×

السجدة

الآيات ١٥–١٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩ ﴿١٥﴾

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ﴿١٦﴾

إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة ١٥] هل تفيد معنى كل ما ذكر لفظ آية من الآيات (...)؟ * الشيخ: ما ذكرنا إحنا في التفسير أنه لا يلزم من كون هذا جوابًا للشرط أن يقع حين وقوع الشرط؟ ما تقدم لنا هذا أو لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، تقدم وقلنا لكم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، وقلنا: تزوج زيد فوُلِدَ له، وأن التعقيب بحسبه، تعقيب كل شيء بحسبه، وأنه لا يلزم من قوله: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا﴾ أنهم يخرون من حين التذكير، وهذه نسينا نقولها في المناقشة، فهذه المعنى ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ يعني معناه يسجدون لله ويسبحونه في حال السجود؛ ولهذا مما يشرع في السجود أن تقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك. قال الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ إلى آخره [السجدة: ١٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يُوَبَّخون بتركهم العمل بالنجاة منها؛ لقوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾، ويتفرع على هذه الفائدة زيادة التعذيب؛ التعذيب الجسدي أو القلبي؟ القلبي؛ لأن الإنسان إذا وُبِّخ على عمل عمله هو يزداد حسرة وندمًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق النسيان على الترك؛ لقوله: ﴿نَسِيتُمْ﴾ ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، منين؟ ﴿نَسِينَاكُمْ﴾ يعني: تركناكم، وهذا يدل على أنه تعالى يترك مَنْ شاء ويُقْبِل على من شاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب النار جائز؛ لقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن عذاب النار أبديٌّ سرمديٌّ، كما أن نعيم الجنة أبديٌّ سرمديٌّ، لكن ذكر ابن القيم رحمه الله أن للسلف في أبدية النار قولين؛ وأما عذابها فهو أبديٌّ ما دامت النار موجودة، فلا يخرج منها أهلها ما دامت موجودة أبدًا، لكن الكلام في أبديتها هي، هل هي مؤبدة أو مؤمدة؟ لكن الصواب أنها مؤبدة، وقد ذكر الله تعالى ذلك في ثلاث آيات من القرآن؛ في سورة النساء وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن. في سورة النساء أعطنا الآية. * الطالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٨] * الشيخ: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ [النساء ١٦٨]. * الطالب: سبيلًا. * الشيخ: ﴿طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] هذه آية النساء، الثانية في الأحزاب.. طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ [النساء ٥٦]. * الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾. * الطالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. * الشيخ: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾. * الطالب: سبيلًا. * الشيخ: ﴿طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، هذه آية النساء، الثانية في الأحزاب، ما هي آية الأحزاب؟ * طالب: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٥] * الشيخ: في آية الجن. * طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. * الشيخ: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. فإذا قال قائل: إن التأبيد هنا لخلودهم؟ قلنا: لا تأبيد لخلود إلا والمكان الخالد فيه يكون مؤبَّدًا، إذا تأبَّد الخلود فإن مكان الخلود يكون مؤبَّدًا بالضرورة، ولهذا الصواب المقطوع به أن النار أبدية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يظلم أحدًا؛ لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٤]. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل، فكما أنهم أَفْنَوْا حياتهم في معصية الله فإن حياتهم الآخرة أيضًا ستكون بعذاب الله. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة ١٥]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن للإيمان علامات؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ إلى آخره. * ويستفاد منها: أن مَن ادَّعَى الإيمان بدون علامة فدعواه باطلة. * ويستفاد من الآية الكريمة: الاستدلال بالأحوال والقرائن، من أين تؤخذ؟ لأن الله ذَكَرَ علامة على الإيمان بهذه الأفعال، والإيمان محله القلب لا يُعْلَم، لكن هذه الأعمال قرائن وأحوال تدل على وجود ما هي دليل عليه، فيستفاد من الآية الاستدلال بالقرائن، ويش بعد؟ والأحوال على حقيقة الشيء، وهذه مفيدة غاية الفائدة للقضاة. وقد استدل بالقرائن أحد الأنبياء الكرام، مَن هو؟ سليمان، استدل بالقرائن، واستدل بالقرائن أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام في قصة مال حُيَيّ بن أخطب لما سأل عنه بعد خيبر «قال: إنه أَفْنَتْه الحروب، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْمَالُ كَثِيرٌ وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ»، ما يمكن تفنيه وحُيَيّ بن أخطب من أغنياء بني النضير، وين ذهب ماله؟! «ثم دفعه إلى الزبير بن العوام وقال له: «مُسَّهُ بِعَذَابٍ»، ولما ضربه قال: والله أنا بادُلُّكم على شيء كان حُيَيّ يختلف إليه كثيرًا، فدَلَّهُم على خربة، فإذا المال مدفون فيها[[أخرج ابن حبان (١٦٩٧) عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ لعم حيي: «... ما فعل مَسْك حيي الذي جاء به من النضير؟» ،فقالأذهبته النفقات والحروب، فقال رسول الله ﷺ: «العهد قريب والمال أكثر من ذلك»، فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير فمَسَّه بعذاب، وكان حيي قبل ذلك قد دخل خربة، فقال: قد رأيت حييًّا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا الْمَسْك في الخربة... . الحديث.]] ، فاستدل الرسول عليه الصلاة والسلام بالقرائن على وجود الشيء. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن للإيمان تمامًا ونقصانًا؛ لأن هذه الآية لا شك أنها في كمال الإيمان. * ومن فوائد الآية الكريمة: انقياد المؤمن للمواعظ، أن من علامة المؤمن انقياده للمواعظ؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ [السجدة ١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان المؤمن قد يطرأ عليه الجهل والنسيان، من أين تؤخذ؟ ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ قد ينسون أو يجهلون. * ومن فوائد الآية الكريمة: فريضة السجود؛ لقوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، وقد ثبت في الحديث أَنَّ: «أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢/٢١٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاجتهاد بالدعاء في حال السجود، وأخبر أنه أحرى بالإجابة[[أخرج عبد الرزاق (٢٨٣٩) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «إني نهيت أن أقرأ في الركوع والسجود، فأما الركوع فيعظم فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم».]] . * ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين انتفاء العيب والنقص عن الله مع ثبوت الكمال له، منين نأخذه؟ ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة ١٥]، ففي التسبيح تنزيه، وفي الحمد كمال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات المؤمن التواضع؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ التواضع لمن؟ للحق وللخلق، ولكن يجب أن نعرف الفرق بين التواضع والذل، فالمؤمن لا يكون ذليلًا، ولكنه يكون متواضعًا، إذا تبين له الحق انقاد له، هذا تواضع للحق، وإذا عامل الْخَلْق عاملهم بماذا؟ بالتواضع، لكن ما يُذِلّ نفسه، هو لا يستكبر على الناس، ولا يَغْمِط الناس حقَّهُم، ولكنه لا يَذِلّ لهم. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التعصب في التقليد ليس من طريق المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويوجد في المتعصبين للتقليد مَن يستكبر عن الحق، إذا عُرِضَ عليه أبى، ضرب بقول فلان كذا وكذا من مُقَلَّدين، وهذا نوع من الاستكبار عن الحق. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: ذَمُّ مَن أصر على رأيه بباطل، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. * الشيخ: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، من الناس مَن إذا قال قولًا لا يمكن أن يتنازل عنه ولو بَانَ الحق، وهذا نوع من الاستكبار، الواجب أن تعرف نفسك، وأنك بشر، وأنه يفوتك العلم إما نسيانًا وإما جهلًا، ويفوتك أيضًا الوصول إلى الغاية، قد يكون عندك علم لكن ينقصك التركيز والتأمل، والجمع بين الأدلة، وما أشبه ذلك، فتحتاج إلى أن تذكر. ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة ١٦] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية: فضيلة قيام الليل؛ لأن الله تعالى ذكره في سياق النفي ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، لكن هذا الإطلاق مقيَّد، بماذا؟ بِمَا جاءت به السنة، يعني بألَّا يكون جميع الليل، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ في حدود ما جاءت به السنة، وبهذا نعرف خطأ ما يوجد في كتب الوعظ من أن فلانًا صلى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، يعني أنه ما نام الليل، يقوم الليل، هذا خطأ، هذا تَبَرَّأَ منه الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال في الجماعة الذين قال أحدهم: أنا أقوم الليل ولا أنام، قال: «أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».»[[أخرج البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم واللفظ له (١٤٠١ / ٥) عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «... ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».]] لكن مشكل هؤلاء الوعَّاظ الذين يكتبون هذه الكتب يريدون أن يُرَغِّبُوا الناس، لكن يرغبونهم في الباطل، ولو أن الناس اختُصِرَ لهم بما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من التبشير والإنذار، ومن الأعمال الصالحة لاستقاموا، لكن عندما أسمع هذا رجل يُثْنَى عليه أنه أربعين سنة صلَّى الفجر بوضوء العشاء أقول: أين أنا من هذا؟ خلاص أبقى على ما أنا عليه، وأصلي سُنَّة العشاء ركعتين، والوتر أقله ركعة أصلي ركعة، ولا يجب إلا قراءة الفاتحة، يقتصر على الفاتحة، ولا يجب إلا سبحان ربي الأعلى مرة في السجود، وسبحان ربي العظيم مرة في الركوع أقتصر عليها أيضًا، ويمشي، لكن لو أن الناس بُيِّنَت لهم السُّنَّة حقًّا لكفى بها واجبًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الدعاء؛ لقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعي وللعامل أيضًا، للداعي وللعامل العابد أن يكون دعاؤه وعبادته بين الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإنفاق مما رزقك الله؛ لقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة ١٦]، على حسب التفصيل اللي ذكرناه في التفسير. ثم قال تعالى: ﴿