تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
لِّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤﴾
وَٱلَّذِينَ سَعَوْ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴿٥﴾
فيها أيضًا: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ ٤]، محل هذه الآية مما قبلها في المعنى، أو اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلِّقة بماذا؟ مَن؟ إحنا ما فَسَّرْنَاها؟
* طلبة: لا، اللي قبل يا شيخ، (بَيِّن هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ).
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: (﴿لِيَجْزِيَ﴾ فيها)، (فيها) الضمير يعود على الساعة.
﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هنا للتعليل، وقد علمنا من قواعد اللغة العربية أن حروف الجر لا بد لها من متعلَّق، فأين متعلَّق اللام، متعلَّق هذه اللام قوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، أي: لتأتينكم ليجزي الذين، فهذه اللام للتعليل، وهي متعلقة بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.
و﴿يَجْزِيَ﴾ بمعنى: يكافئ، أو يثيب، والفاعل هو الله سبحانه وتعالى.
وقوله: (فيها) أشار المؤلف بقوله: (فيها) إلى أن الجارّ والمجرور متعلِّق بـ(تأتِينكم)؛ لأن الضمير في قوله: (فيها) يعود على الساعة، (﴿لِيَجْزِيَ﴾ فيها).
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: آمنوا بالقلب، وعملوا الصالحات بالجوارح، والإيمان إذا أُطْلِق شمل الأعمال الظاهرة؛ أعمال الجوارح، وكذلك العمل إذا أُطْلِق يشمل الإيمان بالقلب؛ لأن الإيمان بالقلب من أعمال القلوب فإذا قُرِنَا جميعًا صار الإيمان في القلب، والعمل في الجوارح، الإيمان سر، والعمل علانية.
وقوله: ﴿آمَنُوا﴾، الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، ليس مجرد تصديق، بل هو التصديق المستلزِم للقبول والإذعان، القبول في الأخبار، والإذعان في الطلب، فيقبل -مثلًا- ما أخبر الله به ورسوله، ويقبل كَوْن هذا الحكم فرضًا، وكونه تطوعًا، وما أشبه ذلك، ويُذْعِن لذلك، بمعنى أنه يتعبَّد لله بمقتضى ما آمن به، وبمقتضى ما شَرَعَه الله سبحانه وتعالى.
وفي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: عملوا الأعمال الصالحات، فتكون ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وصفًا لموصوف محذوف.
وحَذْف المنعوت جائز إذا قامت القرينة عليه، قال ابن مالك:
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ
ومِن حذف المنعوت قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] أي: دروعًا سابغات.
فعلى هذا تكون ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف، أي: الأعمال الصالحات، وما هي الأعمال الصالحات؟ العمل الصالح هو الذي جمع بين أمرين:
الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، فإن فُقِدَ الأول لم يكن صالحًا، وكان مردودًا على العامل، وإن فُقِدَ الثاني لم يكن صالحًا، وكان مردودًا على العامل أيضًا.
الدليل: في الأول قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
وفي الثاني قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، أو «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨)، من حديث عائشة.]]، فلا يمكن أن يكون العمل صالحًا إلا بهذين الشرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ.
لو أن رجلًا أحدث بِدْعًا من البدع يتدين بها لله سبحانه وتعالى، ويجد من قلبه الاطمئنان إليها والخشوع والبكاء، لكنها مُحْدَثَة في دين الله، هل تكون عملًا صالحًا؟ ما تكون، حتى وإن زُيِّنَ للإنسان هذا العمل واطمأن إليه فإنه ليس من العمل الصالح، فلا يكون مقبولًا ولا نافعًا، بل يأْثَم به الإنسان؛ لأنه مِن التقرُّب إلى الله تعالى بما يكرهه، والتقرب إلى الله تعالى بما يكرهه نوع من الاستهزاء بالله عز وجل.
أرأيت لو أنك أتيت لشخص، ملك من الملوك، وأهديت إليه قارورة فيها ما تريد أن تذهب به إلى التحليل، هل تكون مُكْرِمًا له ولَّا لا؟ أجيبوا.
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن هذا هو يكره هذا الشيء، كيف تقول: أهدي إليه طِيبًا، جَرَّة طِيب، لا بأس أما تهدي إليه هذا الشيء وتقول: أتقرب إليه بذلك، فهذا ضد ما تريد، وهو نوع من الاستهزاء بهذا الْمُكْرَم أو الْمُعَظَّم.
