تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ يَكْفُرُونَ ﴿٥١﴾
فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا۟ مُدْبِرِينَ ﴿٥٢﴾
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم ٥١].
﴿وَلَئِنْ﴾ اللام هُنا لام قَسَمٍ دخلتْ على (إن) الشرطية، ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا﴾، وقوله: ﴿لَظَلُّوا﴾ هذا هو الجواب، لكنَّه جوابٌ لأيِّهما: للشرط أو للقَسَم؟ جوابٌ للقَسَم؛ لأنَّه لو كان جوابًا للشرط ما احتاج إلى اللام، فعلٌ ماضٍ يُجاب به الشرطُ بدون واسطة، وأيضًا فإنَّ القاعدة عند أهل العلم بالعربية أنَّه إذا اجتمع شرطٌ وقَسَمٌ يُحذَف جوابُ المتأخِّر منهما قال ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَـــهْوَمُلْــــتَزَمْ
(...) دلَّ عليه اللام الموطئة للقَسَم، وفيه شرط (إنْ)، والجواب الآن للقَسَم: ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، وجوابُ الشرط محذوفٌ دلَّ عليه جوابُ القَسَم.
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ شوف الفرق؛ في الأول يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾، وهُنا قال: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مفردًا، وقد ذكرنا سابقًا أنَّ الجمع يكون رحمةً والإفراد يكون عذابًا، هذا الغالب.
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ (رَأَوْهُ) الضمير لا يعود على الريح، لكنَّه يعود على ما حَيِيَ بالماء الذي نَزَل من السماء؛ لأنه تقدَّم لنا ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ يعني: ولَئِنْ أرسلْنا ريحًا فرأوْا هذا الذي حَيِيَ ﴿مُصْفَرًّا﴾ يعني: يابسًا حطيمًا بهذه الرياح ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾.
نقرأ كلام المؤلف: (﴿﴿وَلَئِنْ﴾ ﴾ لام قَسَم ﴿﴿أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ ﴾ مُضِرَّة عَلَى نَبَاتٍ ﴿﴿فَرَأَوْهُ﴾ ﴾) الضمير يعود على أيش؟ على النبات (﴿﴿مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ ﴾ صاروا، جواب القَسَم ﴿﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴾ أي: بعد اصفراره ﴿﴿يَكْفُرُونَ﴾ ﴾ يجحدون النعمةَ بالمطر). يعني أنَّ الله عز وجل إذا أحيا الأرضَ بعد موتها وأرسلَ عليها ريحًا فاصْفَرَّ النباتُ، وبعد اصفراره سيتلفُ امتحانًا منه جل وعلا لَكانوا من بعد هذا الاستبشار وبعد أنْ رأوا آثارَ الرحمة صاروا يكفرون.
﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ يقولون: كيف هذا؟! يأتي المطر وينزل وتحيا الأرضُ، ثم تأتي هذه الريح فتُهلكه؟! فيكفرون -والعياذ بالله- وينسون نعمةَ الله السابقة، ينسونها، وهذا من الامتحان، وهو داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١]، وكان عليهم إذا أرسلَ اللَّهُ هذه الريحَ واصفرَّ النباتُ بها، كان عليهم أنْ يقابلوا ذلك بالصبر لا بالكُفر، بالصبر على هذه البليَّة؛ لأنَّ الصبر .. يُوَفَّى الصابر أجْرَه بغير حساب، وربما تزول هذه المحنةُ إلى نعمةٍ أخرى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل ١٢٦]، ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٦]، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران ١٨٦]، فالمؤمن يصبر عند البلاء ويَشكر عند الرخاء.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، على (...).
قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٢]، ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يكون الخطاب عامًّا لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه.
﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: لا تُسمِعهم سماعًا ينتفعون به، أو: لا تُسمِعهم حين الدعوة، والأقرب الأول؛ لأنه ليس من المعقول أنَّ أحدًا يَقِف على الأموات ويقول: يا أيُّها الناس اعبُدوا الله واتَّقوه، هذا ليس بمعقول، لكنْ لو فُرِض أنَّه دعا فهل يسمعون سماعًا ينتفعون به؟ الجواب: لا، لا يسمعون سماعًا ينتفعون به.
فإذا قال قائل: هذا تقييدٌ للآية، الآية مُطْلقة ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فكيف ساغ لكم أنْ تُقَيِّدوها بقولكم: سماعًا ينتفعون به؟
نقول: إنَّ هذا -أعني نَفْي السماع- يُطلق على نَفْي السماع النافع؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، يسمعون بآذانهم لكنْ لا يسمعون سماعًا ينتفعون به، ولا نحمله على الإطلاق؛ لأن سماع الموتى قد وَرَدَت به الآثارُ؛ فإنَّ رسول الله ﷺ ثَبَتَ عنه «أنَّه وَقَفَ على أصحاب قَلِيب بدرٍ من المشركين، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا». فقال عمر: يا رسول الله، ما تُخاطب من قومٍ قد جيَّفوا!» -يعني: كيف تُخاطب الجِيَف؛ موتى؟!- «فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨)، من حديث أبي طلحة.]]، يعني: هم يسمعون أشدَّ من سماعكم، فإذَنْ ثَبَتَ أنَّ الموتى يسمعون، وكذلك صحَّح ابنُ عبد البَرِّ حديثًا وَرَدَ عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّه «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَى مَيِّتٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، وهذا ذكره ابنُ القيم في كتاب الروح، وذكر تصحيح ابن عبد البر له ولم يتعقَّبْه، وعلى هذا فهُم يسمعون، لكنَّهم لا ينتفعون بهذا السماع.
