تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَقَالُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ﴿٦٧﴾
رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴿٦٨﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ ۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا ﴿٦٩﴾
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧].
* في هذه الآية دليل على اعترافهم بأنهم مقلِّدون وليسوا متبوعين؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾.
* ومن فوائدها: أن التقليد لا يغني من العذاب؛ يعني حتى لو كان هناك كبراء وزعماء وبُيِّن لهم الحق، فإذا خالفوه لأجل الموافقة لزعمائهم فإن ذلك لا ينجيهم من العذاب.
* ومن فوائدها: تحريم تقليد العالم إذا تبيَّن النص. من أين يؤخذ؟ من أن الله عذَّب هؤلاء على تقليد كبرائهم وزعمائهم في مخالفة الحق، فإذا تبين لك الحق لا تقل: والله قال العالم الفلاني، وقال الإمام الفلاني، فتكون مشابهًا لمن؟ لأهل النار الذين قالوا: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾.
* ومن فوائدها: جواز نسبة الشيء إلى سببه؛ لقوله: ﴿فَأَضَلُّونَا﴾، مع أن الذي يضل ويهدي حقيقةً هو الله عز وجل، لكن هؤلاء الكبراء صاروا سببًا للإضلال فنُسِب الإضلال إليهم.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية في قولهم: ﴿أَطَعْنَا﴾ وقولهم: ﴿أَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾.
* ومن فوائدها: أن موالاتهم لهؤلاء الكبراء والسادة ستنقلب يوم القيامة عداوة؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.
* ومن فوائدها: تحذير من حول ولاة الأمور، الولاة سواء كانوا وزراء أو مدراء أو أكبر من ذلك تحذير من كان حولهم أن يتبعهم في معصية الله، وأنه سيأتي اليوم الذي يندم فيه ويتبرَّأ ويدعو عليهم بمثل هذا الدعاء.
* ومن فوائدها: أن السادة والكبراء المضلين لا ينفعون أتباعهم يوم القيامة وجهه؛ لقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، ولأنهم دعوا على هؤلاء وقالوا: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ولو كانوا ينفعونهم ما دعوا عليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من جلساء السوء. ما وجهه؟ قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا﴾، وأن كل إنسان ترى أنه سيضلك عن سبيل الله فالواجب عليك البعد عنه، وقد قال الله عز وجل مُخْبِرًا عن هذه الحالة: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧، ٢٨]، فلانًا هذا ما هو من الكبراء والسادة، أي فلان، ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان ٢٨، ٢٩] وهذه هي النقطة، فيكون قوله هنا: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾؛ يعني: بعد أن جاءهم الذكر وتبين لهم الحق تابعوا هؤلاء، فصارت عليهم هذه العقوبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدار الآخرة لا ينقطع فيها التكليف انقطاعًا تامًّا؛ لأن الله أثبت أن هؤلاء يدعون الله، والدعاء نوع من العبادة، ما نقول: إن الآخرة ما فيها لا دعاء ولا فيها سجود ولا فيها عمل، فيها لكنها ليست كالدنيا، وإلا فإن الله عز وجل يقول في سورة (ن): ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم ٤٢]، هذا تكليف ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم ٤٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شدة بغض هؤلاء الأتباع للمتبوعين؛ لأنهم دعوا أن الله يضاعف عليهم العذاب ويلعنهم أيضًا، وليس لعنًا قليلًا بل كثيرًا وكبيرًا أيضًا ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٨].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب ٦٩] إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: تحريم أذية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾، ويُقْصَد بالنهي التحريم، وقد سبق أن أذية الرسول من كبائر الذنوب؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله تعالى برسوله؛ حيث يضرب له الأمثال بمن سبقه من الرسل لأجل التسلية وتهوين الأمر عليه، وأن هذا أمر قد سبقك، وهذا كثير في القرآن؛ ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام ٣٤].
* ومنها: تحذير المؤمنين أن يصيبهم ما أصاب من سبقهم حين تجرَّؤا على رسل الله؛ لقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله تعالى برسله؛ لقوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾.