إذن الصالحات ما هي؟ الأعمال الصالحات التي جمعت بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ.
يوجَد بعض الأعمال مما يُكْرَه في الشرع، لكن الإنسان يطمئن إليه ويرتاح له، فنقول: لا تغترّ بهذا الراحة وهذه الطمأنينة؛ فإن ذلك من تزيين أيش؟ من تزيين الشيطان، عُبَّاد الأصنام الذين جعلوها شفعاء لهم عند الله يرتاحون لهذا، ويرون أنها واسطة بينهم وبين الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فهي من الشرك.
مثال هذا: يوجد بعض الناس يغمض عينيه في الصلاة، ويقول: إن ذلك أدعى للخشوع، فهذا مِن تزيين الشيطان؛ لأن تغميض العين في الصلاة لغير سبب مكروه، وخلاف هَدْي النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يغمض عينيه، ولكنه إما أن ينظر إلى موضع سجوده أو إلى تلقاء وجهه، أما أنه يغمض عينيه فهذا خلاف السنة، ولهذا كرهه الفقهاء رحمهم الله، نعم لو كان هناك سبب للتغميض، كما لو كان أمامك شيء يجهر عينيك، أو نقوش تشغلك، فهنا التغميض لسبب لا للتقرب به إلى الله، ولكن لدفع ما يشوش عليك ويُخِلّ ..
قوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ ٣] (...).
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [سبأ ٤]، قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذه الجملة استئنافية لبيان جزائهم؛ لأن قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مُبْهَم، فبيَّن هذا الجزاء بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
والإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وهي مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدَّم، و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ معطوفٌ عليه، والجملةُ الثانيةُ من المبتدأِ والخبرِ خبرُ المبتدأ الأول.
فعندنا الآن مبتدآن ﴿أُولَئِكَ﴾ و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ كذا؟
﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبرٌ مقدَّمٌ لأيش؟ لـ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿رِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ معطوف عليها، والجملةُ من المبتدأ الثاني وخبره في محلِّ رفع خبر المبتدأ الأول. مفهوم هذا عندكم؟
أين الرابط؟ الرابط الضمير في ﴿لَهُمْ﴾؛ لأنه يعود على المشار إليه.
قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ أشار إليهم بإشارة البعيد تنبيهًا على عُلُوِّ مرتبتهم؛ لأن هذا الصنف من الناس هو أعلى طبقات الناس؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
وقوله: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ بها زوال المكروه، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ به حصول المطلوب، فلهم مغفرةٌ لذنوبهم وخطاياهم، فيغفر الله لهم الخطايا والذُّنوب بأن يتجاوز عنهم ويسترها عليهم؛ لأن المغفرة هي سَتْر الذنبِ والتجاوزُ عنه؛ إذْ إنَّ اشتقاقها من الْمِغْفَر؛ وهو الذي يُلْبَس على الرأس عند الحرب، وفيه فائدتان: سَتْر الرأس، ووِقايتُه من السهام. فالمغفرة إذَنْ فيها سَتْر الذُّنوب، والتجاوزُ عنها وعدمُ العقوبة عليها.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم.
والكريم بمعنى الحسَن في كيفيَّته وفي كمِّيته، وقد أشار الله تعالى إلى أن حُسْن هذا الرزق لا تَبْلغه العقولُ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، فثوابُ هؤلاء المؤمنين اللي عملوا الصالحات ثوابُهم أنْ تُغْفَر سيِّئاتُهم وأنْ يُجازَوْا على عملهم الصالح بالرزق الكريم.
