×
الأحزابالآية ٥٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيبًا ﴿٥٢﴾

لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]. * يُستفاد من هذه الآية: أن النبي ﷺ مكلف كغيره من البشر؛ يعني: أنه يُحَلل له ويُحَرَّم عليه، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي أن التكليف لا يمكن أن يسقط عن أحد مهما بلغت منزلته في الدين، فيكون في ذلك رد على أولئك الذين يزعمون أن الأولياء إذا بلغوا مرتبة من المراتب سقط عنهم التكليف؛ لأننا نعلم أن أعلى درجات الخلق عند الله هم الأنبياء والرسل، وأن أعلاهم محمد ﷺ، فإذا كان هو محلًّا للتكليف فمن دونه من باب أولى. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات شكر الله عز وجل لمن قام بطاعته واتبع مرضاته، وهذا من مقتضى اسمه الشكور، فإن الله تعالى سمى اسمه بالشكور في قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن ١٧] فمن شكره أنه سبحانه وتعالى يُنْعِم على من قام بطاعته حسب ما تقتضيه تلك الطاعة، بناء على أن قوله: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد التخيير. أما على الرأي الثاني أن المراد من بعد هؤلاء النساء؛ فلا تتأتى هذه الفائدة، ولكنا ذكرنا أن الآية إذا صلحت لمعنيين لا يتنافيان فإن الواجب حملها عليهما. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه لا يجوز للنبي ﷺ أن يطلق أحدًا من نسائه ليتزوج غيرها لقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب ٥٢] والله عز وجل لم يُحَرم الطلاق، وإنما حرم عليه أن يتبدل بهن من أزواج، وفرق بين الطلاق وبين أن يتبدل بهن من أزواج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كغيره من البشر، يعجبه حسن النساء الظاهر والباطن، لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل للمرأة لحسنها؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، ويؤيد هذا قول الرسول ﷺ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ؛ لِمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣) من حديث أبي هريرة.]]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن الوطء بملك اليمين أهون على المرأة من الوطء بالزواج لقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]، ولهذا أباح الله عز وجل للإنسان ألا يعدل بين سراريه؛ لأن الغيرة بينهن ليست كالغيرة بين الزوجات، فلهذا قال أو ما ملكت يمينك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرق لقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ والرق ثابت في الإسلام، ومن أنكر ثبوت الرق فقد كَذَّب القرآن والسنة وإجماع المسلمين، فيكون مرتدًا، حتى يتوب ويقر بثبوت الرق، والناس في هذا الباب طرفان ووسط، منهم: من يسترق الأحرار ومنهم من ينكر ثبوت الرق مطلقًا، ومنهم من يثبت الرق بأسبابه وشروطه، فنسمع عن بعض فئات من الناس أنهم يسترقون أولادهم ويبيعونهم على غيرهم، وهذا كثير في أفريقيا وفي شرق آسيا، حتى إن بعض الهمج والرعاع ظنوا أن ذلك يبيح الوطء بهذا الملك الفاسد، فصاروا يشترون من هؤلاء بناتهم ويطؤونهن بهذا الملك الفاسد، وهذا لا يثبت به الملك، وليس سببًا للرق. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله قال: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»[[أخرجه البخاري (٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة.]]، هذا قسم من الناس. القسم الثاني: من ينكر الرقَّ مطلقًا حتى مع وجود أسبابه الشرعية، وهذا يقوله أولئك الأمم المتمدينة التي تزعم الحضارة والتقدم، لكن من العجب أنهم ينكرون الرق الذي له أسباب شرعية إلهية ولكنهم يسترقون عباد الله استرقاقًا أشد من الاسترقاق الإسلامي بغير سبب شرعي، وما مشكلة جنوب أفريقيا الحاضرة الآن إلا أنموذجًا من ذلك، فإنهم يسترقون السود استرقاقًا مشينًا ويحرمونهم من حقوقهم، وهذا أقبح بكثير من الاسترقاق الشرعي الإسلامي على أن الاسترقاق الشرعي الإسلامي ليس فيه قبح؛ لأنك إذا تأملت النصوص الواردة في أحكام الرقيق وجدت أن الشرع إنما أباح استرقاقهم لمصلحتهم؛ لأن سبب الرق واحد وأسباب الحرية متعددة، ولأن الرقيق يجب على مالكه أن يعامله بالمعروف، وعلى هذا فيكون الطريق الثالث الذي هو إثبات الرق بالأسباب الشرعية الإلهية هو الحق، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، ولا ينكره إلا مكابر، ومن أنكره فهو كافر. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالبعض عن الكل لقوله: ﴿مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]. * ومنه: تفضيل اليمين على الشمال، حيث نسب الملكية إليها دون الشمال، ولم يعبر باليد الشمال عن الذات أبدًا، لكن عبر بالأيدي عمومًا، وعبر باليمين، وأما التعبير بالشمال فلم يرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم من أسماء الله وهو الرقيب في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢]، والرقيب بمعنى الحفيظ، والإيمان برقابة الله سبحانه وتعالى يوجب للعبد كمال مراقبة الله والخوف منه، وأن لا يتجرأ على معصيته ولا يتخلف عن طاعته؛ لأنه لو كان أحد الملوك -ملوك الدنيا- قد جعل عليك رقيبًا، وهو ما يسمى برجال المخابرات والمباحث، فهل يمكنك أن تتكلم أو أن تفعل ما يكون سببًا لعقوبتك عند هذا الملك؟ الجواب: لا، حتى إنهم يتواصون، يقول: لا يكن عندكم أحد من رجال المباحث، لا يكن عندكم أحد من رجال المخابرات، وما أشبه ذلك، ويخشونه، هذا بالنسبة للمخلوق، فرقابة الخالق عز وجل أكمل وأعظم. * ويُستفاد من الآية الكريمة: بلاغة القرآن، حيث يختم الآيات بما يناسب الأحكام الموجودة فيها؛ لأنه لما كان المقام مقام تحليل وتحريم ختمها بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ يعني: فهو يراقبك لو خالفت ما شرع لك.