×
سبأالآية ٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ ﴿٢﴾

يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ ٢]. * ومن فوائدها -وهي فائدة بلاغية-: البداءة بما يماس الإنسان، وإن كان غيره أشرف منه؛ لأنك تتحدث عما يَلِج في الأرض وما يخرج منها قبل أن تتحدث عما ينزل من السماء وما يعرج فيها. هنا هذه الفائدة بناء على أن السماء أشرف من الأرض، وهل هذا مسلَّم؟ لا تستعجلوا، هل هو مسلَّم أن السماء أشرف من الأرض، أو الأرض أشرف من السماء؟ هذا فيه خلاف بين العلماء، فيه جدل كثير؛ منهم مَن يرى أن السماء أشرف، ويقول: إن السماء لو لم يكن فيها إلا الملائكة المقرَّبُون، وهي جهة عُلُوّ، والسماء فيها أيضًا الله عز وجل فوقها. ومنهم مَن يرى أن الأرض أشرف، يقول: لأنها خُلِقَ منها أفضل المخلوقات وهم الأنبياء والرسل، فهي أشرف، وهذا النزاع وإن كان نزاعًا قد يقال: إنه من فضول العلم، لكنه على كل حال في أول وهلة يرى الإنسان أن السماء أشرف من الأرض، ولكن ذُكِرَت الأرض هنا لأنها تُمَاسُّنَا أكثر ونعرف عنها أكثر. * وفيها أيضًا -من فوائد الآية الكريمة-: إثبات الرحمة والمغفرة لله عز وجل، في قوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾، وهنا قدم الرحيم على الغفور، وإن كان الأكثر في القرآن تقديم الغفور على الرحيم؛ لما يكون في السماء والأرض من المصالح والمنافع، والمصالح والمنافع من آثار أيش؟ الرحمة، ودَفْع المصائب من آثار المغفرة؛ لأن المغفرة مَحْو الذنب الذي تدور فيه المكروهات، والرحمة حصول الخير. الرحمة عند أهل السنة والجماعة صفةٌ من صفات الله عز وجل حقيقة ثابتة له، وعند الأشاعرة يقولون: إن الرحمة هي الإحسان، أو إرادة الإحسان، فيفسرونها بالشيء المفعول لله، يعني بالنعم أو بإرادة النعم، لماذا؟ لأنهم يُقِرُّون بصفة أيش؟ بصفة الإرادة، فيفسرون الرحمة بإرادة الإنعام والإحسان، أو بالإنعام والإحسان نفسه. ولكن سبق لنا أن القول الصواب المقطوع به هو أن تُجْرَى نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على ظاهرها. يحتاج أن نقول: اللائق بالله، ولَّا ما حاجة؟ لا نقول: اللائق بالله، إلا على سبيل الإيضاح فقط؛ لأننا نعلم علم اليقين أن ظاهرها لائق بالله، وليس ظاهرها كما يقول أهل التعطيل: التشبيه؛ لأنه لو كان ظاهر نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته التشبيه أو التمثيل لكان ظاهر القرآن والسنة في هذا الباب هو الكفر؛ لأن مَن شَبَّهَ الله بخلقه فقد كَفَرَ حيث كذَّب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ومحال أن يكون ظاهر الحق أيش؟ باطلًا وكفرًا، ولهذا إذا قلنا: إن نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته تُجْرَى على ظاهرها اللائق بالله، فهذا من باب أيش؟ من باب الإيضاح، وإلا فإننا نعلم علم اليقين الذي هو عندنا أيقن من الشمس أن ظاهرها هو ما يليق بالله، فلا حاجة إلى التقييد به، لكننا قد نقيِّده على سبيل الإيضاح فقط. والرحمة هل هي صفات كمال من حيث هي، بقطع النظر عن موصوفها، أو صفة نقص؟ هي صفة كمال في الواقع، حتى الرحمة في (...). ....................... ∗∗∗ ...كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِالنَّدَى معروف البيت، معروف؟ يقول: ووضع الندى، الندى: العطاء والبذل. وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَا ∗∗∗ مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِالنَّدَى حكمة هذا، يقول: وَضْع الندى في موضع السيف مُضِرٌّ بالعُلَا والأخلاق، ليش؟ لأن الذي يستحق السيف أحسن ما نضع له السيف، واحد مجرم مُفْسِد في الأرض أمسكناه وقَدَرْنَا عليه نقول: يا ولد شوف هذه الفيلَّا لك، وهذه السيارة لك، وهذا المستودع المملوء بخزائن الذهب والفضة لك، لأنك مجرم، حكمة ولَّا لا؟ ما هي حكمة. كوضع السيف في موضع الندى، إنسان صاحب خير وإحسان ومُسْتَحِقّ لأن يُكْرَم، فجِيءَ به فوضعناه على نطع القتل، قلنا: بنقتلك الآن، ليش؟ لأنك محسن، هذا حكمة ولَّا لا؟ ليس بحكمة، فالبيت هذا من أعظم ما يكون من أبيات الحكمة، والمتنبي معروف أنه حكيم الشعراء. * طالب: أبو العلاء * الشيخ: لا، المتنبي. إذن نقول: إن الرحمة صفة كمال من حيث هي هي، فإذا أضيفت إلى الله صارت أكمل وأكمل.