قلت: ﴿كَرِيمٌ﴾ أنَّه حَسَنٌ في أيش؟ كمِّيته وكيفيَّته؛ فكمِّيته لا تُحصَى، ولا يفنى ولا يَبِيد، وكيفيَّته أيضًا لا يُدركها العقل أو القلب؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ إلى آخِره [سبأ: ٥] تكلَّمنا سابقًا وقُلنا: إن القرآن مثانٍ كما وَصَفَه الله به؛ فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، و﴿مَثَانِيَ﴾ هذه غير المثاني في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧]؛ لأن المراد بـ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ المراد بها الفاتحة كما ثَبَتَ ذلك عن النبي ﷺ، فالمثاني معناه -﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ - أنَّه تُثَنَّى فيه المعاني، فغالبًا إذا ذُكِر جزاءُ المتقين ذُكِر جزاءُ الكافرين، إذا ذُكِر وصْفُ الجنة ذُكِر وصْف النار، إذا ذُكِرت الأوصاف المحبوبة إلى الله ذُكِرت الأوصاف المكروهة إليه، لماذا؟ لأنه لو ذُكِر المطلوب فقط من أوصافٍ أو جزاءٍ أَخَذَ الإنسانَ الرجاءُ حتى أَمِنَ مَكْرَ الله، وإنْ ذُكِر المكروهُ من ذلك أَخَذَه القنوطُ واليأسُ، فكان الله عز وجل يذكر هذا ثم يذكر إلى جانبه الشيءَ الآخَرَ حتى يكون الإنسانُ سائرًا إلى ربِّه بين أيش؟ بين الخوف والرجاء؛ لأن هذا هو الاعتدالُ أنْ تكون خائفًا راجيًا في سَيْرك إلى ربِّك؛ لأنك إن غَلَّبْتَ الرجاءَ كنْتَ من الآمِنين مكْرَ الله؛ لأن من غَلَّبَ الرجاءَ صار يعمل الذَّنْب ويقول: أرجو أنَّ الله يغفر لي، ويتهاون بالواجب ويقول: أرجو الله يَغْفر لي، ومَنْ غَلَّبَ الخوفَ دَخَلَ في القنوط من رحمة الله.
وذَكَرْنا أن بعضَ العلماء خالف في هذا وقال: إنه ينبغي لك عند فِعْل الطاعة أن تُغَلِّبَ الرجاءَ؛ لأنك قُمْتَ بما أُمِرْتَ فارْجُ اللَّهَ سبحانه وتعالى ثوابَه؛ لأن هذا من باب إحسانِ الظنِّ بالله، وإذا كُنتَ في مقام المعصية فغَلِّبْ جانبَ الخوف لِتَرْدَعَ نفسَك عمَّا تُريد أن تفعله من المعصية.
وأنَّ بعضَ العلماء ذهبَ مذهبًا آخَر وقال: في حال المرضِ تُقَدِّم جانبَ الرجاء؛ لأنك الآن في مقام الضَّعف فتُغَلِّب جانبَ الرجاء وإحسان الظنِّ بالله عز وجل، فلا تموتَنَّ إلا وأنتَ تُحْسِن الظنَّ بربِّك سبحانه وتعالى، وإذا كنتَ في حال الصِّحَّة فغَلِّبْ جانبَ الخوف.
والإمام أحمد -رحمه الله- قال: ينبغي أن يكون خوفُه ورجاؤه واحدًا، فأيُّهما غَلَبَ هلك صاحبُه.
والإنسان طبيبُ نفسِه في الواقع؛ لا شكَّ أنك إنْ رأيتَ نفسَك تميل إلى الباطل فإنَّه يجب عليك أن تُخَوِّفها بالله عز وجل، لا تُرَجِّها؛ لأنك إن رجَّيْتَها في هذه الحال ماذا تصنع؟ تُقْدِم على المعاصي، إي نعم.
يقول: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.
﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: (في إبْطالِ ﴿آيَاتِنَا﴾ القرآن). فجَعَلَ في الآية محذوفًا تقديره: في إبطالها.
ومعنى ﴿سَعَوْا﴾ أي: مَشَوْا بشِدَّة، هذا في الأصل، ومنه السَّعي؛ أي: الرَّكْض، فالمراد أنَّ هؤلاء يُسابِقون ويتسارعون إلى إبطال آيات الله سبحانه وتعالى، إبطالها بالنسبة لهم لا يقومون بها، وإبطالها بالنسبة لغيرهم يَصُدُّون الناسَ عن دين الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج ٢٥]، فهؤلاء سَعَوْا غايةَ السَّعْي في آيات الله عز وجل لإبطالها وإخفاقها.
