تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴿٨﴾
ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿٩﴾
وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍۭ ۚ بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَـٰفِرُونَ ﴿١٠﴾
قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴿١١﴾
وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴿١٢﴾
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان الذي خُلق من الطين له نسل، جُعل له نسل من أجل أن يبقى هذا النوع من المخلوقات؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان يُخلق من المني لقوله تعالى: ﴿نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨]، والسلالة هي الخلاصة، والماء المهين هو الْمَنِي، وعلى هذا فهو مخلوق من مَنِي الرجل لا مني الأنثى؛ لأنه ما الماء المهين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل لهذا الماء حيث جعله على هذا الضعف وعلى هذا النوع من أجل حفظ الحيوان المنوي، إذ لو كان سائلًا سيولة الماء ما احتفظ بهذه الحيوانات، ولو كان غليظًا أكثر من هذا لكان منه ضرر على هذه الحيوانات فربما تموت، ولكن الله عز وجل جعله على هذا الوضع (...).
ثم قال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ إلى آخره [السجدة: ٩].
* يُستفاد من هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى أكمل خلق الإنسان؛ لقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، وقوله: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان جسم لا يكون إنسانًا إلا بالروح؛ لقوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها -وليس بذاك القوي: أن الروح جسم؛ لأنها تُنفخ في هذا الجسم البائد، وهو كذلك، فإن الروح جسم لكنها جسم لطيف لا يُرى، مع أن الملائكة تقبضه وتجعله في الحنوط وتصعد به إلى السماء، لكن نحن لا نراه عندما تخرج روح الميت، فنحن عنده هل نرى شيئًا؟ لا، ما نرى شيئًا.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل على الإنسان بجعل السمع والأبصار والأفئدة التي بها إدراك المعقول وعقله، إدراك المعقول بماذا؟ بالسمع والبصر، وعقله؟ بالقلب ووعيه.
* ومِن وفوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قليل الشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩]، كما أن الشاكر قليل أيضًا، الشاكر قليل والقائم بالشكر على الوجه المطلوب قليل، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: الشاكر قليل؛ لأن معناه أنه من حيث الأفراد والأشخاص واحد في العشرة، هذا قليل، ونفس الواحد هذا أيضًا شكره قليل، والشاكر قليل، وشكر الشاكر أيضًا قليل، فقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] هذا باعتبار شكر الشاكر، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣] باعتبار الأفراد الشاكرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون شكرُه على حسب النعمة، ففي السمع يستعمل السمع فيما يقرب إلى الله ويمنعه عما حرم الله.
وكذلك في البصر، أما القلب فنعم يجب عليه أن يُعْرِضَ بقلبه عن كل ما حرم الله، وأن يقبل بقلبه على كل ما أمر الله به.
ثم قال عز وجل: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المنكرين كما سيأتي في آخرها: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين كانوا شاكِّين في قدرة الله، لقولهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾.
ويَحتمل أن يكون ذلك منهم مكابرة، وأنهم عالمون بقدرة الله، لكن يكابرون، ويؤيد هذا قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني الأمر واضح، لكن هؤلاء كفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بإعادة الأموات بعد أن غابوا في الأرض واضمَحَلُّوا فيها، ينشئهم الله تعالى خلقًا جديدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إبطال قول من يقول: إن البعث إيجاد من عدم؛ لأن فيه من يقول: إن هذا الخلق يعدم بالكلية ثم يُنشأ من جديد، وهذا القول باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الثواب لمن لا يعمل، والعقوبة على من لم يعمل، لو قلنا: إنه يعدم بالكلية ثم ينشأ خلق جديد ويُحاسب، هذا الجديد ما هو موجود الأول، فيكون معاقبًا على ما لم يفعل، ومثابًا بما لا يفعل، والله تعالى قد بين أن الإنسان نفسه هو الذي يُعاد، فليس يُعدم ثم يُخلق من جديد، ولكنه يُعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، ما قال: نخلق غيره، الشاهد قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ يجي يقول: كيف بعد ما نُغيَّب في الأرض ونكون تُرابًا كيف نُبعث؟ فدل هذا على أن البعث هو إعادة ما سبق، وليس ابتداء خلق جديد.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء المنكرين للبعث ليس عندهم حُجَّة إلا مجرد الكفر؛ لقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: إثبات ملاقاة الله عز وجل يوم القيامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ﴾، ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١١].
* يُستفاد من الآية الكريمة: أن الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت؛ لقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وجعلهم من السامعين المطيعين له، وأقدرهم على فعل المأمور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وقال عز وجل: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦] من كمال الامتثال، وكمال القدرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله عز وجل للأمور وإحكامه لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإن كل ملك موكل بشيء من الأشياء بتمام النظام وإحكامه وإحسانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة سلطان الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فقد سبق لنا في الدرس أن هذا التوكيل ليس عجزًا من الله عز وجل، ولكنه لبيان سلطانه وعظمته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة ١١].
ويُؤخذ منه إثبات الجزاء؛ لأن هذا هو المقصود من قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١٢].
في هذا بيان فظاعة ما يحل بالكافرين يوم القيامة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ والمقدر جوابها: لرأيت أمرًا فظيعًا.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المجرمين المستكبرين في الدنيا الرافعي رؤوسهم ستكون حالهم في يوم القيامة على العكس من ذلك لقوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ المؤلف يقول: (حياءً) والصواب أنه: ذلًّا وعارًا وخزيًا، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجرمين يوم القيامة يقروُّن بالحق، من أين تؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة ١٢] ولكن هل ينفع هذا؟ لا، بعد أن شاهد الإنسان العذاب أو الجزاء ما ينفعه هذا اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢].
ويتفرع عليها أن الآخرة قد يكون فيها شيء من العبادات؛ لأن الدعاء من العبادة، وهم يدعون الله.
وعليه؛ فمن نفى أن الآخرة دار تكليف أو دار عمل فإن نفيه على سبيل العموم فيه نظرٌ ظاهرٌ، فإن الآخرة قد يكون فيها تكليف: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم ٤٢]، ﴿يُدْعَوْنَ﴾ هذا تكليف ولّا لا؟ تكليف، فالآخرة قد يكون فيها تكليف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يوقنون بالأمر بالآخرة لقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢].
* ومن فوائدها: إقرارهم على أنفسهم بأن عملهم السابق ليس بصواب، منين؟ من قوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢] يعني: وكأنهم في الأول لا يعملون صالحًا.
ثم قال تعالى: ﴿