تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴿٣٢﴾
جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴿٣٣﴾
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢].
* يُستفاد مِن هذا الآية: فضل الله عز وجل على هذه الأمة، حيث أورثها هذا الكتاب العظيم الذي وصفه الله بأنه الحق وأنه مصدق لما بين يديه أورثه الله تعالى هذه الأمة، ففي ذلك بيان فضل الله علينا بهذا الإرث.
* ومن فوائدها: أن هذه الأمة أفضل الأمم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم هذه الأمة، واستدللنا لذلك أيضًا بآية أخرى وهي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ، من أين تؤخذ؟ من (ثم) الدالة على التراخي، وهو كذلك، ولا نعلم فترةً أطول منها بالنسبة لما بين الرسالات والكتب المنزلة، فقد قيل: إن أطول ما كان بين آدم ونوح، وهذا أمر قد يشك فيه الإنسان، لكن ما بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام حوالي ست مئة سنة، وإنما طالت الفترة لتشتد حال الناس إلى إرسال الرسل، فتأتي الرسالة المحمدية إلى قوم في غاية الضرورة إلى الرسالة والوحي، ويكون لرسالته مزية عظيمة، حيث جاءت كالمطر ينزل على أرض مجدبة، فتكون أشد قابلية له وأشد تأثرًا به (...).
خلقت له، بل معناها يختلف بحسب السياق، وعلى هذا فلا مجال، ما دام أن المعنى مفهوم فلا مجال، ولهذا تجد أن الكلمة في معناها المفهوم بالسياق لو أنك أردت أن تحولها إلى المعنى الأصلي ما صح (...).
في استخراج الفوائد من الآيات السابقة، من الآية (...).
الكريم أيضًا تقسيم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.
* ومنها، أي من فوائدها: الرد على الخوارج والمعتزلة؛ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] وجعلهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده، ولو خرجوا من الإسلام لم يكونوا من المصطفين، قد يقول قائل: يمكن أن يعارض الخوارج والمعتزلة هذا الاستدلال بأن يقولوا: إن المراد بالظلم هنا ما دون الكبائر، فيقال: إن ما دون الكبائر يقع مغفورًا بفعل الطاعات؛ كالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، وحينئذ ينتفي الظلم بمجرد فعل هذه الطاعات.
ثم نقول قولًا آخر بأن الآية مطلقة تشمل الظلم الأصغر والظلم الأكبر، ففيها رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أو يخرجون الإنسان بالكبيرة من الإسلام، وحينئذ لا يكون من العباد الذين اصطفوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عمل يقوم به الإنسان فهو بإذن الله عز وجل وإرادته؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ يقول ويفعل ويترك بغير إذن الله، بل هو مستقل بمشيئته وفعله.
* ومِن فوائدها أيضًا: كبح النفس عن الاستعلاء والفخر بالطاعة؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] حتى لا يقول الإنسان: فعلت ذلك من نفسي وأنا الذي فعلت وفعلت، وهذا خلافًا لما يسير عليه بعض الناس، إذا فعل المعصية كان جبريًّا، وإذا فعل الطاعة كان قدريًّا، إذا فعل الطاعة قال: هذا مني وأنا الذي فعلت وأنا الذي فعلت، وإذا فعل المعصية قال: هذا من الله وأنا مجبر عليه، فبعض الناس يسلك هذا المسلك، وهذا مسلك بعيد من العدل.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم مشيئة الله عز وجل حتى في أفعال العبد؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢].
* ومن فوائدها: تفاضل الناس في العمل، ويتفرع عليه تفاضلهم في الإيمان، أين الدليل على تفاضلهم في العمل؟ تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام، ويلزم من تفاضلهم في العلم أن يتفاضلوا في الإيمان، فيكون في ذلك دليل لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقص الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكبر فضل يتفضل الله به على عبده أن يوفقه للقيام بطاعته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
* ومِن فوائدها أيضًا: أن إفضال الله على عباده يتفاضل؛ فمنه الكبير ومنه الصغير، وهذا أمر مشاهد؛ ففضل الله على الرسل أعلى من فضله على الأنبياء، وعلى الأنبياء أعلى من فضله على الصديقين، وعلى الصديقين أعلى من فضله على الشهداء، وعلى الشهداء أعلى من الصالحين، وهذا لا شك فيه.
ثم قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] إلى آخره.
* مِن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء أولئك القوم الذين أورثوا الكتاب على اختلاف طبقاتهم الثلاث أن جزاءهم جنات عدن؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، أو ﴿يُدْخَلُونها﴾، على قراءتين، ومنها الإشارة إلى كمال نعيم الجنة؛ لكونها جنات بهيجة، وكونها محل إقامة لا ظعن منها أبدًا؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
* ومن فوائدِها أيضًا: ما ينعم الله به على عباده في هذه الجنات من أنواع الفواكه والمطاعم؛ لدخوله في كلمة ﴿جَنَّاتُ﴾، وكذلك من الملابس؛ لقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣].
* ومِن فوائدها: أن الجنة ليست دار تكليف، أي: دارًا يمنع منها العبد مما يتنعم به، بل يتنعم بكل ما شاء؛ لأننا نعلم جميعًا أن تحلي الرجال في الدنيا بالذهب ممنوع وحرام، لكنه في الجنة مباح وممنوح وليس بممنوع؛ لأن الجنة لهم فيها ما يشاءون، بل أكثر مما يشاءون ويريدون.
ومنها ما يحصل من الجمال لتنويع الحلي؛ لكونه من ذهب ولؤلؤ، وفي الآية الأخرى فضة، وهنا لم يذكر الله تعالى تحديد هذه الحلية، لكن جاءت بها السنة، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٠ / ٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، ومنها نعومة لباسهم وأنه أنعم ما يكون من اللباس؛ لقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] حرير لا يخلق ولا يتدنس، بل هو دائمًا على جدته ونظافته.
ثم قال الله تعالى: ﴿