وقوله: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ لم يبيِّن بماذا سَعَوْا؛ لأنَّ هؤلاء يَسْعَون في إبطال آيات الله أحيانًا بالصِّراع المسلَّح؛ يعني يهاجِمون الديار ويُقاتلونهم حتى يردُّوهم عن دينهم، وأحيانًا بالسلاح الفكري؛ فيبثُّون فيهم الشُّبُهات في دينهم، في نبيِّهم، في ربِّهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وأحيانًا يَسْعَون في ذلك بالشهوات فيبثُّون في الناس حُبًّا اللهو والشهوة، ومِنْ هذا ما تبثُّه وسائلُ الإعلامِ الخبيثةُ في الدُّول الكافرة ومَن تشبَّهتْ بها، فتجدهم يَدْعون إلى أسافلِ الأخلاق، يَدْعون بالقلم وبالصورة؛ فيُصَوِّرون النساءَ الفاتناتِ وعلى صِفَةٍ مُزْرية والعياذ بالله، ويكتبون أيضًا بالدعوة إلى ذلك، هذا الأمر هل تظنُّون أنه يَمَسُّ العقيدةَ أو للبدن فقط؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: يمسُّ العقيدةَ في الواقع؛ لأن الإنسان إذا أصبح بهيميًّا ليس له إلا إشباعُ بَطْنه وإشباعُ غريزته فإنَّه يبقى لا صِلَة له بالله عز وجل ولا يكون له صِلَةٌ، أهمُّ شيءٍ عنده هذا الذي انغمسَ فيه من الشهوات واللَّهوات، فتجده يُعرِض عن دين الله ولا يهتمُّ به، ولذلك من أَضَرِّ ما يكون على البلاد الإسلامية بعد بثِّ السموم الفكريَّة بثُّ السموم الشهوانيَّة؛ لأن الشهوانية هذه يميل إليها الإنسانُ بفِطْرته التي تُمْليها عليه نفسُه الأمَّارةُ بالسوء فيَدْخُل فيها مُكْرَهًا، فإذا انغمسَ -نسأل الله العافية- فيها فإنَّه يَقِلُّ أن يَنْتَشِل نفسَه منها.
فالمهمُّ أنَّ الذين كفروا يَسْعَون سعيًا حثيثًا في إبطال آياتِ الله أن تُنْشَر، أو أن يُعْمَل بها، أو أنْ يَتَّجِهَ الناسُ إليها بكُلِّ ما يستطيعون مِن قوَّةٍ؛ إمَّا بالصراع المسلَّح، وإمَّا ببَثِّ الأفكار المشكِّكة المشبِّهة، وإمَّا ببَثِّ أيش؟ الشهوات حتى يُعرِض الناسُ عن دينهم.
وقوله: ﴿آيَاتِنَا﴾ قال: (القرآن). الصواب أن ﴿آيَاتِنَا﴾ هُنا أعمُّ من القرآن؛ لأن الساعين في آيات الله ليسُوا من هذه الأُمَّة فقط، حتى في الأُمَم السابقة فإنَّ فيهم مَن يسعى في آيات الله، ألَيْسَ كذلك؟!
مثلًا فِرْعون يهدد قومَه يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، ويحثُّهم على أن يكفروا بموسى عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك أيضًا من الأُمَم الآخَرين، كلُّهم يَسْعَون في آياتِ الله؛ أي: في إبطالها وصَدِّ الناسِ عنها.
وعلى هذا فنقول: إنَّ المراد بآيات الله هُنا أعمُّ من القرآن، يشمل الساعي في أيِّ آيةٍ من آيات الله.
وقوله: (﴿مُعَجِّزِينَ﴾ [[قرأها الشيخ ﴿مُعْجِزِينَ﴾ من الإعجاز، والصواب من (التعجيز) كما أثبتنا.]] وفي قراءةٍ هُنا وفيما يأتي ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ أي: مُقَدِّرين عَجْزَنا، أو مُسابِقِينَ لَنَا فيفوتُونا لظنِّهم أن لا بَعْثَ ولا عقابَ).
نعم، فيها قراءتان سبعيَّتان أو إحداهما شاذَّة؟
* طلبة: سبعيَّتان.
* الشيخ: سبعيَّتان، كذا؟ لأنَّ من اصطلاح المؤلف رحمه الله أنَّه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعيَّة، أمَّا إذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذَّة، هذا اصطلاحٌ خاصٌّ للمؤلِّف؛ إذا وجدتَ في الكتاب -هذا التفسير- (وفي قراءة) فأعلمْ أنها قراءةٌ سبعيَّة، وإذا وجدتَ (وقُرِئَ) فهي قراءة شاذَّة، والفرق بينهما أن القراءة السبعيَّة يجوز أن يَقْرأ بها الإنسانُ في صلاته ويتعبَّد لله سبحانه وتعالى بها، وأمَّا الشاذَّة فهي على اسمها شاذَّةٌ، لكن هلْ يُحتَجُّ بها في الأحكام أو لا يُحتَجُّ؟ فيه خلافٌ بين العلماء.
