك؟ من رحمة الله، على طول، فيستدل بالنعم التي هي من آثار الرحمة على الرحمة، ولكن نسأل الله لنا ولكم الهداية من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] قال المؤلف: (﴿يس﴾ الله أعلم بمراده). ولا شك أن الله أعلم بمراده ومراد غيره، وأعلم بكل شيء، ولكن ما المراد بهذه أو بهذين الحرفين الهجائيين؟ يقول المؤلف: (الله أعلم)، ما ندري ماذا أراد الله عز وجل.
ومنهم من قال: إن معنى ﴿يس﴾ يا إنسان، فـ(يا) حرف نداء على زعمهم، ويس كلمة يُعبر بها عن الإنسان، وبعضهم أتى بغير ذلك أيضًا مما لا طائل تحته، ولا دليل عليه، لكن يبقى النظر، هل نقول كما قال المؤلف: (الله أعلم بما أراد) في جميع الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور أو نقول: إنه لا معنى لها بمقتضى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] فإن مقتضى اللسان العربي المبين أن هذه الحروف ليس لها معنى، فإذا حكمنا بهذه القضية العامة بلسان عربي مبين على كل كلمة، أو حرف في القرآن الكريم، فإننا نعلم أن ﴿يس﴾ ليس لها معنى بمقتضى اللسان العربي المبين، (يا) ما لها معنى حرف هجاء، سين ما لها معنى أيضًا، حرف هجاء. وهذا القول ذكره ابن كثير عن مجاهد رحمه الله، وهو قول قوي، ويشهد له الآية التي استشهدت بها.
إذن نقول: لا معنى لهذه الحروف، فيرد علينا إشكال إذا قلنا: لا معنى لها، كيف يأتي الله عز وجل في كتابه العظيم بكلام لغو لا معنى له؟
والجواب على هذا أن يقال: إن له مغزى عظيمًا، هذا المغزى هو أنكم أيها العرب الذين عجزتم عن معارضة القرآن والإتيان بمثله، عجزتم عن ذلك لا لأن هذا القرآن أتى بحروف جديدة أو كلمات جديدة بل هو من الكلمات التي تكونون منها كلامكم، حروف هجائية؛ ولهذا قل أن تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن مما يدل على أن هذا هو المراد بها، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقبله الزمخشري أيضًا في تفسيره، وغيره من العلماء على أن هذه حروف هجائية جيء بها لأجل إظهار عجز العرب عن مُعارَضة هذا القرآن مع أنه لم يأتِ بجديد في كلامهم.
قال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] الواو هذه للقسم، فلها معنى ولها عمل؛ عملها الجر، ومعناها التأكيد؛ فالقسم تأكيد الشيء بذكر مُعظَّم على صورة مخصوصة، هذا القسم، ولا بد أن يكون المحلوف به مُعظَّمًا ولو تقديرًا في ذهن الْمُقْسِم، كأنه يقول -إي الْمُقْسم بالمعظم-: بقدر تأكد تعظيمي لهذا الشيء أؤكد ما حلفت عليه، بقدر تعظيمي لهذا الشيء وتأكدي منه وإثباتي له أؤكد المحلوف عليه؛ ولهذا لا بد أن يكون المحلوف به معظمًا، وإلا لكان الحلف لا فائدة منه.
﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] القرآن المراد به هذا الذي نقرؤه كلام الله عز وجل، وهو مشتق من (قرأ) بمعنى (تلا)؛ لأنه متلو، أو من (قَرَى) بمعنى (جمع)؛ لأنه مجموع وجامِع، فهو مشتق من المعنيين، من القراءة بمعنى التلاوة، ومن (قَرَى) بمعنى (جمع)، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس؛ فالقرآن جامع بين المعنيين فهو متلو، وجامع، ومجموع، كلمات مجموع بعضها إلى بعض، كلام جامع لكل ما فيه الخير والصلاح.
