×

الأحزاب

الآية ٣٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴿٣٤﴾

وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، ما هو معناها أن كلما جاءت الحكمة فهي السنة. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، ﴿لَطِيفًا﴾ قال المؤلف: (بأوليائه ﴿خَبِيرًا﴾ بجميع خلقه) اللطيف فسَّره أهل الباطل بأنه الذي لا يُدْرَك لصغره -أعوذ بالله- لطيف، أنت ما تقول: هذا لطيف، يعني: صغير ما ينشاف، ففسَّرُوه بذلك وكذبوا، وفسَّرَه أهل السنة فقالوا: إن اللطيف جاء في كتاب الله مُعَدًّى باللام ومُعَدًّى بالباء، ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى ١٩]، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف ١٠٠]، فعُدِّي بالباء وعُدِّي باللام، وعلى هذا فيكون اللطيف له معنيان؛ أحدهما اللطف للعبد، وهو أن الله عز وجل يُقَدِّر له مواقع الإحسان، بمعنى أنه يلطف له فييسر له الأمر ويسهِّلُه عليه، وأما اللطيف به –بالباء- فهو بمعنى إدراك الأمور الخفية؛ لأن اللطيف معناه الذي يُدْرِك ما لَطُف، فمعنى ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أي: مدرك لما خفي من أمورهم، فيكون بمعنى الخبير، بل أدق من معنى الخبير، ولهذا جمع الله بينهما فقال: ﴿خَبِيرًا﴾، والخبير قال العلماء: هو العالم ببواطن الأمور، يقول ابن القيم في النونية، وهي من أحسن ما نُظِمَ في التوحيد وأجمعه، يقول: وَهوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ ∗∗∗ وَاللُّطْفُ فِي أَوْصَـــافِهِ نَوْعَــــــانِ؎إِدْرَاكُ أَسْرَارِ الْأُمُورِ بِحِكْمَةٍ ∗∗∗ وَاللُّطْفُ عِنْدَ مَوَاقِعِ الْإِحْسَانِ فهذا معنى اللطيف، فصار اللطيف له معنيان؛ اللطيف للعبد، واللطيف به، فاللطيف به بمعنى: الخبير ببواطن أموره وما لَطُف من أمره، وله: الذي يُقَدِّر له من أسرار حكمته أو من أسرار إحسانه وفضله ما لا يدركه بعقله. نأخذ الآن فوائد الآيات.. ويش آخر ما قرأنا الفوائد؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣]،* في هذه الآية الكريمة: وجوب قرار المرأة في بيتها، انتبهوا إلى هذه الفائدة، أو نقول: مشروعية؟ مشروعية، لأن القول بوجوب القرار يخالفه ما جاء في السنة من الإذن للنساء بالخروج لكن بدون تَبَرُّج، وعلى هذا فنقول: مشروعية؛ لأن كلمة مشروعية تتسع للواجب والمستحب. * ومن فوائد الآية: أن بيوت أزواج النبي ﷺ ملك لهن؛ لقوله: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. فإن قال قائل: الإضافة هنا للاختصاص وليست للتمليك، كما تقول: السرج للدابة، والْمِقْوَد للبعير، وهل هي تملكه؟ لو قال قائل ذلك بأن الإضافة للاختصاص، وأن بيوت أزواج النبي ﷺ للنبي ﷺ، ماذا نقول؟ نقول: إن الواقع يخالف ذلك؛ لأن هذه البيوت لو كانت للرسول عليه الصلاة والسلام ما بَقِيَت مع أمهات المؤمنين بعد موته؛ إذ إن النبي ﷺ لا يُورَث. * ومن فوائد الآية الكريمة: الفائدة المأخوذة من الإضافة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، فإن فيها الإغراء على لزوم البيت؛ لأنه بيتها وسترها، يعني كلمة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أبلغ من كلمة: وقرن في البيوت، كأنه يقول: هذا البيت ما بُنِيَ إلا لك سترًا لك وصونًا، فالزمي هذا البيت الذي من أجلك بُنِيَ. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تبرُّج الجاهلية؛ لقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. * ومن فوائدها: جواز التبرج إذا كان مبنيًّا على العلم والسنة؛ لأن المنهيّ عنه من التبرج هو تبرُّج الجاهلية، ولهذا يجوز للمرأة أن تتبرج في بعض المواضع، وليس حرامًا عليها كل تبرج. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذَمُّ الجهل؛ لقوله: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، فإن نسبة هذا إلى الجهل لا شك أنه يراد به التنفير. * ومن فوائد الآية الكريمة: مَدْح ما كان مبنيًّا على العلم، من أين يؤخذ؟ لأن ذَمّ الضِّدّ يدل على مدح ضده، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فإذا كان التبرج المبني على الجهل مذمومًا فإن ما بُنِيَ على العلم ليس مذمومًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي عند الإغراء أو التحذير أن يُذْكَر كل وصف يستلزم الإغراء أو التحذير؛ لقوله: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، الأولى -كما قلنا فيما سبق- زمنًا أو الأولى نوعًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إقامة الصلاة على النساء، كما هو واجب على الرجال؛ لقوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾، ووجوب إيتاء الزكاة؛ لقوله: ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من الموانع عن المحرَّمات؛ لأنه قال: ﴿لَا تَبَرَّجْنَ﴾، ثم قال: ﴿وَأَقِمْنَ﴾، فدل هذا على أن من أسباب عدم التبرج إقامة الصلاة، ولا ريب في هذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، ويقول عز وجل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة ٤٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، من أين تؤخذ؟ من الأمر بهذا، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وطاعة الله ورسوله يدخل فيها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فالنص على بعض أفراد العامّ يدل على العناية به، سواء تقدم الخاصّ أو تأخَّر، فمثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج ٧٧]، هذا تقدَّم الخاصُّ على العامِّ، أو لا؟ ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وهذا من فعل الخير، ثم قال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، هذا من باب تقدُّم العامّ على الخاصّ، وسواء تقدَّم العامّ على الخاصّ أو تأخَّر فإنه يدل على العناية بالخاصّ، ولهذا نُصَّ عليه من بين أفراد العامّ. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طاعة الله ورسوله؛ لقوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. * ومن فوائدها: أن طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله؛ للعطف بالواو الدالَّة على الاشتراك، وقد قال الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. * ومن فوائدها: أن الله أراد بحكمته البالغة أن يُذْهِب الرجس عن آل البيت؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخضوع بالقول، وأن تبرُّج الجاهلية من الرجس، وأن القرار في البيوت، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله من أسباب زوال الرجس؛ لأن ما تقدم أوامر ونَوَاهٍ بَيَّن الله تعالى أنه إنما أمر بها ونهى عنها من أجل أن يُذْهِبَ عن هذا البيت الرجس، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن زوجات الإنسان من آل بيته، صح؟ فإذا قال: هذا وقفٌ على آل بيتي، شمل النساء، وإذا قال في الأضحية: اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، شمل النساء؛ لأن الله تعالى جعل زوجات الرسول ﷺ من آل بيته. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفخيم هذا البيت وتعظيمه؛ لقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾؛ لأن (أل) للعهد الذهني، كأن هذا البيت معهود معلوم بأذهان الناس لا يغيب عنها؛ لما لهذا البيت من المكانة الرفيعة والخصلة الحميدة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله عز وجل أراد أن يُذْهِب الرجس وأثر الرجس أيضًا، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وهذا فوق ذَهَاب الرجس؛ لأننا لو ضربنا هذا بالمثال الحسي وقلنا: إن هذا الثوب تلطَّخ بنجاسة، فحكَكْنَا هذه النجاسة حتى زالت عينُها، هذا ماذا يسمى؟ هذا إذهاب الرجس، فإذا صببنا الماء حتى نَظُفَ المكان تمامًا وزال الأثر صار ذلك تطهيرًا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح في دعاء الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فذكر المباعَدة أولًا قبل التَّلَبُّس بالخطيّة، ثم ذَكَر التنقية من الخطيّة بعد التلبس بها، ثم ذكر أبلغ من ذلك وهو الغسل، غسل هذه الخطية وآثارها بالماء والثلج والبَرَد، والحاصل أننا نقول: إن قوله: ﴿يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ هذا فوق إذهاب الرجس. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. ومن فوائدها أيضًا: أن البيت المطهَّر من الرجس، سواء بيت الرسول ﷺ ولَّا غيره من البيوتات، أن البيت المطهَّر يعتبر من أفضل البيوتات، ويعتبر تطهيره من أكبر النِّعَم عليهم، منين يؤخذ؟ من أن الله امْتَنَّ بذلك على آل بيت الرسول ﷺ، وهذا شيء معلوم في الناس، الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، من الناس معدن خبيث، ومن الناس معدن طيب، ولهذا لو أن أحدًا تلبَّس برجس من الأرجاس، من حَمُولة طيبة قبيلة طيبة، ويش يقول الناس؟ يستغربونه ويستنكرونه، ويرون هذا أشد، لكن لو تلبَّس أحد برجس من الأرجاس وهو من قبيلة معروفة بذلك أيش يقولون؟ ما يُسْتَغْرَب، يقولون: إن الغصن من الشجرة، ولا هو بغريب أن يفعل هذا الفعل؛ لأن آباءه وإخوانه وأعمامه وما أشبه ذلك فعلوا مثله، ولا شك أن الله إذا مَنَّ على آل بيت من البيوت بالتطهير والكرم والنظافة والنزاهة فإن ذلك من نعمة الله عليهم. واعلم أن الله تعالى قد يجعل على يد الشخص الواحد طهارة كل قبيلته كما هو مشاهَد، يخرج رجل واحد صالِح مُصْلِح يُنْذِر عشيرته الأقربين، ويحرص على دعوتهم للحق، فيُصْلِح الله تعالى على يديه كل قبيلته، إذا جاء ذلك بإخلاص وبامتثال لأمره سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤]، لكن ما أدري عن أنفسنا نحن، أيش تقولون؟ إي والله الله يصلحنا، عندنا تفريط وإهمال، الإنسان ما يتفقد أهله اللي في بيته، ولا يتفقد أهله قرابته اللي في غير بيته، صحيح هذا هو الواقع؛ يعني الناس الآن ما كأنهم يعني غاية ما يتواصلون به إن تواصلوا في الأمور الدنيوية، لكن هدايا الدين ما أقلها، ما أقل ذلك، وإن كان والحمد لله يوجد، أنا ما أقول: إني أُقَنِّطُكم من رحمة الله، يوجد والحمد لله مَن إذا رأى في بيت أقاربه ما يُكْرَه ينصحهم ويرشدهم، ويُبَيِّن لهم ذلك، وربما بعض الناس يهجرهم ما يذهب إليهم، كل هذا من أجل الحرص على تقويمهم. * طالب: الأول كان يحتاجون بعضهم، الآن (...). * الشيخ: صحيح إن الآن ما هم مثل أول، وإن الفقر لباس طيب في الحقيقة، مثلما قال حميدان الشويعر: الفقر خديديم أجواد ∗∗∗ ودك يا طا كل زنقه فالحاصل أن الفقر قد يكون فيه خير، «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَغْنَاهُ اللهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى»[[أخرج الحكيم الترمذي (٨٩٦) والبغوي في شرح السنة (١٢٤٩) بسنديهما عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ، عن جبريل، عن الله تبارك وتعالى، قال: «إن من عبادي المؤمنين لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا السقم، ولو صححته لأفسده ذلك» الحديث. ]]، لكن مع ذلك لا تيأسوا والله كم من قلب لان للحق وهو من أفسق عباد الله، هذا شيء الذي يجعلنا بالحقيقة نستحسر هو اليأس، ويعقوب عليه السلام قال لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف ٨٧]، مع أنه في تلك الساعة ويش يظن؟ يظن أنهم ما هم بواجدينه، لكن مع هذا لقوة رجائه بالله عز وجل، وإن الأمور لا تقيسها بما تشاهد، هناك شيء وراء المادة، هناك شيء وراء المشاهدة وما تسمع، وهو إرادة الله عز وجل وقدرته، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق٢، ٣]، من بابٍ ما كان يظن أن يأتيه الرزق منه، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم اليقين. * طالب: يعقوب كان يعلم بيوسف أنه حي؟ * الشيخ: لا، يمكن يظن ويرجو؛ لأن الله قد وَعَدَهُ بذلك. * الطالب: (...) ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف ٨٦]؟ * الشيخ: إي نعم، هو يظن ويرجو، لكن هذه الوقائع قد تعطي القلب يأسًا. ثم قال عز وجل: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٤]، في هذه الآية من الفوائد تذكير أُمَّهَات المؤمنين بهذه النعمة العظيمة، وهي -لا أحد يسألني وأنا أستنبط الفوائد- تذكير زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه النعمة العظيمة؛ لقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. * ومن فوائدها: أن مَن أعطاه الله علمًا كان طلب الاستقامة منه أَوْكَد وأوثق، إذا أعطى الله الإنسان علمًا فإنه يُطْلَب منه من الاستقامة أكثر مما يُطْلَب ممن؟ لم يُؤْتَ علمًا، لأنه قال: ﴿اذْكُرْنَ مَا يُتْلَى﴾ فليس عليكن قاصر في العلم، بل إن العلم يُتْلَى في بيوتكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن البيت الذي يُتْلَى فيه كتاب الله خير من البيت الذي لا يُتْلَى فيه كتاب الله؛ لقوله: ﴿اذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ولهذا قال النبي ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا»[[أخرجه مسلم (٧٨٠ / ٢١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، يعني: لا تجعلوها مثل القبور لا تصلون فيها، وفي الحديث الصحيح عنه: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٩٠) ومسلم (٧٨١/٢١٣) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، ولفظ البخاري: «... فإنَّ أفضلَ صلاةِ المرءِ في بيته إلا الصلاة المكتوبة». ]]، وكان مِن هَدْي الصحابة رضي الله عنهم أنه تُسْمَع لبيوتهم من تلاوة كتاب الله يُسْمَع لها دَوِيّ كدَوِيّ النحل من قراءة كتاب الله تعالى في البيوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن من آيات الله؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، وقد سبق في التفسير بيان كونه من آيات الله عز وجل؛ لِمَا يتضمن عليه من المصالح والْحِكَم والأسرار. * ومنها -من فوائد الآية الكريمة-: أنه إذا قُرِنَت الحكمة بالكتاب فالمراد بها السنة؛ لأن السنة أيضًا تتضمن الحكمة، والله عز وجل لم يَصِف السنة بالحكمة؛ لأن القرآن ليس فيه حكمة، ولكن لَمَّا كان القرآن من عند الله وكلام الله فإن احتمال ألَّا يتضمن الحكمة بعيد ولَّا لا؟ بعيد جدًّا، لكن لما كانت السنة من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام فإن كلام البشر قد يَرِد عليه احتمال ألَّا يكون مشتملًا على الحكمة، فبَيَّن الله عز وجل أن السنة حكمة، وإن كانت من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام أو من فعله فإنها حكمة؛ لأنها موافقة للصواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: اللطيف والخبير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله كان لطيفًا خبيرًا، أما الآن فلا. * طالب: لا. * الشيخ: لا؟ ليش؟ كان هذه مسلوبة الدلالة على الزمان، وإنما يراد بها اتصاف المبتدأ أو الاسم بالخبر فقط، بقطع النظر عن الزمان، إذن ما الفائدة منها، لماذا لم يقل: إن الله لطيف خبير؟ الفائدة منها تحقُّق الاتصاف بهذا الوصف، هذه الفائدة، (كان) يعني قد تحقق ذلك في حقه، وهو أنه سبحانه وتعالى لطيف خبير. * ومن فوائدها: ما تضمَّنه هذان الاسمان من صفات الله عز وجل؛ من اللطف والخبرة. * طالب: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ممكن يرد على مَن أنكر أن نساء النبي من آل البيت؟ * الشيخ: إي، كيف؟ فيها بلا شك، أنا سمعت شريطًا للأخ إحسان ظهير إلهي. * الطالب: إلهي ظهير. * الشيخ: إحسان إلهي ظهير يرد على رجل من الشيعة ويتكلم عن هذه الآية بشدة وبقوة، يقول: إن الذي يصرف الآية هذه إلى آل بيته الأربعة ما يعرف اللغة العربية، ولا يعرف أساليب الكلام، كيف إنه يُخْرِج هذه الآية من بين الآيات كلها المحيطة بها والتي توجَّه إلى أمهات المؤمنين ويُخْرِج هذه الآية؟ أيش سؤالك أنت؟ * الطالب: ما فيه فائدة أن (...)؟ * الشيخ: بشرط إن طلبة العلم يعلِّموهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، إذا كان الزوج أخرس ما يقول شيئًا، وهي لا تعرف تقرأ، وعنده كتب وهي ما تقرأ، والزوج ما يعلِّمها. * الطالب: (...). * الشيخ: قد لا يكون. * الطالب: من قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. * الشيخ: إذا معناها ما (...)، ربما يكون عند المرأة مثل ما قال الأخ عندها أشرطة تستمع إليها، فيقال: كل امرأة يوجَد في بيتها أو يُتْلَى في بيتها حرف من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، أو كلام أهل العلم المبني على الكتاب والسنة فعليها من الواجب أكثر ممن لم تعرف. * طالب: طالب العلم. * الشيخ: لا، تُلْزِم زوجات طلبة العلم الْخُرْس. * الطالب: (...) ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾؟ * الشيخ: ﴿مَا يُتْلَى﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذه يؤخذ منها؛ لأننا ذكرناها، قلنا: إن الذِّكر هنا أن المرأة تذكر فضل ونعمة الله عليها في هذا، وتتذكر أيضًا هذا الذي يُتْلَى بتَعَلُّمه وبتعليمه أيضًا؛ تعلُّمه يعني لأنه يأمر بالتعليم، وإلا نفس اللفظ ما يدل عليه؛ لأنه ما قال: ذَكِّرْن ما يُتْلَى، قال: ﴿اذْكُرْنَ﴾. * الطالب: شيخ، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، فيها رَدّ أيضًا على المسلمين الذين ينكرون السنة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يقولون: نأخذ بالقرآن ونتلوه. * الشيخ: نعم، كيف؟ فيه رد على هؤلاء، ورد على آخرين يقابلونهم، يأخذون بالسنة ولا يأخذون بالقرآن؛ لأن فيه ناس الآن، فيه ناس مع الأسف يعتنون بالسنة اعتناء عظيمًا، حتى إنهم يغوصون على أشياء قد لا تكون صحيحة ويأتون بها، لكن في القرآن خاطِبْهم في القرآن ما يعرفون شيئًا في القرآن، لا في تفسيره، ولا في إعرابه، ولا في شيء أبدًا منه، بينما هم في السنة يُذْهِبُون ليلهم ونهارهم، وهذا خطأ؛ لأن أول ما يجب أن نتعلم القرآن، ثم بعد ذلك السنة؛ لأن القرآن هو الأصل، الآن انتهى وقت الحديث، لكن نبغي نأخذ (...). ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٨] لا بد نحن ذكرنا الفوائد، لكن في ظني أننا ما ذكرنا أن التخيير لا يكون طلاقًا، ولا ذكرنا أن في ذلك حماية لفراش الرسول عليه الصلاة والسلام من أن يكون فيه مَن يريد الحياة الدنيا وزينتها، ولا ذكرنا أن في ذلك أيضًا دفاعًا عن الرسول عليه الصلاة والسلام حتى لا يطالبنه بعد ذلك بشيء من الحقوق، أظن ذكرنا أن فيه مناقب لزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، فالمهم أن فيه فوائد كثيرة تحبون نأخذها ولَّا.. أنا أخشى أن.. بعضها مكتوبة الآن. * طالب: (...) الأخرس. * الشيخ: لا أن التخيير ليس بطلاق، ولا أخذنا أن فيه دفاعًا عن الرسول عليه الصلاة والسلام، أخذناه؟ خير إن شاء الله، أجل نمشي.