وردتْ آثار أيضًا عن الصحابة في هذا الأمر ذَكَرها ابنُ القيم رحمه الله عند هذه الآية، وثَبَتَ أيضًا في الصحيح أنَّ الإنسان إذا انصرفَ عنه أصحابُه بعد الدَّفْن حتى إنَّه لَيَسْمع قَرْعَ نعالهم أتاه مَلَكان[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠)، من حديث أنس بن مالك.]]. يسمع قَرْع نعالهم على الأرض كما يمشي الإنسانُ على السقْف فنسمع مَشْيه على السقف، وهذا أيضًا يسمع قَرْع النعال، (...) قرع النعال، ولكن الله تعالى يجعلهم يسمعون ذلك.
فالحاصل أننا نقول: كلُّ هذا يؤيِّد أنَّ المعنى ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: سماعًا ينتفعون به، ومعلومٌ أنَّ الرسول ﷺ ما دعا الموتى، ما ذهبَ إلى القبور يدعوهم، ولكن الذين يدعوهم مِن الأحياء كالموتى لا يستجيبون ولا ينتفعون بالدَّعوة.
يقول عز وجل: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، ﴿الصُّمَّ﴾ مفعولٌ أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعولٌ ثانٍ، أمَّا ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الأولى فقد حُذِف المفعولُ الثاني؛ لأن هذا فَضْلة، وقد سبق لنا أنَّه يجوز حذفُ الفَضْلة ولو بلا دليل.
وقال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ﴿الصُّمَّ﴾ جمع أَصَمَّ، وهو الذي لا يسمع، اللي ما يسمع ما تُسمِعه، لا سيَّما إذا اقترنَ به الإدبار؛ ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، وهذا أشدُّ ما يكون بالنسبة للأصَمِّ بانتفاء السماع عنه، الأصَمُّ لا يسمع ولو كان مقابلًا لك، فكيف إذا أَدْبر! يكون (...)، ولهذا الأصمُّ إذا كان أمامك ودعَوْتَه بصوتٍ ما فربما يسمع، لكن إذا ولَّى مهما دعَوْتَه ما يسمع إلَّا إذا أدركْتَه فمسكتَه، فالصُّمُّ إذا ولَّوا مدبرين ما يسمعون، وإنما قيَّد الله عز وجل الصُّمَّ بهذه الحال لأنها هي الحال التي لا يسمعون بها مطلقًا، بخلاف ما إذا كانوا أمامك فإنَّهم قد يسمعون ويستدلُّون على ما تقول بحركات شفتيك.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ قال المؤلف: (بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية بينها وبين الياء). ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾ هذا أيش؟ تحقيق؛ ﴿الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا﴾. الثاني: تسهيل الثانية بينها -أي: بين الهمزة المحقَّقة- وبين الياء؛ أي: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ اِذَا﴾ خَلِّها بين الهمزة وبين الياء، والقراءتانِ سبعيَّتانِ.
ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] شوف الآن، انتقال؛ الموتى، الصُّم، العُمْي.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ﴿مَا﴾ حجازيَّة، و﴿أَنْتَ﴾ اسمها، والباء حرف جرٍّ زائد، و(هادِ) خبرها.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ﴾ اسم فاعل ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ العُمْي جمع أَعْمى؛ لأن (أَفْعَل) جمعه (فُعْل)؛ قال ابن مالك:
فُعْـــــلٌ لِنَحْــــــوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا ∗∗∗ .....................
(أَحْمَر) مثل (أَعْمَى)، و(حمراء) مثل (عَمْياء)، فـ(عُمْي) جمعٌ للذكور والإناث.
﴿بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ويش معنى ﴿ضَلَالَتِهِمْ﴾؟ يعني: عن مَتَاهتهم، إذا تاهوا في الطريق ما أنت بِهادي العمي عنها، فكذلك هؤلاء الذين عَمُوا عن الحقِّ -والعياذ بالله- فلا يَرَوْن، وصمُّوا عنه فلا يسمعون، وماتوا عنه فلا يفقهون، هؤلاء أيضًا لا تستطيع أن تهديهم، أو لا؟
فتأمَّل الآن في مسألة الموت ومسألة الصَّمَم قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، وفي باب العَمَى قال: ﴿مَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ ما قال: ما أنت بمسمع؛ السبب: لأنَّ البصر يتعلَّق به الدلالة، وهي الهداية، بخلاف الصَّمَم يتعلَّق به السمع.
(﴿﴿