قوله: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢] ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة للقرآن، وهي بمعنى مُحْكِم، أو بمعنى مُحْكَم، أو بمعنى حَاكِم، كلها تحتمل، فالقرآن حاكم؛ لأنه يجب الرجوع إليه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية ٢٩] إذا قلنا: إنه القرآن. طيب مُحْكِم؛ لأنه مُتقِن للأشياء، فقد ﴿تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك أيضًا مُحكَم؛ لأن الله تعالى أحكمه وأتقنه، فليس فيه تناقض ولا تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] إذن هو مشتمِل على الحكمة أيضًا ولَّا لا؟ نعم، هو مشتمل على الحكمة، ففيه معنى الحكمة والْحُكْم.
إذا كان حكيمًا فإننا نعلم أنه حكيم في ترتيبه، كل آية إلى جنب الأخرى حتى وإن ظننا أنه لا ارتباط بينهما فإنما ذلك إما لقصورنا أو تقصيرنا فمثلًا لو قال قائل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] جاءت في سياق آيات العِدَد، فما هو الارتباط؟ نقول: لا بد أن هناك حكمة لكن قصرت أفهامنا عنها، أو قصرنا في التدبر لطلبها والمراجعة لكتب أهل العلم.
إذن هو حكيم في ترتيبه، حكيم في أحكامه، فأحكامه كلها عدل موافقة للفطرة وللعقل الصريح؛ ولهذا لا تجد شيئًا في أحكام القرآن مناقضًا للفطرة أبدًا، بل هو موافق للفطرة، ولا تجد شيئًا في القرآن يكذبه العقل أو يحيله أبدًا، بل إن العقل يُقرِّر في الجملة ما جاء به القرآن.
كذلك حكيم في أسلوبه؛ يشتد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، ويأتي بأساليب غريبة، ما كانت معروفة في أساليب العرب، فبينما الآية سياقها خبري، إذا بها تنتقل إلى سياق إنشائي، من استفهام، أو نهي، أو أمر، أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الحكمة، بينما القرآن يتحدث بصيغة الغائب إذا به ينتقل إلى صيغة الحاضر، فينتقل من أسلوب إلى آخر، وهو ما يسمى بالالتفات، وأنواع هذا كثيرة في القرآن.
فالقرآن إذن حكيم بكل معنى الحكمة، وبكل معنى الإحكام، وبكل معنى الْحُكْم.
قال المؤلف مُقتصرًا على واحد منها: (الْمُحْكَم في عجيب النظم وبديع المعاني) فأتى بمعنى واحد من معاني الحكيم، ونحن ذكرنا ثلاثة أشياء؛ ذو حكمة، ومُحْكِم، ومُحْكَم. مُحْكِم، ومُحْكَم، وحاكِم أيضًا، فذكرنا أنه حاكم، وذو حكمة، وحُكْم وإِحْكام، فيشمل أعم مما قال المؤلف، هذا الْمُقْسم به، وإقسام الله تعالى بكتابه العظيم، أو بكتابه الحكيم يدل على عِظَم هذا القرآن، وعلى عِظَم ما جاء به من الإحكام والحِكمة والْحُكم.
ثم ذكر الْمُقسم عليه فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ [يس ٣] يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فأقسم الله تعالى بكتابه على أن محمدًا ﷺ من المرسلين.
وقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ لأنه سبقه الرسل وهو خاتم الرسل وأكملهم شريعة، جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وقد شبه النبي ﷺ رسالته «برجل بنى قصرًا وأشاده، وَبَقِي موضع لبنة، فصار الناس يطوفون به ويتعجبون منه إلا موضع هذه اللبنة، قال: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»[[أخرج البخاري، واللفظ له (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧/٢٣) بسندهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة». ]].
هذه الجملة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣] مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، وإن، واللام ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] متعلق بما قبله، الذي قبله ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، ومُرْسَل اسم مفعول صالح للعمل؛ لأن يتعلق به المعمول، المعنى إنك لمن الذين أُرسلوا على صراط مستقيم؛ لأن جميع الرسل على صراط مستقيم بلا شك، ولكن يحتمل وجه آخر أحسن مما قال المؤلف؛ وهو أن تكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا لـ(إن). ﴿