×

الروم

الآية ٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

بِنَصْرِ ٱللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٥﴾

بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ * في هذا من الفوائد: جواز فرح المؤمنين بانتصار بعض الكفار على بعض، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولَّا لا؟ * طالب: في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، هو ما انتصر المسلمون على الكفار، انتصر كفار على كفار لكن هذا في مصلحة الإسلام، وعلى هذا إذا اقتتلت دولتان من دول الكفار وكانت إحداهما أقرب إلى نفع المسلمين من الأخرى وفرحنا بانتصارها، هل نقول: إن هذا حرام؟ كيف تفرح بانتصار كافر على كافر؟ أو نقول: هو جائز؟ * طالب: هو جائز. * الشيخ: نقول: هو جائز كما فرح المؤمنون بانتصار الروم على فارس، مع أن كلًّا منهما كفار لكن هؤلاء أهل كتاب، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس. * ومنها: جواز تسمية غلبة الكفار نصرًا؛ لقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] مع أن الروم ما يتصفون بهذه الصفات؟ فالجواب: أن النصر نوعان: نصر مطلق دائم، فهذا لا يكون إلا لمن ينصر الله. والثاني: نصر عارض مُوَقَّت، فهذا يكون لهؤلاء ولغيرهم. فنصر الله للروم على الفرس ليس نصرًا دائمًا، الدليل أنه بعد ذلك نصر الله المؤمنين على الفرس وعلى الروم، فافتتحوا ممالك كسرى وممالك قيصر، فلم يكن هذا نصرًا دائمًا. * ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات العزة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الرحمة في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾، وإثبات كمال عزته حيث قُرِنت بالرحمة، فإننا ينبغي أن نعرف أن الأسماء الحسنى تدل على الكمال، كل واحد منها يدل على كمال بانفراده، ثم باجتماع الاسمين بعضهما إلى بعض يدلان على كمال مركب. فالعزيز يدل على الكمال، والرحيم يدل على الكمال، فإذا اجتمعا أُخِذ من ذلك كمال آخر فوق الكمال الذي يتضمنه كل اسم على انفراده، وهو أن تكون عزته مقرونة بالرحمة؛ لأن عزة غيره قد تكون خالية من الرحمة، فإذا صار عزيزًا أخذ الذي هو ظاهِرٌ عليه أخذه أخذ عزيز مقتدر ولم يرحمه، بخلاف عزة الله فإنها مقرونة بالرحمة، وهي أيضًا مقرونة بالحكمة. أضرب لكم مثلًا: لو أن رجلًا غلب على قوم، وصار عزيزًا وهم أذلاء، فإن هذا الرجل قد تأخذه العزة بالإثم فيبطش بهم ولا يرحمهم، لكن عزة الله عز وجل ليست كذلك، بل هي مقرونة بالرحمة كما أنها مقرونة بالحكمة؛ ولهذا دائمًا يقرن الله العزة بالحكمة. فيه فوائد أخرى أيضًا. * طالب: (...). * الشيخ: إيه ما فيه بأس؛ أننا نفرح بانتصار بعضهم على بعض إذا صار المنتصر فيه نفع للإسلام، ثم يساعدون المسلمين بالمال أو بالسلاح أو على الأقل يكون قد كفَّ شرَّه والثاني فيه شر. * طالب: منين نأخذها؟ أخذًا من الآية هذه ولَّا..؟ * الشيخ: إي نأخذها من هذه الآية. * الطالب: ظاهر الآية أنهم ما يساعدون المسلمين. * الشيخ: لكنهم أقل شرًّا من هؤلاء. * طالب: المصلحة من انتصار الروم على الفرس، ما هي؟ * الشيخ: المصلحة لأن الروم أهل كتاب، فهم أقرب إلى الإسلام ومراعاة المسلمين من أولئك، هذه المصلحة. * طالب: كل اسم من أسماء الله عز وجل الاسم كل اسم يتضمن صفة، لكن هل يوجد العكس كل صفة يُشتَق لها اسم؟ * الشيخ: لا، ما يجوز. * الطالب: طيب المشيئة، كيف نعرفها؟ * الشيخ: ما نقول: إن من أسماء الله الشائي أو المريد أو المتكلم، ما نقول: هذه من أسماء الله. * الطالب: يعني الصفة الصفات أوسع؟ * الشيخ: إيه الصفات أوسع بلا شك. * طالب: خبره في الصفات، هل الخبر أوسع من الصفات؟ * الشيخ: إيه يعني يخبر عنه بأشياء ولا يسمى بها، ولكن ما يخبر عنه بصفة إلا حيث وردت، ما هو كل صفة يجوز لنا نخبر بها عن الله، فلا يجوز أن نسمي الله مثلًا بالحزين، ولا نسميه بالعاشق، ولا نسميه بالهميم، وما أشبه ذلك، يعني حتى الصفات تكون توقيفية، ما نخترع من أنفسنا صفة له، لكن الصفات أوسع من الأسماء. * طالب: المنعم هل وردت المنعم؟ * الشيخ: لا ليس من أسماء الله. * الطالب: لا، صفة المنعم؟ * الشيخ: صفة نعم، ما فيه شك أن الله منعم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٧]. * الطالب: يعني نقول: إن النعمة يعني أتى بها. * الشيخ: هل تكون نعمة بدون مُنْعِم؟! * الطالب: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]. * الشيخ: إيه، وكذلك ﴿أَنْعَمْتَ﴾ يؤخذ منه الْمُنْعِم. أما المحسن فقد ورد من أسماء الله؛ لقوله: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٦٠٣) عن شداد بن أوس رضي الله عنه، ولفظه: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».]]. وبهذا يزول الإشكال الذي يرد عند كثير من الناس يقول: إنهم يسمون باسم عبد المحسن. لا، مُحسن ما هو مشكل، عبد المحسن، فيقول: كيف تضيفه إلى ما ليس من أسماء الله؟ * طالب: عبد المنعم موجودة؟ * الشيخ: موجودة أيضًا. * الطالب: حكم التسمية بها؟ * الشيخ: التسمية هذه إن ثبت أنها من أسماء الله، وإلَّا فقد يقول قائل: قد نقول: إنه يجوز؛ لأن المنعم على الإطلاق هو الله، كل إنسان له نعمة فهي مقيدة، وإلا فالنعم حتى من الإنسان: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧]. * طالب: عبد الراضي؟ * الشيخ: عبد الراضي؟ ما أدري. * طالب: ابن حزم يقول: يجوز تسمي بعبد المطلب. * الشيخ: لا غلط، هذا غلط منه. * طالب: حميد. * الشيخ: إيه حميد من أسماء الله ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨]. * الطالب: لا، أن يسمى أحدنا (حميد)، هذا مقصدي. * الشيخ: والله (...)، لكن إذا لم يُقصَد الصفة فلا بأس، فهذا حكيم موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيَّرَه، مع أن الحكيم من أسماء الله؛ لأنه ما أريدَ ملاحظة الصفة، أسماء الله تعالى يراد به إثبات الصفة مع الاسم، لكن قد أسمي ولدي (حكيم) وهو من أسفه الناس، وكذلك أسميه (محسن) وهو من أشد الناس جَوْرًا. * طالب: هل يجوز أن نسمي: عبد الحكيم؟ * الشيخ: إلا ما يخالف، يجوز إيه نعم. * طالب: الوقوف على رؤوس الآي (...). * الشيخ: هذه المسألة تقدم البحث فيها، ويش قلنا؟ * طالب: ما هو السؤال؟ * الشيخ: السؤال يقول: هل نقف على الآيات لو أنها قد تعلق بها ما بعدها، ولا أنَّا نصل ونراعي المعنى؟ * الطالب: نراعي المعنى. * الشيخ: في هذا قولان لأهل العلم، منهم مَن يرى أننا نقف على الآيات، ويقول: هذا هو الوارد عن النبي ﷺ، أنه كان يقرأ القرآن آية آية، والدليل على ذلك أن الله جعلها آية فنقف عليها ولو تعلق بها ما بعدها، وهذا كثير في القرآن: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤]، رأس آية دي؟ * طالب: نعم. * الشيخ: يجوز أن نقف. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة ٢١٩، ٢٢٠]. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ آية. وهذه ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، هي آية عندكم؟ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾. * طالب: آية. * الشيخ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. وقال بعض أهل العلم: إنك تراعي المعنى، فتقف عند انتهاء المعنى، ولا تفصل آية عن آية تتعلق بها، ولو قيل بالتفصيل: وهو أن الإنسان إذا كان يتلو وهو يقرأ فإنه يقف على كل آية؛ لأن الكلام لن ينقطع، (...) يتصل ويتضح المعنى. وإذا كنت تريد أن تتكلم على معاني الآيات فإنك تراعي المعنى، لو قيل بهذا التفصيل لكان له وجه، لكن ما أعلم هل أحد من أهل العلم قال به أو لا؟ إنما القول به على حسب قواعد أهل العلم لا بأس به؛ لأن إحداث قول ثالث يتكون من القولين قبله لا بأس به، وهذه مسألة محل بحثها أصول الفقه: هل يجوز إذا أجمع العلماء على قولين هل يجوز إحداث قول ثالث أو لا؟ والصواب أنه إذا كان القول الثالث لا يخرج عنهما، غاية ما هنالك أنه يفصل فيه، فهو جائز لأنه ما يكون خرج عن الخلاف، أما إذا كان يخرج عنهما فلا يجوز، فمثلًا إذا قلنا بالتفصيل هنا خرج عن القولين ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما خرج، لكنه يقف في شيء ولا يقف في شيء آخر، مثل مَن قال: الوتر واجب، وآخرون قالوا: إن الوتر ليس بواجب. فإذا قلنا: واجب على مَن كان كذا وكذا، غير واجب على مَن كان كذا وكذا، كما اختاره شيخ الإسلام على أنه واجب لِمَنْ له وِرْدٌ من الليل يقوم به، غير واجب على مَن سواه، صار هذا القول الثالث لا يخرج عن الاثنين؛ لأنه يوافق أحد القولين في حال، ويوافق القول الآخر في حال أخرى. * طالب: القول الثالث (...). * الشيخ: إي لكنه ما يخرج عنهما، أما لو كان واحد يقول بالتحريم وواحد يقول بالحل، ثم جاء قول ثالث يقول بالوجوب. هذا ما يمكن، إذا أجمعوا على الحل أو التحريم ما يمكن (...) قولًا بالوجوب؛ لأنه ما يوافق القولين.