×

فاطر

الآية ١٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا۟ مَا ٱسْتَجَابُوا۟ لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴿١٤﴾

إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر ١٤] ﴿إِنْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿تَدْعُوهُمْ﴾ وهو مجزوم بحذف النون، وجواب الشرط ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ وهو مجزوم أيضًا بحذف النون؛ يعني هذه الأصنام إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، لو تدعون هذه الأصنام إلى يوم القيامة ما سمعوا؛ لأنها جماد. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ قال المؤلف: (فرضًا) ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (ما أجابوكم)، يعني لو سمعت هذه الأصنام دعاءكم ما استجابت لكم؛ أي: ما أجابتكم، سواء قلتم: يا لات، يا عزى، يا منات، يا يعوق، يا يغوث، يا نسرًا، لو سمعت هذا الدعاء هل تجيبكم تقول: نعم، ماذا تريدون؟! لا، ولا تعطيكم المطلوب أيضًا، حتى لو سكتت ما (...)؛ ولهذا قال: ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٤] يشمل الاستجابة بالقول بأن تقول هذه الأصنام: ماذا تريدون؟ والاستجابة بالفعل وهي إيصال المطلوب إلى هؤلاء الطالبين، لا تستجيب لا هذا ولا هذا. وقول المؤلف: ﴿اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (أي: أجابوكم)، مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران ١٩٥] أي: أجابهم، ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة ١٨٦] أي: فليجيبوني، وأمثال هذا كثير. فالاستجابة هنا بمعنى الإجابة؛ أي: أن هذه الأصنام لا تجيب. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فاطر ١٤] شوف زد على ذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] (بإشراككم إياهم مع الله؛ أي يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياهم). إذن انتفى عنها إجابة الدعاء، ومع ذلك ليتهم سلموا من شرها، يوم القيامة في هذا الموقف العظيم المشهور ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] ويتبرؤون منكم، وهذا غاية ما يكون من الخذلان؛ لأن يوم القيامة الناس فيه أحوج ما يكونون إلى النصر والعزة، وهؤلاء الأصنام يوم القيامة تذلهم، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت ٢٥] يقوله من؟ إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥]. في هذه الآية دليل واضح أن هذه الأصنام لا تملك نفعًا لعابديها، هذي واحدة. ثانيًا: وتزيد عابديها ذلًّا وخذلانًا في الموضع الذي يكونون فيه أحوج ما يكونون إلى العز والنصر ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل في إيلاج الليل بالنهار والعكس؛ وذلك لأن أحدًا من الخلق لا يستطيع أن يفعل ذلك مهما عظمت قوته. * ويستفاد من الآية: بيان رحمته بعباده؛ لأن في هذا الإيلاج من المصالح والمنافع ما لا يحصل مع عدمه، وقد ضربنا لكم مثلًا فيما سبق في مَنْ؟ * طلبة: اللي على خط الاستواء. * الشيخ: إي نعم، الذين على خط الاستواء الذين لا (...) عندهم النهار والليل، ماذا يكون عندهم من الأمراض والفتور في الأجسام وعدم النشاط؟ * ومن فوائدها أيضًا: نِعمة الله عز وجل بتسخيره الشمس والقمر لمصالح العباد ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [فاطر ١٣]. * ومنها أيضًا: بيان هذه الآية العظيمة بل هاتين الآيتين العظيمتين من آياته؛ وهما الشمس والقمر، والليل أيضًا والنهار، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، وظهور الآيات فيهما واضح لما فيهما من تمام الحكمة والقُدرة والرحمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشمس والقمر يجريان أي يسيران، ففيها رد على أرباب الهيئة الجديدة الذين يدعون أن الشمس والقمر لا يجريان على الأرض، ولا يدوران عليها. ونحن قلنا: إنه يجب علينا أن نتمسك بهذا الظاهر ما لم نجد دليلًا يقينيًّا يدل على أن هذا الظاهر غير مراد، وحينئذٍ لنا مساغ في مخالفة هذا الظاهر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مضبوط ومُحكَم ومُقَدَّر لأجل محدود، لا يزيد عليه ولا يتأخر؛ لقوله: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣]. هذا الأجل الذي تسير عليه الشمس والقمر، يقول المؤلف: (إنه يوم القيامة)، ويمكن أنه نجعله أعم فنقول: يسيران إلى أجل مسمى حتى في الفلك، فمثلًا الشمس تنزل على مدار الجدي في أيام الشتاء، ثم تتنقل منه شيئًا فشيئًا إلى أن تصل إلى مدار السرطان، لا يمكن أن تتجاوز هذا ولا هذا؛ لأنها تسير إلى أجل معين كل يوم محدد، مكان الطلوع وزمان الطلوع، وهذا لا شك أنه سير إلى أجل مسمى. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن فاعل هذه الأشياء هو الله؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر ١٣]، ولا يستطيع أحد أن يفعل ذلك ففيه إبطال لقول أهل الطبيعة الذين يقولون: إن اختلاف الليل والنهار والشمس والقمر كان بمقتضى الطبيعة؛ طبيعة الأفلاك. فيرد عليهم بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أي: الفاعل لهذا ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: عموم ملك الله لكل شيء؛ لقوله: ﴿الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣] و(أل) هنا للعموم، وضابط (أل) التي للعموم أن يحل محلها (كل)، فإذا صح أن يحل محلها (كل) فهي للعموم، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] اجعل بدل (أل)؟ * طالب: إن كل إنسان لفي خسر. * الشيخ: إن كل إنسان لفي خسر، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] اجعل بدلها (كل)، خُلِق كل إنسان ضعيفًا، فإذا كانت (أل) يحل محلها (كل) فهي للعموم. وهنا ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣] هل يصح أن يحل محلها (كل)؟ نعم، نقول: له كل ملك. * ومن فوائدها أيضًا: اختصاص الله تعالى بالملك؛ لقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣]، حيث قدَّم الخبر وحقه التأخير. وقد ذكرنا في أثناء التفسير الجمع بين هذه الآية وبين إثبات الملك لغير الله، وبينا أنه لا تعارض بينهما؛ لأن الملك الذي لله له شأن والملك الذي للآدميين له شأن آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما يُدْعَى من دون الله لا يجلب خيرًا لداعيه بأي وجه من الوجوه؛ لأن الله نفى عنه كل طريق يمكن أن يصل به الخير أو يندفع به الضرر، قال: ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٤]، هذا في انتفاء الخير، وعدم إزالة الضرر والشر، زد على ذلك أنه يوم القيامة يكفرون بشرك هؤلاء، وهذا ضرر أعظم. * ومن فوائد الآية الكريمة: النداء الواضح على سفه هؤلاء المشركين، وجهه أنهم يدعون من لا يصلح دعاؤه، يدعون ما لو سمع دعاءهم على الفرض والتقدير لن يستجيب له، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] ﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ يعني لا أحد أضل. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وما ملة إبراهيم؟ استمع إليها ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣] هذه ملة إبراهيم: التوحيد وعدم الشِّرْك، هؤلاء سفهاء، يدعون ما لا يستجيب، ولا ينفع بل يضر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تعلَّق بغير الله خاب أمله، كيف ذلك؟ لأن هذه الأصنام لا تنفعهم في الدنيا، ولا تنفعهم يوم القيامة. إذن: خاب أملهم ولَّا لا؟ خاب أملهم. هم يقولون: إننا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ولكن ما قربوهم، ما زادتهم إلا بُعدًا فأملهم قد خاب والعياذ بالله، وخسروا الدنيا والآخرة. قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] ما نوع هذا الكفر؟ التبرؤ. * فيستفاد منه: أن هذه الأصنام المعبودة تتبرأ من عابديها يوم القيامة، نعم، بل إن الله عز وجل يجمع الأصنام وعابديها ويلقيهم في جهنم ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩]، ولكنها ليست آلهة، ما تنفع. فإن قلت: قد يُبتلى داعي هذه الأصنام فتستجيب له ظاهرًا؛ بمعنى أن يدعو الصنم أن يشفيه من المرض الفلاني فيُشفى، أو أن يجلب له الخير الفلاني فيجلبه، فما هو الجواب؟ * طالب: أن هذه قد حصلت عند دعاء الأصنام. * الشيخ: يعني الدعاء ما أفاد لكن الله عز وجل جعل هذا الشيء يقع عند دعائه امتحانًا لهؤلاء العابدين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤]. * ومنها: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر ١٣]. * ومنها أيضًا: إثبات عِلْم الله وإحاطته بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤]. هل نأخذ منها الرد على الجبرية؟ نعم، مِنْ قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ [فاطر ١٤]. وهل نأخذ منها أن هذه الأصنام من العقلاء؟ * طالب: لا. * الشيخ: لكن ذكرت على سبيل التنزل وعلى ذكرها بأكمل أوصافها عندهم وهو العقل.