تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ ﴿٨﴾
أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومعلوم أن كلام الكاذب وكلام المجنون ليس بمقبول، فهم يأتون بعبارات التشويه والتقبيح حتى لا يُقْبَل الحق، وهل هذا جارٍ إلى وقتنا هذا؟ نعم، جارٍ إلى وقتنا هذا؛ لأن أعداء دعوة الرسل لا يزالون إلى يوم القيامة، ولكن على أتباع الرسل أن يصبروا وألَّا يَثْنِي عزمَهم مثل هذا الكلام؛ لأنهم على الحق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل تَكَفَّل ببيان الحق وإظهاره وإبطال الباطل واندحاره؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الكفر يوجب عدم قَبول الحق والاهتداء به تُؤْخَذ من قوله: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، و﴿فِي﴾ للظرفية، ومعناه أن الضلال محيط بهم من كل جانب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَا نِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، فإذا لم يؤمن الإنسان بالحق بقي في ضلال، والشواهد على هذا كثيرة؛ استمع إلى مثل هذه الآية وإلى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥] يعني: مضطرب ومختلف، فكل من كذَّب بالحق فإنه لا يزداد إلا ضلالًا حتى لو جاءته الآيات البينات الظاهرات فإنه لا ينتفع بذلك، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥] مع أنها آيات بينات واضحات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