* ومن فوائدها: أن التبرئة تكون بالقول وتكون بالفعل؛ تكون بالقول مثل قوله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ٢]، فنفى عنه الجنون الذي رماه به أعداؤه ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩]، هذه التبرئة بأيش؟ التبرئة بماذا؛ بالفعل ولَّا بالقول؟ بالقول، التبرئة بالفعل كما جرى لموسى عليه الصلاة والسلام؛ فإن الله تعالى ما قال لبني إسرائيل: إنه ليس بآدر، لكنه هيأ له هذا الأمر الواقع الذي يكون تبرئة من الله عز وجل لرسوله بماذا؟ بالفعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة موسى؛ حيث برَّأه الله مما عِيبَ عليه، هذا من وجه، وحيث قال فيه: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن العبرة بوجاهة الإنسان عند الله لا عند الخلق؛ لأنه قال: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، فقدَّم ﴿عِنْدَ﴾ على قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ إشارةً إلى أن المهم أن تكون وجيهًا عند الله.
وبماذا يكون الإنسان وجيهًا عند الله؟ يكون وجيهًا عند الله تعالى بعبادته، كلما كان الإنسان أعبد لله تعالى وأطوع له كان عند الله أوجه. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣]، فكل من كان اتقى فهو أكرم عند الله وأرفع منزلة.
* طالب: (...) الرسول ﷺ هذا بالفعل ولَّا بالقول؟
* الشيخ: لا، هذه شهادة بالفعل؛ لأن الله ما أنزل قرآنًا وقال: إن الرسول صادق لكنه رُفِع له بيت المقدس حتى شاهده.
* طالب: بالنسبة لقراءة: ﴿وَكَانَ عَبْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ؟
* الشيخ: هذه قراءة شاذة.
* الطالب: وإذا كان يحتج بها على نفي العندية، ماذا يقال لهم؟
* الشيخ: يقال: هذه شاذة، هذه متواترة، تلقَّاها المسلمون من الرسول إلى يومنا، وأما تلك فشاذةٌ.
* الطالب: والكلام على العندية في هذه الآية والقُرب من الله عز وجل؟
* الشيخ: نرد عليهم بالآيات الكثيرة وبالأحاديث أيضًا، وهو إثبات القُرب لله عز وجل، ولكنه لا يلزم من القرب الحلول؛ يعني إذا قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة ١٨٦] لا يلزم من ذلك أن يكون قريبًا عندك في مكانك، لكنه قريب وإن كان عاليًا؛ لأن الله ليس كمثله شيء.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يعني: تطبيق مدلول قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]، بس هذه بحيث إنها ما ذكرت في القرآن ما جعلناها فائدة، وإلا هي فائدة عظيمة؛ أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خير له.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما قدمها؛ لأنه قال: (وفي قراءة).
* الطالب: في السياق؟
* الشيخ: إي؛ لأنه هو رحمه الله فسَّر على هذه القراءة؛ لأن المصحف اللي عنده على هذه القراءة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٦٢] (...) أن الله سبحانه وتعالى قد يغير سنته في خلقه؟
* الشيخ: لا، يقول: ﴿لَنْ تَجِدَ﴾ هذا نفي.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأنه ما قال: (ولن تجد الله مبدِّلًا) مثلًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام ١١٥].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أبدًا، مربوطة بأسبابها.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أبدًا ما تختلف، بأسبابها؛ إذا اختلف السبب اختلفت السنة، أما إذا كانت السبب واحدًا ما يمكن تختلف.
* طالب: لماذا لا نقول في قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ (...) تحقق الوقوع؟
* الشيخ: هذا خلاف الأصل، وقد ثبت وجود النار، إحنا ما نلجأ إلى أنه أتى بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه إلا في شيء يقين أنه ما أتى، مثل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ معناه أنه ما وقع الآن.
* طالب: (...) الرد على (...) ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٦٢] (...) يعتمد على (...) الكرامات من الله سبحانه وتعالى (...)؟
* الشيخ: والله ما أدري، هذه الظاهر أنها فائدة عرجاء، شوف الأعرج إن كان له كرامة يمكن نقبلها منك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأنه جاه معنوي، الوجاهة أمر معنوي، فيكون القرب هنا قربًا معنويًّا، لكن القرب الحسي مثل قوله (...): ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٦].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: في الآية هذه؟ لا (...)؛ لأن الوجاهة معنوي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، حسي نعم، مفيش شك أن القريب من الله من الملائكة اللي حملة العرش أقرب من غيرهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هي (...)، ما دام هي موجودة ما (...).