إذَنْ فيها قراءتان: ﴿مُعَجِّزِينَ﴾ أو ﴿مُعَاجِزِينَ﴾. المعجِّز معناه الذي يُريد أن يُعَجِّز غيره بدون أن يكون من الغير مقابلةٌ له، هذا المعجِّز، فيكون الإعجاز من طرفٍ واحدٍ؛ أي إنهم يريدون بهذا أن يعجِّزوا الله عز وجل في عدم مؤاخذتهم وعقابهم لأنهم آمنون من مَكْر الله سبحانه وتعالى.
﴿مُعَاجِزِينَ﴾ تكون من طرفين كلُّ واحدٍ منهما يُريد إعجاز الآخَر، فكأنَّهم لطُغيانهم وعُدوانهم جعلوا أنفسَهم في مقام الصِّراع مع الله عز وجل، وإنْ كان الله عز وجل يريد أن يُعجزهم فهم أيضًا يريدون أن يُعجزوا الله سبحانه وتعالى.
وقد سبق أن القراءتين قد تدلُّ كلُّ واحدةٍ منهما على معنًى يُكمل القراءة الأخرى، فأيُّهما أبلغ: المعجِّز أو المعاجِز؟
* طلبة: المعاجِز.
* الشيخ: المعاجِز أبلغُ في الطغيان؛ لأنه أراد أنْ يجعل نفسَه حربًا لله سبحانه وتعالى مقابِلًا له.
ما جزاؤهم؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾، الجملةُ هذه نقول في إعرابها كما قُلنا في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، فهي مبتدأٌ وخبرُه الجملةُ بعده.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ العذاب بمعنى العقاب، والرِّجز يقول المؤلف: (سيِّئ العَذَاب)، الرِّجْز هو السيِّئ من كلِّ شيءٍ، فإذا قيل: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ فمعناه سيِّئُ العذاب، فعذابُهُم هذا -والعياذُ بالله- سيِّئُ العذاب، بلْ إنَّه أسوأُ العذاب؛ فإنَّ أعظم عذابٍ يُعذَّب به البَشَر هو عذابُ النار، نسأل الله العافية، فهو أسوأُ العذاب.
وقوله: ﴿أَلِيمٌ﴾ أي: (مؤلِم، بالجرِّ والرفْع) يعني: قراءتان (صِفَةٌ لـ﴿رِجْزٍ﴾ أو ﴿عَذَابٌ﴾ ). يعني كلمة ﴿أَلِيمٌ﴾ فيها قراءتان: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أو ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ أمَّا كون ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة لـ﴿عَذَابٌ﴾ فهي كثيرة في القرآن؛ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] كثيرًا ما يَصِف اللَّهُ العذابَ بالألم، وأمَّا ﴿رِجْزٍ﴾ فإنها كانت صفةً لها لأنها أقربُ من ﴿عَذَابٌ﴾.
وعليه فإذا قلتَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ قلنا: إنها صفةٌ لـ﴿عَذَابٌ﴾، وإذا قلتَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ﴾ قلنا: إنها صفةٌ لـ﴿رِجْزٍ﴾، ويجوز أن تقرأ بهذا وبهذا بلْ يُستحبُّ لك أن تقرأ بالقراءتين جميعًا، وبالثلاث إذا كان فيها ثلاث قراءات؛ لأن اختلاف القراءات كاختلاف الصفات في العبادات، وقد مرَّ علينا أن الأفضل فيما جاء من العبادات على صفات متعدِّدة، الأفضل أن تعمل بهذا مرَّةً وبهذا مرَّةً حتى تحصل على السُّنَنِ كلِّها، وهكذا القراءات، ولكن إيَّاك أنْ تقرأ وأنت شاكٌّ في القراءة؛ لأنه لا يجوز أن نقرأ إلا ونحن متيقِّنون بأن هذه قراءة صحيحة.
ثم قال عز وجل: ﴿