×

لقمان

الآيات ١٥–١٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ۚ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٥﴾

يَـٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿١٦﴾

يَـٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ﴿١٧﴾

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان١٥] ﴿إِنْ جَاهَدَاكَ﴾ الضمير في قوله: ﴿جَاهَدَاكَ﴾ ضمير فاعل يعود على الوالدين، ومعنى ﴿جَاهَدَاكَ﴾ نقول: ما ذكر المؤلف معناها لكن معناها: بذلا الجهد معك، على أي شيء؟ ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني على أن تجعل معي شريكًا لا علم لك به. وقوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ هو قيد لبيان الواقع، وليس قيدًا احترازيًّا؛ لأنه لا يمكن أن يوجد علم بأن لله تعالى شريكًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون ١١٧]. فإن قال قائل: ما فائدة هذا القيد وقد عُلِم أنه لن يوجد؟ قلنا: الفائدة فيه تحقير هذا الأمر حتى لا يحاول أحد أن يجحد ويطلب علمًا أو برهانًا بأن الله تعالى له شريك، فكأنه يقول: هذا هو حقيقة الواقع، وما كان حقيقة واقعًا لا يمكن أن يتخلف، فهذا هو فائدة قوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ به عِلْمٌ﴾. وقوله: ﴿مَا لَيْسَ﴾ ﴿مَا﴾ هذه يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا؛ أي الذي ليس لك به علم، ويحتمل أن تكون نكرةً موصوفةً أي: أن تشرك بي شريكًا ليس لك به علم. وقوله: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ جواب الشرط وهو ﴿إِن جَاهَدَاكَ﴾، إن جاهداك فلا تطعهما. وتأمل قوله: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، ولم يقل: فلا تبرهما، ما قال: فلا تبرهما، ولم يقل أيضًا: فاعصهما؛ لأن كلمة (لا تطعهما) أهون في النفس من كلمة (فاعصهما)؛ ولهذا كان قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣] أهون من قوله: (يا أبتِ إنك جاهل بما عندي)؛ لذا قال: ﴿قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾؛ لأن نفي الكمال أهون من إثبات النقص على النفوس. ويذكر أن أحد الملوك رأى في المنام أن أسنانه قد سقطت فقال: ادعوا لي معبرًا يعبر هذه الرؤيا، فجاؤوا برجل ليعبرها، فقص عليه الرؤيا فقال: يموت أهلك. لما قال: يموت أهلك؛ فزع الملك، فزع وهلع وقال: اجلدوه، فجلدوه وانصرف. قال: أعطوني غيره فجاؤوا برجل آخر فقص عليه الرؤيا، فقال: الملك يكون أطول أهله عمرًا، فأكرمه وأسبغ عليه النعم، ومعنى ذلك معناه متقارب إذا كان أطولهم عمرًا معناه يموتون قبله. الحاصل أن التعبير له أثر على النفس، كلمة (لا تطعهما) أهون من كلمة (اعصهما). ثم قوله: (لا تطعهما)، ما قال: لا تبرهما أو لا تقم بحقهما، حقهما واجب ولو أمراك بالشرك، إذا كان الوالدان لهما حق واجب ولو أمراك بالشرك فكيف إذا أمراك بما دون الشرك؟! ولهذا حق الوالدين ليس بالأمر الهين، ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ لماذا لا تطعهما؟ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن حق الله أوجب من حق الوالدين، هو الذي أوجب لهما الحق فكيف نضيع حقه من أجل حقهما؟ قال المؤلف رحمه الله: (﴿﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ﴾ [لقمان: ١٥]). يقول: (موافقةً للواقع) هذا تفسير لقوله: ﴿﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ﴾ أن هذا هو الأمر الواقع أنه ليس لك بذلك علم ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾؛ أي بالمعروف البر والصلة. ﴿صَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا﴾ كلمة ﴿فِي الدُّنْيَا﴾، ﴿فِي﴾ ظرفية لا شك فيها، ولكن ما المراد في الدنيا، المراد في زمن الدنيا أو المراد في شؤون الدنيا؟ يحتمل أن يكون المراد الشؤون؛ يعني في أمور الدنيا صاحبهما معروفًا، أما في أمور الدين فلا تتعدى ما أمرك الله به، ويحتمل أن يكون ﴿فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي في هذه الدنيا، لكن المعنى الأول أبلغ؛ لأنه من المعلوم أن المصاحبة بين الوالدين والولد إنما تكون في الدنيا فلا حاجة إلى التقييد، فالظاهر أن المعنى ﴿وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا﴾ أي فيما يتعلق بأمور الدنيا، صاحبهما ﴿مَعْرُوفًا﴾، قال المؤلف: (بالمعروف). ومعنى هذا التفسير أن ﴿مَعْرُوفًا﴾ منصوب بنزع الخافض، والنصب بنزع الخافض مع غير (أن) و(أن) ليس بمطرد بل هو شاذ، وإذا كان كذلك فإنه لا ينبغي أن يُحال القرآن عليه، ولو قيل: إن ﴿مَعْرُوفًا﴾ صفة لمصدر محذوف التقدير: صاحبهما صِحابًا معروفًا؛ يعني صحبةً معروفة ليس فيها عنف وليس فيها توبيخ ولا لوم وليس فيها نقص مما يجب لهما فكان هذا أولى. قال المؤلف: (بالبر والصلة) البر كثرة الخير، والصلة عدم القطيعة؛ فالمعنى صِلْهما وبَرَّهْما بما يستحقان منك، لكن في أمور الدنيا فقط. ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ﴿اتَّبِعْ سَبِيلَ﴾ طريق، ﴿مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ رجع إليَّ بالطاعة. قوله: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه اسم موصول، واسم الموصول يفيد العموم فهل هو على عمومه؛ أي: اتبع سبيل من أناب إليَّ منهما أو من غيرهما؟ أو هو عام أُرِيد به الخصوص؟ أي من أناب إليَّ منهما؟ الأولى أن نقول: بالعموم، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ من كل الناس. وعليه فمن أناب من الوالدين إلى الله عز وجل يكون اتباع سبيله من باب أولى. وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ﴿أَنَابَ﴾ بمعنى رجع، رجع من أين؟ من المعصية إلى الطاعة، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الفسوق إلى الاستقامة والتقوى. يقال: إن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما أسلم قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أتيت به؟ فقال: هذا هو الحق، فقالت له: لتتركنه أو لأدعن الطعام والشراب حتى أموت فتُعَيَّر بي، فقال: هذا حق لا أدعه، فأمسكت عن الطعام والشراب يومًا كاملًا، فلما أصبحت إذا هي مجهودة؛ يعني تعبانة من الجوع والعطش، فطلب منها ولدُها أن تأكل وتشرب وقال: أنا لن أرجع عن هذا الدِّين، ولكنها أبت، في اليوم الثاني أصبحت أكثر جهدًا فقال لها كما قال في الأول: إني لن أدع هذا الدين، فبقيت على عنادها، فلما كان في اليوم الثالث وإذا هي قد أصبحت مجهودةً جهدًا شديدًا، فقال لها: يا أمي، تعلمين أن هذا هو الحق، والله لو كانت نفسك مئة نفس وماتت كل نفس -يعني وحدها- والله ما أدع هذا الدين، (...)، فلما رأت أن الرجل عازم أَكَلَتْ. مثل هذه الحال هل يجوز للإنسان إذا رأى أن أمه تبغي تموت أو أبوه يبغي يموت يجوز له أن يشرك؟ * طالب: لا. * الشيخ: لو قال قائل: لو أراد أن يقول: إنه مشرك بلسانه متأولًا؟ * الطالب: إذا كان تتوقف (...) على هذا إلا لضرورة. * طالب آخر: يجوز أظن، إلا من أكره وقلبه (...). * الشيخ: ما يخالف، لكن هذا من أكره نفسه على شيء، أما هذا ما أُكرِه على شيء. * طالب: بس هذا فيه إنقاذ روح. * الشيخ: هذا إنقاذ نفس كافرة تأمر بالكفر، فالتأويل ما يجوز أن يوافق ولو بالتأويل. * طالب: نفس شيطانية هذه. * الشيخ: نعم، ما يجوز ولا بالتأويل، فليصبر ويقول: أنا ما ضررتكِ شيئًا، أي شيء تريدين من أمور الدنيا فأنا مستعد له يعني ما ضررتك، فإن شئتِ (...) إن شئت فكلي وإن شئتِ فلا تأكلي. * طالب: وقد يكون التأويل هذا إعانة على الكفر. * الشيخ: إي نعم، فيه مفاسد لا شك، فالمهم أنه لا يجوز أن يقول ولو متأولًا، نعم، لو خاف على نفسه هو، وهذا فرق بين من يخاف على نفس غيره أو على نفسه، لو خاف على نفسه هو أن يقتل فله أن يقول ذلك متأولًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل ١٠٦] على أنه -أي المسألة الأخيرة- ما يجوز فيما إذا كان فيه نصرة للإسلام فإنه إذا كان في ثبوته نُصرة للإسلام وفي موافقته ظاهرًا خذلان للإسلام حرم عليه ذلك؛ لأنه حينئذٍ يدخل في باب الجهاد مثلما حصل للإمام أحمد رحمه الله، دُعِي إلى القول بخلق القرآن ودُعِي غيره أيضًا إلى القول بخلق القرآن، فمن العلماء من تأوَّل وأجاب ظاهرًا بما يُدعى إليه، ومنهم من أصر فقتل، ومنهم من أصر فحماه الله من القتل كالإمام أحمد، الإمام أحمد ما أجابهم ولا بالتأويل؛ لأن الناس ينظرون ماذا يقول الإمام أحمد، فلو قال: إن القرآن مخلوق ولو بالتأويل، ماذا يقول العامة؟ يقولون: مخلوق، وتنطلي هذه البدعة على عموم المسلمين، فرأى رحمه الله أنه لا يجوز أن يتأول في هذه الحال لما في ذلك من خذلان الحق وإثبات الباطل. * طالب: (...) الناس يتداولون الرجل اللي قتل ذبابة، وفي النفس شيء لغير الله وقال: ما.. * الشيخ: ما كنت لأقدم لأحد شيئًا غير الله، هذا مر علينا في كتاب التوحيد وقلنا: إن الحديث ضعيف، وإنه على تقدير صحته يكون هذا الرجل قد قرب مطمئنًا بالكفر، قد شرح بالكفر صدرًا. * الطالب: خائف من القتل؛ لأنهم قتلوا صاحبه. * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن هو لما خاف من القتل هل إنه فعله دفاعًا ولا فعله مطمئنًا؟ * الطالب: في الحديث اللي قتل الأخير. * الشيخ: (...) قتل، في هذه الحال نقول: هذا الرجل الأول اللي قرب (...) عن الأول؛ لأن الأول لما قرب يظهر أنه قرب منشرحًا صدره بالكفر، وهذا ما ينفع؛ لأنه لو أُكرِه الإنسان وهو يجب أن يكون إكراهه أن ينوي بالفعل أو بالقول دفع الإكراه، و(...) لها، أما إذا فعله منشرحًا به صدره أو لما أكره، وشاف أن المسألة جادة وحازمة انشرح صدره بهذا الشيء. * الطالب: شيخ، ما هي القرينة لانشراح الصدر؟ * الشيخ: (...) حمل بموافقة الآية (...) جوابًا على هذا أن يقال: إن هذا الحديث[[أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣٥٨٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩ / ٤٥٧) من حديث سلمان الفارسي.]] أولًا ضعيف ما يصح، والثاني: على تقدير صحته يُحمل على ما يوافق الآية الكريمة؛ لأنه ما يمكن إذا ثبت عن الرسول أن يكون مخالفًا للقرآن. * الطالب: ما معنى (...) خلوا سبيله؟ ما معنى قال: ما عندي شيء أقربه؟ قالوا: قرب له ذبابًا، فقرب ذبابًا على طول. * الشيخ: فقرب ذبابًا معناه أنه انشرح بالكفر صدرًا. * الطالب: إي نعم، ما قال له: قرب ذبابًا، أو أجبره. * الشيخ: المهم أنه شرح بالكفر صدرًا لما أُكْرِه على هذا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن إذا صح الحديث عن الرسول فمعناه أنه اعتبار مثلما قص علينا من الأمم السابقة لنعتبر بها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، مو بعلشان هذا، علشان أن الأمم السابقة إذا قص الرسول علينا قصة مو هو بمعناها أنه بس اسمعوها ولا تعتبروا بها، معناها للاعتبار لكن الحديث -كما قلنا لكم في شرح التوحيد- ضعيف، ولا يصح. * طالب: (...) دفعًا للإكراه (...). * الشيخ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ ما معنى قوله: ﴿جَاهَدَاكَ﴾ (...)؟ ﴿ثُمَّ﴾ هذا التعقيب لما ذكر سبحانه وتعالى أنهما إذا أمرا بالشرك لا تطعهما، وأن الواجب عليك اتباع سبيل من أناب إلى الله قال: ﴿ثُمَّ﴾ أي بعد هذه المحاولات منهما بأن تُشرك بالله، وبعد أن تطيع فالمرجع إلى الله. وقوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جملة اسمية خبرية قُدِّم فيها الخبر لإفادة الحصر. ﴿إِلَيَّ﴾ لا إلى غيري. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ يعني مردكم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠]. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقول: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ بمعنى أخبركم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والإنباء هذا يستلزم المجازاة، وقد لا يكون هناك مجازاة؛ ولهذا دائمًا يُعَبِّر الله عز وجل بالإنباء؛ أي الإخبار؛ لأنه قد يُجازي وقد لا يجازي؛ فإنه يخلو بعبده المؤمن، ويخبره بذنوبه ويُقرِّره بها، ثم بعد ذلك يقول: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وقوله: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي بالذي كنتم تعملون، وهو شامل لكل ما يعمله الإنسان من صغير وكبير دون ما لم يعمله، فلو همَّ بالشيء فلم يعمله فإنه لا يُجازى عليه، لكن قد يُثاب عليه إذا كان معصيةً تركها من أجل الله عز وجل فإنه يُثاب على هذا الترك، قال: (فأجازيكم عليه، وجملة الوصية وما بعدها اعتراض)، قال المؤلف: (فأجازيكم عليه) كأنه جعل من لازم الإنباء المجازاة. ولكني قلت لكم: ليس لازمًا؛ ولهذا عبر الله عز وجل بالإنباء؛ ليكون الأمر جائزًا أو دائرًا بين أن يُجازى عليه وبين ألا يجازى عليه. وقوله: (وجملة الوصية وما بعدها اعتراض) الوصية مُبتدأة من قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ اعتراض من قول الله عز وجل، وليس ذلك من قول لقمان لابنه؛ لأن الذي وصى الوالدين إحسانًا ووجه الإحسان هو الله عز وجل، وإنما جاءت هذه الوصية بعد ذِكْر الشِّرْك؛ لأن عقوق الوالدين يرد بعد حق الله سبحانه وتعالى، وفي الوصية أيضًا جملة اعتراضية فما هي؟ هي قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾؛ لأن قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ هو الموصى به ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ يكون عندنا الآن كم اعتراض؟ (...). * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إذن نقول في هذا: الوصية اعتراضية بين كلام لقمان لابنه. وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ اعتراض أيضًا بين فعل الوصية والموصى به. * * * ثم قال الله عز وجل -عودًا على وصايا لقمان-: ﴿يا بُنَيَّ إنها﴾ أي: الخصلة السيئة ﴿إن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فتَكُنْ فِي صَخْرةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ١٦]. قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ أي الخصلة السيئة فيه قصور؛ لأن الصواب المراد ﴿إِنَّهَا﴾ أي الخصلة السيئة أو الحسنة، كل شيء من حسن أو سيئ ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ ﴿مِثْقَالَ﴾ أي وزن، وسمي الوزن مثقالًا؛ لأنه يعتبر بثقله، فإن الشيء يُوزن ليُعلم ثقله من خفته. وقوله: ﴿حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ هذه حبوب معروفة صغيرة ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ في صخرة في أي مكان من الأرض؟ لأننا لا نعرف صخورًا إلا في الأرض، لكن الذين خرجوا إلى القمر جاؤوا لنا منه بصخور، فلا ندري هل هذا صحيح أو ليس بصحيح؟ على كل حال (في صخرة)، المعروف أن الصخور في الأرض. وقوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ هل يمكن أن يكون حبة من خردل في صخرة؟ يمكن؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: أو هذا على سبيل المبالغة؟ * الطالب: يمكن؛ لأنه يطلع أحيانًا من الصخور.. * الشيخ: يظهر أن هذه العشبة تجري في شقوق، شقوق فيها تراب. على كل حال إما أن تكون على سبيل المبالغة، أو يكون مثلًا في هذه الصخرة شيء من غير جنسها بقدر حبة الخردل، فيُعتبر فيها، أو يقال: إن المراد أن حبة الخردل قد تكون في شق من هذه الصخرة، وأنا شاهدت في الغضا، الغضا يخرج في حبيبات بقدر أنملة (...) مختومة تمامًا، إذا فتحتها وجدت فيها دابة تدب على بطنها، وهي مختومة وفي نفس الغصن؛ يعني ما تجد فيها فتحة، يعني مخلوق منها هذا الشيء. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني في أعلى السماوات، أو أنزلها، أو في الأرض في أعلاها أو أنزلها ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أو في أخفى مكان من ذلك ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ ﴿يَأْتِ﴾ ويش اللي روح الياء؟ * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: لأنها جواب الشرط في قوله: ﴿إِنْ تَكُ﴾ فإن ﴿إِنْ﴾ شرطية، و﴿تَكُ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ(إن) الشرطية، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف. * طلبة: حذف حرف العلة. * الشيخ: ﴿إِنْ تَكُ﴾ كذا علامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، وقوله: ﴿يَأْتِ﴾ جواب الشرط مجزوم بـ(إن) وعلامة جزمه حذف الياء (...) * طالب: (...). * الشيخ: (...)، حذف النون، أصلها إن تكن هذا أصلها. قال: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فيحاسِب عليها. هذا من أخفى ما يكون ومع ذلك قال: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾، ولم يقل: يعلمها الله؛ لأنه من لازم الإتيان بها العلم بها لكن الإتيان أبلغ، الله سبحانه وتعالى يأتي بها ويجازي عليها. ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ﴾ بمكانها، المؤلف دائمًا يخصص العموم بمقتضى السياق، والمعروف عند أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ، فهنا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ جعل اللطف هنا بالاستخراج والخبرة بالمكان، والصواب أنها أعم من ذلك فإن اللطيف من أسماء الله، قال ابن القيم: وَهُوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ ∗∗∗ ........................ فالله تعالى لطيف بعبده ولطيف لعبده. ....................... ∗∗∗ وَاللُّطْفُ فِي أَوْصَافِهِنَوْعَانِ اللطف الأول: إدراك أسرار الأمور وخفايا الأمور، والثاني: اللطف عند مواقع الإحسان اللي هو الإحسان إلى العبد، يلطف له بمعنى يُقدِّم له من الإحسان ودفع السوء ما لا يعلم به فيكون (لطيف) يتعدى بالباء، ويتعدى باللام، فإن تعدى بالباء فهو بمعنى العلم بخفايا الأمور، وإن تعدى باللام لطيف لهم، فهو بمعنى الإحسان بجلب المطلوب ودفع المكروه أو المخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف ١٠٠] اللي قاله من؟ يوسف ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ يعني ومن لطفه أن يسر الاجتماع بكم بعد الفراق ﴿إِنَّه هو العَلِيمٌ الحَكِيمٌ﴾، فالحاصل أن اللطيف من أسمائه تعالى، وله معنيان حسب ما يتعدى به؛ إن تعدى باللام ﴿لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ فمعناه الإحسان، وإن تعدى بالباء فمعناه العلم بالخفايا، فهو لكمال علمه لطيف، كل شيء يعلم به، فيه معنى ثالث لكن ما هو بينطبق على أوصاف الله ولَّا لا؟ اللطيف هو الرقيق عند الناس يقولون: فلان لطيف يعني رقيق، حسن الخلق. وعندي أن هذا داخل في قولنا: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾؛ لأنه تعدى باللام؛ يعني معناه الإحسان، فإن الإحسان أخص أيضًا من حسن الخلق أخص؛ لأنه يتضمن الإنعام على من لطف له، وأما قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾، الخبير هو العليم ببواطن الأمور، وهو مع اللطيف كالمؤكد له، وقلنا: العِلم ببواطن الأمور خبرة مأخوذ من الخبار؛ يعني الأرض الرخوة التي تبذر فيها البذور وتُدس فيها، فهو خبير سبحانه وتعالى عالم ببواطن الأمور. ومنها: هذه الحبة التي من خردل تكون في صخرة أو في السماوات أو في الأرض. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَأْتِ بِهَا﴾ بمعنى أنها لا تفوت، ولا تهرب منه، لا بد أن يأتي بها ويحاسب عليها، أو يأتي بها ليظهر قدرته عليها. * الطالب: (...). * الشيخ: المعنى إذا كانت سيئة، والآن المؤلف يقول: إنها في الخصلة، ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان ١٦] فإنه يأتي بها. * الطالب: من العمل. * الشيخ: من الأعمال اللي بمقدار هذا الشيء. * * * ثم قال عز وجل: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان١٧] هذه أربعة أوامر، ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. شوف الأول نواهي ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان١٣] نهي، ثم تحذير بقوله: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾، ثم بعد ذلك أمر: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾، ولهذا يقال: التخلية قبل التحلية، يعني معناها: أزل الشوائب، ثم ائتِ بالمكملات، فقوله هنا: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ أمر بإقامة الصلاة، ومعنى إقامتها أن يأتي بها الإنسان تامةً بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها. وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ شامل للمفروضات والنوافل. ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ اؤمر بالمعروف، أين مفعول (اؤمر)؟ محذوف، التقدير: الناس أو غيرك، وأمر غيرك بالمعروف؛ أي: بالقول المعروف والفعل المعروف، والمعروف ما أمر به الشرع، هذا المعروف؛ لأن ما أمر به الشرع قد أقرَّه الشرع، وأقرته الفطر السليمة؛ فالمعروف إذن كل ما أُمِر به شرعًا هكذا؟ المعروف كل ما أمر به الشرع سواء يتعلق بحق الله أو بحق العباد. وقوله: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ المنكر كل ما أنكره الشرع؛ أي نهى عنه سواء ما يتعلق بحق الله أو بحقوق العباد. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل هو واجب عيني أو على الكفاية؟ واجب على الكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران ١٠٤] إذا جعلنا (مِنْ) للتبعيض، أما إن جعلنا أن (من) لبيان الجنس والمعنى: ولتكونوا أمةً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فإنه يكون فرْض عين، ولكن الصواب أنه فرض كفاية؛ لأن المقصود به إصلاح الغير، فإذا حصل إصلاح الغير بغيرك حصل المقصود، أما إذا لم يحصل فإنه يجب أن تأمر، فإذا وجدنا من الناس تهاونًا في هذا الأمر وتكاسلًا صار فرضًا علينا، أما إذا رأينا أن الناس قد استقاموا على هذا، وصاروا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر فإنه يكون في حقنا فرض كفاية. وقوله: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ حتى والديك؟ حتى والديك تأمرهما بالمعروف وتنهاهما عن المنكر، بل إن حق الوالدين أعظم من حق غيرهما؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إحسان للمأمور والمنهي وليس إساءةً، فإذا كان كذلك فأحق من تُحسِن إليه والداك. * طالب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل هو الموعظة ولا..؟ * الشيخ: لا، نحن ذكرنا فيما سبق أن المراد الثلاثة بيان ودعوة، وأمر ونهي، وتغيير؛ فالبيان والدعوة واجبان على كل أحد، كل أحد يجب عليه أن يبين إذا دعت الحاجة إلى البيان أو سُئل عن علم، وكل واحد عليه أن يبلغ إذا اقتضت الحال ذلك، وأما الأمر فهو أخص من الدعوة؛ لأن الأمر أن توجه أمرًا إلى شخص معين مو هو بأن تبين أن تقوم في الناس وتقول: هذا حلال، وهذا حرام، هذا يعتبر موعظة، وأما التغيير فأن تُغيِّر بيدك تأخذ هذا المنكر تكسره مثلًا، أو تقول بلسانك إذا عجزت عن الفعل، تُغيِّر باللسان؛ إما برفع الأمر إلى من يستطيع التغيير، وإما بالانتهار والتوبيخ والزجر حتى يحصل ذلك، فإن لم تستطع هذا ولا هذا فيكون التغيير بالقلب، وهو الكراهة والبغضاء، وهذا في الحقيقة ما يحصل التغيير المطلق يعني بمعنى أن المنكر لو تنكره بقلبك لا يزول، لكن هذا أدنى درجات التغيير؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم ( ٤٩ / ٧٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يمكن. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما يكون محرمًا لذاته، يعني إذا كان فيه مثلًا شيء إذا نهينا عن المنكر (...) وهذا شرط في كل واجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُم﴾. ومن الشروط أيضًا ألا يخشى ضررًا مُحققًا، فإن خشي الضرر في ماله أو بدنه لم يلزمه، فإن خشي الأذية لزمه ولَّا لا؟ إن خشي الأذية لزمه؛ لأنه لا بد من أذى، لكن أذية ما فيها ضرر؛ ولهذا قال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ هذا توطئة وتمهيد كأنه يقول له: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فلا بد أن يحصل لك أذية فاصبر على هذا، وهذا هو الواقع، فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر غالبًا يُؤذَى، يؤذيه المأمور والمنهي؛ إما بالقول، وإما بالسخرية، وربما تصل الحال إلى أنه يرميه بالحجارة أحيانًا، وربما تصل الحال إلى أنه يخربوا سيارته أو يكسروا داره، أو ما أشبه ذلك، لكن الأخير هذا ضرر في المال، ولكن لا بد أن يكون أمرًا محققًا، أما إذا كان وهمًا عن الضرر فليس بشيء. * طالب: (...). * الشيخ: ما هو؛ لأنه قد يضره وقد لا يضره. وقال: ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُور﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من الأمور الأربعة: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان ١٧] قال: أي ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أي معزوماتها التي يُعزم عليها لوجوبها. ﴿الأُمُورِ﴾ بمعنى الشؤون والأحوال، والعزم هنا مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي معزوماتها التي يعزم عليها؛ لأنها واجبة، والله أعلم. * * * ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان ١٥]. * مِن فوائد الآية: تحريم طاعة الوالدين إذا أمرا بالشرك؛ لقوله: ﴿فلا تُطِعْهُمَا﴾ ويقاس على ذلك كل معصية أمرا بها فإنهما لا يُطاعان؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٩٥) من حديث علي بن أبي طالب.]]. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أن فسوق الوالدين وكفرهما لا يُسقِط حقهما من البر، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ فإنه أمر بمصاحبتهما معروفًا مع أنهما كافران ويأمران بالكفر. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب اتباع سبيل المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥]. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الخلائق -مؤمنهم وكافرهم- مرجعهم إلى الله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمُ﴾. * ومِن فوائدها: أن الحكم بين الخلق إلى الله؛ لقوله: ﴿إِلَىَّ مَرْجِعُكُم﴾ فإن تقديم الخبر يدل على الحصر. * ومنها: إحاطة الله تعالى بكل شيء علمًا؛ لقوله: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فإن الإنباء بما نعمل لا يكون إلا عن عِلْم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله؛ لقوله: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ والإنباء إخبار. * ومن فوائدها أيضًا: تحذير الإنسان من الأعمال السيئة؛ فإن قوله: ﴿فَأُنبِّئُكُمْ﴾ يفيد التحذير حتى لا نقع في أمر حرمه الله علينا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بلوغ الغاية في البلاغة في القرآن الكريم؛ لقوله: ﴿فَأُنبِّئُكُم﴾ ولم يقل: فأجازيكم؛ وذلك أنه قد يُنبَّأ الإنسان يوم القيامة بما عمل، ثم يُغفر له، فذكر الله الإنباء؛ لأنه مؤكد، أما المجازاة فإن الله تعالى قد يغفر عن المذنب بدون (...)٠ وهل يؤخذ من الآية الكريمة وجوب طاعة الوالدين في غير معصية الله؟ وجوب طاعتهم من أين؟ * طالب: لأنه ما نهى إلا عن الشرك. * الشيخ: إي، لكن نهى عن طاعتهم. * طالب: نهى عن طاعتهم مو بالشرك. * الشيخ: إي، فلا نهى عن الطاعة، ما نهى عن الطاعة، إذن من أين نعرف أنها واجبة؟ * طالب: ﴿صَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. * الشيخ: قوله: ﴿صَاحِبْهُما في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ يعني من الأصل الكلام على أنه يؤخذ من الآية الكريمة. * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال إذا أمرا بغير المعصية فالآية سكتت عن ذلك، حرمت الطاعة في المعصية، وسكتت عما عدا ذلك، لكن قد يقال: إن قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ يدل على وجوب طاعتهما في غير المعصية؛ لأنه لا شك أن مِن مصاحبتهما بالمعروف امتثال أمرهما، وعلى هذا فقد يستدل بعموم قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ على وجوب طاعتهما في غير المعصية، ولكنه سبق لنا أثناء التفسير أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: تجب طاعتهما فيما فيه نفع لهما ولا ضرر عليه فيه، أما ما فيه ضرر عليه فلا يجب عليه الطاعة، ولهذا لما ذكر أهل العلم أن للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء قالوا: بشرط ألا يضر الولد، فإن ضر الولد فإنه ليس له أن يتملك، بل قالوا: بشرط ألا يضره، وألا تتعلق به حاجته، فإن تعلقت به حاجته فليس له أن يتملكه. * طالب: تعلقت الحاجة. * الشيخ: لا، حاجته الخاصة؛ بمعنى أنه مثلًا ما يجد غيره، ولا مثلًا حاجة -كل شيء بيحتاجه- لكن مثلًا إناء يحتاجه (...) لكن سُرِّيَّة يحتاجها ما نقول للأب أن يتملكها؛ لأن هذا يفوت على الابن حاجته واستمتاعه بها. * طالب: (...). * الشيخ: إي، بس من غير الآية. * طالب: (...). * الشيخ: إي، من غير الآية.. من أدلة أخرى.. * طالب: (...) ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ [الممتحنة ٤]. * الشيخ: إي نعم، كل هذا ينافي (...)؛ لأن ليس معنى مصاحبتهما بالمعروف أن تبدي لهما المحبة والولاية بل أنت تبغض ما هما عليه من الكفر والشرك، وتبغضهما على هذه الصفات التي اتصفا بها، ولكن تعطيهما ما يجب لهما. * طالب: بالضحك في وجوههما، بالبشاشة لهما، بالمعروف اللي جرت عليه الناس. * الشيخ: إي، لكن بس هذا ما هو سببه الدين، هو ليس سببه الدين أنه (...) عن دينه، فهذا أمر تقتضيه الطبيعة، والعداوة والبغضاء في القلب والكفر؛ لأن العداوة ضد الولاية. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ما يمنع هذا (...)، ولكننا ما نؤذيهم بمعنى أننا (...)، وما أشبه ذلك. ثم يقال أيضًا: لكل مقام مقال؛ فمثلًا إذا كان الوالدان أو غيرهم يتبجحان بالكفر ويفتخران به، فلنا أن نعلن هذه البراءة والعداوة والبغضاء، وإذا كانا ساكتين مسالمين فنحن لا نتعرض لهما، ولكننا نتبرأ على صفة العموم مما هم عليه من الدين، والمهم أن الله يقول: ﴿صَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا﴾ أما فيما يتعلق بالدين فلا تصاحبهما بمعروف أبدًا، فيما يتعلق بالدين يجب أن تكرههما وتبتعد عنها وتعاديهما. * * * ثم قال تعالى في بقايا وصية لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان١٦] إلى آخره. في هذه الوصية فائدة، وهي تحذير الابن من المخالفة؛ لقوله: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فلا تخفى عليه ولا تفوته. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل وتمام قدرته من أين نأخذ العموم؟ من أنه يقول: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾، والذي يكون باديًا على الأرض، وليس في الصحراء من باب أولى، فيستفاد منه عموم عِلم الله وإحاطته، وتمام قدرته أيضًا؛ وذلك بالإتيان بها. * ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ وإثبات ما تضمناه من الصفة. * ومِن فوائدها: أن السماوات متعددة؛ لقوله: ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وعددها معروف؛ وهي سبع، وأما الأرض فلم تُذكر مجموعةً في القرآن، كل ما في القرآن من ذكر الأرض فإنه بالإفراد، ولكن الله تعالى أشار إلى أنها جمْع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن قوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ يراد الْمِثلية في العدد؛ إذ إن المثلية في الكيفية مستحيلة فلزم أن تكون مِثْلية في العدد فقط. * * * ثم قال تعالى من بقية وصايا لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان ١٧]. * فمن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للآباء أن يوصوا أبناءهم بهذه الخصال الأربع (...). لأن ﴿عَزْمِ﴾ بمعنى معزوم أي موجب، و﴿الأُمُورِ﴾ الشؤون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للأب أن يقرن موعظته لابنه بالترغيب والترهيب، فإن قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ تأكيد وحق على الابن أن يقوم بهذه الوصايا الأربع. * طالب: (...) في سورة الشورى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ هذا (...) ما يخاف (...) في قضاء الله وقدره ما يوافق؟ * الشيخ: يحتاج إلى تأمل. * طالب: التلطف يا شيخ. * الشيخ: نعم، هذه أخذناها من قبل، من كل الوصايا، هذه ﴿يَا بُنَيَّ﴾ يؤخذ منها تلطف الإنسان بمخاطبة ابنه لا سيما في مقام الموعظة، فيتفرع على هذا أيضًا بيان سوء معاملة بعض الآباء إذا أراد أن يعظ ابنه عامله بالعنف والشدة، وهذا خطأ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي بِالرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٩٣/٧٧) عن عائشة رضي الله عنها، ولفظه: «وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ».]]، وأنت إذا عملت بهذا الشيء فإنك سوف تتعامل بالرفق؛ لأن الرسول أخبر بأن الله يُعطي بالرفق ما لا يعطي على العنف، فإذا كان يحصل لك مقصودك بالعنف فإن حصوله بالرفق من باب أولى، وعلى هذا فينبغي الرفق في الأمور لا سيما في مقام الوعظ لهؤلاء الأبناء الذين لا يحيطون عِلمًا بما هم عليه، أما المعانِد والمستكبِر فهذا له حال أخرى، لكن كلامنا في مقام الدعوة، وفي مقام التوجيه والإرشاد فإنه ينبغي التلطف وعدم العنف. * طالب: (...). * الشيخ: كل واحد حتى على.. إي نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ليس بدائم، ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] ما هو بدائم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ فهو إذن من وصايا لقمان لابنه ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ وفي قراءة ﴿﴿ولَا تُصَاعِر﴾ ﴾ ﴿خَدَّك لِلنَّاسِ﴾، يقول المؤلف: (لا تُمِل وجهك عنهم تكبرًا) التصعير هو الإمالة، ومنه: الصَّعر في الوجه، وهو الميال بحيث تكون العنق ملتوية تميل إما يمينًا وإما شمالًا. وقوله: ﴿خَدَّكَ﴾ أي وجهك؛ فهو من إطلاق البعض وإرادة الكل. وقول المؤلف: تكبرًا، نعم هذا محط النهي أن يفعل ذلك على سبيل التكبر، أما لو فعله على سبيل الإعراض عما لا يجوز النظر إليه كما لو قابلك امرأة فصد وأعرض فإنه لا يدخل في الآية؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وأما إذا صعرت وجهي أو خدي لأجل ألا أرى إلى شيء محرم فإنه لا يدخل في هذه الآية. وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ اللام هنا هل هي للاختصاص على أصلها، أو أنها بمعنى (عن)؟ * طلبة: عن. * الشيخ: ﴿لَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي عنهم، لكن منهي تكبرًا. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ عام، يشمل المؤمن والكافر، ولكن الكافر لا يعامل كما يُعامَل المؤمن في مثل هذه الأمور وقد يقال: إن شرعنا ورد بخلافه، وأن الكافر يُصعَّر له الخد ويُعرَض عنه، وقد يقال: إن الكافر إذا جاءك مُقبلًا فأقبل عليه فإن هذا من باب التأليف على الإسلام، وأما إذا أعرض فأعرض. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ قال: ﴿وَلَا تَمْشِ﴾ هذا مجزوم بحذف الياء ﴿فِي الأَرْضِ﴾ أي على الأرض. ﴿مَرَحًا﴾ قال المؤلف: (أي خيلاء). المرح بمعنى البطر والأشر، والخيلاء من ذلك، فلا تكون متبخترًا في مشيتك متعاليًا في نفسك، ولكن امشِ مشية المتذلل الخاضع لله عز وجل غير الْمُتَعَلِّي على عباد الله. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ذكر هنا ﴿لَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ولَا تَمْشِ في الأَرْضِ مَرَحًا﴾ فالأول في معاملة الناس ﴿لَا تُصَعِّر خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، والثاني في هيئته بنفسه، ألا يمشي في الأرض مرحًا، وإنما يمشي كما يمشي عباد الرحمن ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متبختر في مشيه ﴿فَخُورٍ﴾ على الناس ﴿مُخْتَالٍ﴾ أي فاعل للخُيلاء، و﴿فَخُورٍ﴾ أي مفتخر بنفسه، والفرق بينهما أن الاختيال يكون بالنفس، والفخر يكون بالقول، فهذا الرجل عنده خيلاء في نفسه واختيال على عباد الله، وعنده فخر بلسانه يفخر بنفسه ويقول: أنا فلان بن فلان، ويمتدح نفسه، ولكن هذا -كما جاء في الفوائد- ما لم يكن في الحرب، فإن كان في الحرب فلا بأس أن يفخر الإنسان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ورأى بعض أصحابه يمشي مشية المتبختر فقال: «إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ»[[أخرجه الطبراني (٦٥٠٨) من حديث خالد بن سماك بن خرشة، عن أبيه، عن جده.]]. ففي باب الحرب يجوز للإنسان أن يفتخر، ويجوز أن يتعاظم في نفسه؛ لأنه أمام أعداء الله الذين ينبغي إذلالهم. ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ توسَّط فيه بين الدبيب والإسراع وعليك السكينة ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ﴾ المؤلف (...): (﴿﴿وَاغْضُضْ﴾ ﴾ اخفض ﴿﴿مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ ﴾ أقبحها ﴿﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ ﴾ أوله زفير وآخره شهيق). ﴿اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ القصد معناه الوسط في الأمور، فالوسط في الأمور معناه أن الإنسان يكون وسطًا في مشيه بين الذي يمشي مُسْرعًا والذي يمشي متباطئًا، والقصد في كل شيء هو الوسط؛ ولهذا ورد في الدعاء المأثور: «وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى»[[أخرجه النسائي (١٣٠٥) من حديث عمار بن ياسر.]]. معنى (القصد) يعني التوسط في الأمور، ﴿الَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧]. وقوله: ﴿وَاقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ توسط فيه بين الدبيب والإسراع وعليك السكينة والوقار؛ يعني لا تدب دبيبًا وأنت تمشي، ولا تسرع سرعةً تخل بالمروءة ولكن ليكن مشيك وسطًا بين هذا وهذا دالًّا على القوة وعلى النشاط كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل في مشيه. ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ ﴿مِن﴾ هذه للتبعيض، ما قال: اغضض صوتك. بل قال: منه. وذلك لأن الإنسان لا يُحمد على رفع الصوت جدًّا ولا على خفضه جدًّا، والناس منهم من يكون عاليَ الصوت، إذا قام يتكلم وإذا هو كأنما يتكلم على جماعة بعيدين، ومن الناس من يكون بالعكس، يكلمك، ربما لا تفهم منه إلا الكلمة بعد الكلمة، كل هذا ليس بجيد؛ ولهذا قال: ﴿اغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ ولم يقل: اغضضه كله. فلا ينبغي هذا ولا هذا، بل يكون أيضًا قصدًا بين رفع الصوت والإخفاء. وقوله: ﴿اغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ المراد عند المخاطبة؟ نعم، عند المخاطبة، ثم إن ﴿مِن﴾ هنا تفيد التبعيض في الكيفية وكذلك في الكمية، في بعض الأحيان يكون الأفضل أن ترفع صوتك، أليس كذلك؟ افرض أنك تنادي قومًا بعيدين مترامي الأطراف، تريد أن تحثهم على قتال أو ما أشبه ذلك، يجوز رفع الصوت ولَّا لا؟ يجوز؛ ولهذا العباس بن عبد المطلب في الحديث الصحيح «لما انصرف الناس أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن ينادي فقال بأعلى صوته: يا أهل الشجرة! يا أصحاب سورة البقرة!»[[أخرجه الحميدي في مسنده (٤٦٤) عن العباس رضي الله عنه، ولفظه: يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة.]] بأعلى صوته، وهذا لا شك أنه ليس غضًّا من الصوت؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿اغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ فصار الغض من الصوت باعتبار الكمية وباعتبار الكيفية، كيف ذلك؟ نقول: إذا كنت تخاطب من إلى جانبك لا ترفع الصوت، ولا تخفضه بحيث لا يسمع، هذا باعتبار الكيفية، باعتبار الكمية يعني أحيانًا ربما تضطر إلى رفع الصوت؛ ولهذا قال: ﴿اغْضُضْ مِن صَوتِكَ﴾ يعني أحيانًا، لكن في بعض الأحيان تستدعي الحال أن ترفع صوتك بقدر ما تُسمِع. ثم علل سبحانه وتعالى، أو يكون من كلام لقمان؛ لأن قوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ﴾ يحتمل أن يكون من كلام لقمان؛ لأنه الأصل، ويحتمل أن يكون من كلام الله، ختم الله به الآية. وقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ تعليل لقوله: ﴿اغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾، ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ يعني أقبحها وأبشعها، وليس أعلاها لكن أنكرها؛ لأن في الحيوان من هو أعلى صوتًا من الحمار لكن في القبح ليس فيه أقبح من صوت الحمير، وقوله: ﴿أنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ الجملة هذه مؤكدة بمؤكدين وهي (إن) واللام، ووجه ذلك ما ذكره المؤلف أن أوله زفير وآخره شهيق، كيف؟ ويش الفرق بين الزفير والشهيق؟ ما هو؟ * طالب: الزفير: خروج الهواء، والشهيق.. * الشيخ: نعم، الشهيق يكون باطنًا في الصدر، والزفير يكون خارجًا؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]. * طالب: ﴿لَهُم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. * الشيخ: وكذلك الآية الثانية: ﴿لَهُم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ هذا باعتبار الساكنين، وقال في آية أخرى: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ فذكر الله تعالى للنار زفيرًا وشهيقًا، كما أن لساكنيها أيضًا زفيرًا وشهيقًا نعوذ بالله منه. قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتَ الْحَمِيرِ﴾ انتهت الوصايا النافعة التي هي من الحكمة التي أعطاها الله تعالى لقمان. ثم قال الله تعالى: -مقررًا ما أنعم الله به على عباده-: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ تعلموا يا مخاطَبِين ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الثمار والأنهار والدواب. ﴿وَأَسْبَغَ﴾ أوسع وأتم ﴿عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً﴾ وهي حسن الصورة، وتسوية الأعضاء، وغير ذلك. ﴿وَبَاطِنَةً﴾ وهي المعرفة وغيرها، يُقرِّر الله تعالى في هذه الآية ما أنعم الله به على العباد فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾، وإنما قلت: (يقرر)؛ لأن همزة الاستفهام إذا دخلت على (لم) أفادت التقرير فينقلب الفعل المضارع إلى مؤول بماضٍ مؤكد بـ(قد)، فمثلًا ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أي قد رأيتم. ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي قد شرحنا لك صدرك. إذن للتقرير لماذا؟ لأنه إذا دخلت همزة الاستفهام على (لم) أفادت التقرير فينقلب الفعل المضارع في المعنى إلى فعل ماض مؤكد بـ(قد) فيكون معنى (ألم تروا) أي: قد رأيتم، ولهذا في سورة (ألم نشرح لك) قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ بعده؟ ﴿وَوَضَعْنَا﴾ فعطف فعلًا ماضيًا على ما سبق؛ لأن ما قبله بمعنى الفعل الماضي. وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ ﴿سَخَّرَ﴾ بمعنى ذلل؛ ذللها لكم أو لمصالحكم ومنافعكم. ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يقول المؤلف: من الشمس والقمر والنجوم. وهذا على سبيل التمثيل، وإلا فإنه قد سخر لنا أيضًا الرياح وهي بين السماء والأرض، وسخر لنا السحاب كما قال تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ﴾ وهو لنا، فهو عام لكل ما سخره الله تعالى من مصالحنا. ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الثمار والأنهار والدواب، وغيرها أيضًا حتى المعادن وغيرها سخرها الله لنا وذللها لنا، فهذه كل ما في الأرض مُسخَّر مذلل، لكن بعضه مُسخَّر بطبيعته، وبعضه مسخر بواسطة، فالحديد والمعادن وما أشبهها مسخرة لكنها بواسطة، والدواب والأنهار والأشجار مسخرة بدون واسطة، يجدها الإنسان مهيأة كاملة. وقوله: ﴿وَأَسْبَغَ﴾ فسرها المؤلف بأمرين بالسعة والإتمام؛ أي أوسع وأتم، ومنه: إسباغ الوضوء على المكاره، يعني: إتمام الوضوء، فمعنى (أسبغ) يعني أوسع وأتم، أما (أتم) فمثاله ما ذكرت: إسباغ الوضوء على المكاره، وأما (أوسع) فمنه قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي دروعًا سابغات: واسعة، ومنها أيضًا قولهم: ثوب سابغ؛ يعني: واسع، ويدخل فيه الإتمام أيضًا، فالمهم أن الإسباغ يتناول شيئين: إتمام الشيء، والثاني: توفيره، والنعم التي أنعم الله بها علينا شاملة للأمرين فهي واسعة ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وهي أيضًا تامة ليس فيها نقص، كل ما يحتاجه الإنسان في حياته بل وكل ما يحتاجه في دينه فإن الله تعالى قد أتمه والحمد لله. وقوله: ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ فسر المؤلف الظهور بأنها الحسية الظاهرة، والباطنة هي المعرفة وغيرها. * طالب: هي المعروف. * الشيخ: لا، المعرفة هي المعرفة، وهو الظاهر، النِّعم جعلها الله تعالى ظاهرةً وباطنة؛ ظاهرة للعيان، وذكر المؤلف من أمثلتها حُسْن الصورة، واستقامة الخلق، وما أشبه ذلك، والباطنة يقول: (هي المعرفة)؛ لأنها في القلب غير معلومة، وهذا لا شك أنه تفسير ناقص جدًّا، والظاهرة أعم.. * طالب: يقول: المعروفة. * الشيخ: لا المعرفة عندنا، المعرفة معرفة في القلب يعني العلم، الصواب أنها أعم من ذلك؛ فالنعم إما ظاهرة لكل أحد، وإما باطنة لا يعلمها كل إنسان، هذا واحد، وإما ظاهرة أيضًا بحيث كل يعرف أنها نعمة، وباطنة بحيث لا يرى أنها نعمة إلا من آثارها؛ لأن بعض الأشياء حين وجودها لا تظن أنها نعمة، لكن إذا عرفت آثارها وجدت أنها نعمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]، فإن الإنسان أحيانًا يُصيبه ما يصيبه من قضاء الله وقدره فلا يرى أنها نعمة حتى يعرف آثارها فيما بعد، والمهم أن النعم -والحمد لله- ظاهرة بينة للعيان وعامة شاملة للخلق، وشيء باطن لا يعرفه إلا من أنعم الله به عليه، أيضًا شيء ظاهر واضح أنه نعمة، وشيء باطن لا يتبين أنه نعمة إلا فيما بعد (...). ﴿