×

سبأ

الآيات ٣٠–٣١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ﴿٣٠﴾

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلَا بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴿٣١﴾

قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ ٣٠] عليه وهو يوم القيامة). ﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ قوله: ﴿مِيعَادُ﴾ يحتمل أن يكون ظرف مكان أو زمان، ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، والمعنى أن لكم وعدًا يكون في يوم لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون عليه؛ وذلك لأن الله عز وجل بحكمته البالغة قدَّر لكل شيء أجلًا معينًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء بمقدار عند الله ومُحدَّد بأجله، فالعذاب لا يقدمه استعجالهم، ولا يؤخره، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا جواب من التهديد لهم ما هو ظاهر كما لو قلت للإنسان: إن لك عندي موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر؛ فالمعنى احذر من هذا اليوم. وقول المؤلف: (هو يوم القيامة) هذا لا شك أنه محتمل لكن فيه احتمال آخر أنه يوم القيامة ويوم موتهم أيضًا فإن يوم موتهم يشاهدون العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال ٥٠، ٥١]. فهذا اليوم يجدون فيه العذاب قبل يوم القيامة، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣]، وفي سورة الدخان ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان ١٠ - ١٣] إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٥، ١٦] وهذا متى حصل؟ حصل في بدر حين قتل شرفاؤهم وساداتهم. قال تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣١] من أهل مكة)، أهل مكة (...) عليهم بالكفر قبل أن يكونوا مؤمنين لكن لا ينبغي أن نخصص ما عممه الله عز وجل، فالصواب: وقال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، أيش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أعوذ بالله، أتوا بـ ﴿لَنْ﴾ الدالة على تأكيد النفي، ولم يقولوا: لا نؤمن، بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يؤكدون انتفاء إيمانهم بالقرآن في المستقبل. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (هذا) الإشارة للقريب تحقيرًا له كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان٤١]. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] قلت: إن الإشارة هنا للقريب تحقيرًا له. وقوله: ﴿الْقُرْآنِ﴾ على وزن (فُعْلان)، فهل هو بمعنى المقروء؛ أو بمعنى القارِئ، أو هو مصدر بمعنى الجمع؟ فيه خلاف لعلماء العربية، والصواب أنه مُتضمن للمعاني كلها؛ فهو بمعنى قارئ أي جامع؛ لأنه مُهيمن على الكتب السابقة، وجميع ما فيها من المصالح موجود فيها وهو مقروء؛ لأن الناس يقرؤونه ويتلونه وهو جمع أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء، والفُعلان بمعنى المصدر موجود في اللغة العربية، مثل: الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أشبه ذلك، والمراد بالقرآن هنا الكتاب الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ، وهو اسم خاص به ﴿بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني ولا نؤمن بالذي بين يديه أي: (تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالَّيْن على البعث بإنكارهم له)، يعني ولا نؤمن أيضًا بالذي بين يديه، والمراد على رأي المؤلف: بما بين يديه، ما سبقه، وليس ما يأتي بعده، ما سبقه من (...) منين؟ (...). ما ذهب إليه المؤلف. ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ما يأتي مما أخبر به، فإن ما بين يدي الشيء مستقبله، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] والمعنيان صحيحان، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين صحيحين لا يتنافيان وجب حملها على الجميع؛ لأن القرآن شامل واسِع ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ ٣١] أي: ولا بالذي يأتي بعده مما أخبر به، أو: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ قال المؤلف: (يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١]). ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذه (لو) شرطية، فعل شرطها ﴿تَرَى﴾ وهي جازمة ولَّا غير جازمة؟ غير جازمة، وجوابها محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجواب الشرط في مثل هذا التركيب أعظم من ذِكْره؛ لأن النفس تذهب في تقديره كل مذهب من الفظاعة والبشاعة. و(لو) تأتي في اللغة العربية على عدة معانٍ: تأتي شرطية كما هنا، وتأتي مصدرية كما في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]. وقول المؤلف: (يا محمد)، قصر المؤلف الضمير على الرسول ﷺ مع أنه يحتمل أن يكون المراد به كل مخاطب؛ يعني ولو ترى أيها المخاطَب حال هؤلاء لرأيت أمرًا فظيعًا. وقوله: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿إِذِ﴾ بمعنى وقت أو حين، فهي ظرف زمان، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ و﴿مَوْقُوفُونَ﴾ خبره. والمراد بالظالمين هنا قال المؤلف: (الكافرون)، وإنما خصَّها بالكافرين مع أن الظلم أعم لقرينة السياق؛ حيث قال الله تعالى في آخرها: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣٣]، فصار المراد بالظالمين هنا الكافرين. هل كل كافر ظالم؟ * طلبة: (...). * الشيخ: هل كل ظالم كافر؟ لا؛ ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] قال العلماء: نحمد الله أن لم يقل: والظالمون هم الكافرون. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ ٣١] أي: محبوسون، فمعنى وَقَفَه أي: حبَسَه، ومنه سُمِّي الوقْف للمال الحبيس الذي تُحبس عينُه، وتُسبَّل منفعته، فمعنى ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أي: محبوسون عند الله عز وجل. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يقل: عند الله؛ لأن مِثْل هذا الفعل العظيم الدال على العظمة يتناسب مع الربوبية؛ لكمال ربوبيته عز وجل، وكمال ملكه وسلطانه، تجد هؤلاء الظلمة الذين عندهم من العتو والاستكبار والعناد في الدنيا تجدهم في أذل شيء أمام ربوبية الله عز وجل. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ﴿يَرْجِعُ﴾ بمعنى يرد، وعلى هذا فتكون متعدية؛ لأن رجع تأتي لازمة، وتأتي متعدية، فقولك: رجعت من مكة إلى المدينة؛ هذه لازمة ولَّا متعدية؟ * طلبة: لازمة. * الشيخ: لازمة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: رجعت من مكة إلى المدينة؛ لازمة، أيش تقولون؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: لازمة؛ لأنها لم تنصب المفعول. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذه متعدية. وهنا قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ متعدية ولَّا لازمة؟ متعدية؛ أي: يردهم. وقوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ﴿الْقَوْلَ﴾ هنا مُبهم ومُجْمَل، ثم فصَّله بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى آخره [سبأ: ٣١]. وفائدة الإبهام المفصل فائدته عظيمة؛ لأنه إذا أُجمل أولًا وأُبهم فإن النفس تتطلع إلى بيان ذلك الشيء وتفصيله ولَّا لا؟ عندما أقرأ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ماذا يكون ذهنك؟ يكون ذهنك متطلعًا إلى بيان هذا القول الذي يتراجعونه، لكن لو قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هكذا جاءت لم يكن لها من التمكن في الذهن مثل ما كان لها حينما أبهم القول، ثم بُيِّن، أو أُجْمِل، ثم فُصِّل. ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يقولون؟ (﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرؤساء ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صددتمونا عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالنبي). ﴿لَوْلَا﴾ هذه شرطية أو لا؟ شرطية، ويقال فيها: حرف امتناع لوجود؛ لأنه امتنع جوابها لوجود شرطها، وتأتي (لولا) شرطية كما هنا، وتأتي للتحضيض كما في قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، وتأتي للنفي كما في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨] المعنى فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا. هنا يقول: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾. ابن مالك رحمه الله يقول: وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ ..................... إذن هنا المبتدأ موجود، وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ فأين الخبر؟ محذوف قدَّرَه المؤلف بقوله: (صددتمونا) من أين عرف أنه بهذا اللفظ؟ من قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ ٣٢]، إذن ما نُقدِّر هنا: لولا أنتم موجودون؛ لأن الصد أخص من مطلق الوجود، وإذا كان لنا طريق إلى تقدير الأخص فهو أولى من تقدير الأعم؛ ولهذا قلنا: إن القارئ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، يُقدِّر المتعلَّق بقوله: أقرأ، لا بقوله: أبتدئ؛ لأن أبتدئ عامة وأقرأ خاصة، هنا يمكن أن نقول: لولا أنتم موجودون، لكن ما دُمنا نجد فعلًا أخص وهو الصد المدلول عليه بقوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ [سبأ ٣٢] فإنه يجب أن نقدر لولا أنتم صددتمونا. ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١] هذا جواب الشرط؛ ولهذا اقترن باللام ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لكن بمن؟ قال: (بالنبي). والأصح أنه أعم؛ أي لكنا مؤمنين بما تشمله رسالة النبي ﷺ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبغير ذلك مما يجب الإيمان به. ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢] ردوا عليهم القول ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ ٣١] ردوا القول؟ وين الرد؟ (...). يقول: ﴿