تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴿١٢﴾
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢].
* من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإحياء الموتى، وقد بَرْهَنَ الله عز وجل على قدرته على إحياء الموتى بأدلة عَقْلِيَّة وأدلة حِسية؛ فمن الأدلة العقلية مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] فإن هذا دليل عقلي على إمكان إحياء الموتى؛ وجهه أن الإعادة أهون من الابتداء، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى، وكما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، هذا مثله أيضًا استدل الله تعالى بالابتداء على أيش؟ على الإعادة.
أما الأدلة الحسية فما أكثر ما يضرب الله الأمثال بإحياء الأرض بعد موتها على قدرته على إحياء الموتى؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ويش قال؟ ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، وقال تعالى: و﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق ٩ - ١١]، والآيات في هذا كثيرة فقد برهن الله عز وجل على قدرته على إحياء الموتى بالأدلة العقلية والحسية؛ لتكون لذوي العقول دليلًا، ولذوي الأبصار والأدلة الظاهرة دليلًا أيضًا، فالإنسان العقلاني كما يقولون نستدل له أو عليه بماذا؟ بالعقل، والانسان السطحي اللي ما يستدل إلا بما يشاهد نستدل عليه بالأدلة الحسية.
* طالب: الآية اللي ذكرنا (...).
* الشيخ: ما هي ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]؟، طيب، أحسنت، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ هذه في سورة فصلت، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩].
* طالب: (إنه لمحيي الموتى).
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ هذه اللي نحن نقرؤها. قرأنا ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩] هذه قرأناها، هذه في فصلت، طيب إذن قراءتنا صواب.
نقول فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس ١٢]* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن من لم يخشَ الله ولم يَتَّبِع الذكر فإن الله قادر على أن يحيي قلبه فيخشى الله ويتبع الذكر، وجه الدلالة أن الله تعالى ذَكَر هذا بعد أن ذكر انقسام الناس إلى مَنْ يخشى الله بالغيب ويتبع الذكر، ومن لمن يكن كذلك، فيه إشارة إلى أن الله قادر على أن يرد هؤلاء إلى الحق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مكتوب للإنسان، إما له وإما عليه؛ لقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله تعالى يكتب كل شيء القليل والكثير؛ لقوله: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾، و﴿مَا﴾ اسم موصول، والاسم الموصول يشمل الصغير والكبير، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف ٤٩]، ويدل عليه أيضًا في آخر الآية: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال لا تنقطع بالموت؛ لقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾، والآثار ذكرنا أنها أنواع: علم وصدقة جارية وولد صالح يدعو له، وسُنَّة، سنة يحييها فيتبعه الناس عليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حِكْمَة الله عز وجل في ضبط الأمور وإتقانِها وأنه لا يفوته شيء لقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن ما يُكْتَب على الإنسان فإنه حَقٌّ بيِّن واضح لا يمتري فيه أحد؛ لقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ والشيء المبين هو الذي يوضح الأشياء مع وضوحه في نفسه وهو كذلك؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]
* * *
قال الله تعالى: ﴿