×
الرومالآيات ٤٩–٥٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِۦ لَمُبْلِسِينَ ﴿٤٩﴾

فَٱنظُرْ إِلَىٰٓ ءَاثَـٰرِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿٥٠﴾

وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ آيِسين من نُزوله. ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم ٥٠] ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لِمَن؟ * طالب: للرسول. * الشيخ: للإنسان، لا، ما هو للرسول، الخطابُ للإنسان، لِمَن يتأتَّى خطابُه، الرسول ﷺ وغيره؛ لأنه قال بالأول: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، ثم قال هنا: ﴿فَانْظُرْ﴾ أي: انظر أيُّها الإنسان (إلى ﴿﴿أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾، وفي قراءة) يقول المؤلف: (﴿﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾). شوف الرسم العثماني، من فوائد التزامه أنَّه لا يتغيَّر بتغيُّر القراءات، ﴿آثَارِ﴾ على مقتضى قواعد الرسم العصرية كيف تكتب؟ بألف بين الثاء والراء، لكنَّها على قواعد المصحف العثماني يُكْتَب فيها ألف؟ لا، (أَثَر) ثاء وراء، فتصلح ﴿آثَارِ﴾ وتصلح ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾. وقوله: ﴿إِلَى آثَارِ﴾ و﴿﴿إِلَى أَثَرِ﴾ ﴾ لا فرق بينهما في الجملة من حيث المعنى؛ لأن ﴿آثَارِ﴾ مضاف فيفيد العموم، و﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ مضاف فيفيد العموم؛ لأن المفرد إذا أُضِيف أفادَ العموم، فـ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ و﴿آثَارِ﴾ من حيث الجملة لا فرق بينهما؛ لأن ﴿﴿أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾ بمعنى ﴿آثَارِ﴾، لكن الفرق بينهما من حيث المعنى الخاصِّ أنَّ ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ يشمل الجنس باعتباره شيئًا واحدًا، وأمَّا ﴿آثَارِ﴾ فتشمل الجنس باعتباره أنواعًا. كيف باعتباره أنواعًا؟ مِثْل أَثَر المطر يخرج به الزرعُ، ويخرج به الشجرُ، ويخرج به شيءٌ صغيرٌ وشيءٌ كبيرٌ، وشيءٌ له أشجارٌ مُفَتَّحةٌ، وشيءٌ له أشجارٌ دقيقةٌ كالعيدان، فلهذا تُعتبر هذه آثارًا باعتبار أنواعها. ثم أيضًا الآثارُ تختلف من أرضٍ إلى أرضٍ؛ هذه الأرض تُنبت كذا، وهذه الأرض تُنبت كذا، هذه ينبت فيها الكَلَأ وهذه لا ينبت، ... وهكذا، فهي آثارٌ باعتبار الأنواع، أمَّا باعتبار الجنس وأنَّ كله حَصَلَ بسبب المطر فهو شيءٌ واحدٌ، وهذا هو الفرق الخاصُّ بين ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ و﴿آثَارِ﴾. (﴿﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾ أي: نِعمته بالمطر). وقد سبق لنا أنَّ الرحمة في مِثْل هذا يصحُّ أنْ تكون اسمًا للمخلوق ويصحُّ أنْ تكون من صفات الله؛ فإنْ كان المرادُ الأَثَرَ المباشرَ فالمرادُ بالرحمة المطَرُ؛ لأن هذا النبات نَبَتَ بماذا؟ بالمطر، وإنْ كان المرادُ السببَ غير المباشر فالمراد بالرحمة صفةُ اللهِ؛ يعني لكون الله جل وعلا رحيمًا فهذه من آثار الرحمة أنَّه يُنزل المطر، وتَنْبت به الأرضُ، ويزول به القَحْط، فالآيةُ صالحةٌ لهذا ولهذا. قال: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٥٠] هذا مما يرجِّح أنَّ المرادَ بالرحمة الصفةُ؛ رحمة الله، ﴿كَيْفَ يُحْيِ﴾ هو؛ أي: بالرحمة سبحانه وتعالى، ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ يجعلها حيَّةً ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قال المؤلف: (أي: يُبْسها)، وحياةُ كلِّ شيءٍ بِحَسَبه؛ فالأرض اليابسة اللي ما فيها خضراء تُسمَّى ميتة، ما فيها شيءٌ حيٌّ، فإذا نَزَلَ عليها المطرُ وحيي النباتُ سُمِّيتْ حيَّة. ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا دليلٌ على قدرة الربِّ عز وجل وعلى رحمته؛ لأنه مَن يقدر على أن يَفْلق النواةَ والحبَّ في باطن الأرض حتى يخرج منه هذا النباتُ النَّامي؟ أحد يقدر على هذا؟ ما أحد يقدر؛ لهذا قد جاء في الحديث الصحيح القدسي: «فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١)، من حديث أبي هريرة.]]، ما يستطيعون، ما يستطيع أحدٌ أن يخلق هذا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام ٩٥]. ﴿كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا﴾ ﴿كَيْفَ﴾ يعني: انظر إلى الكيفية والقُدرة، كيف هذه الأرض اللى كانت غبراء كأنها محترقة أصبحت الآن روضةً خضراء! (أي: يُبْسها بأنْ تنبتْ). قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٠] ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المشار إليه (...). * * * (...) يكون عبثًا، يُخلق بَشَر عاقل، يعرف، ويعقل، ويتصرَّف، ويقتل بعضُه بعضًا، وينهب بعضُه بعضًا، ويسالم بعضُه بعضًا، والنتيجة أنْ يكونوا تُرابًا، هذا لا يمكن أبدًا؛ يعني لو تصوَّره إنسانٌ أدنى تصوُّر لَوجد أنَّ العقل يدلُّ دلالةً قطعيَّةً على أنَّه لا بُدَّ من بعثٍ و(...)، وإلا لَكانت الدنيا كلُّها عبثًا؛ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]. ألسْنا مثلًا نشاهد مَن يخالفنا في العمل، مَن يخالفنا في الأخلاق، مَن يخالفنا في العقيدة، ونتألَّم من ذلك ولَّا لا؟ نعم، لولا أنَّ الله يُسَلِّي الرسولَ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] وما أشبهَ ذلك مما يُسَلِّيه به لَتقطَّع قلبُه عليه الصلاة والسلام، نحن الآن نتألَّم لِمَن يخالفنا في العقيدة، لِمَن يخالفنا في الأخلاق، لِمَن يخالفنا في الأعمال، نتألَّم لا شكَّ، هذا الأَلَم يؤثِّر علينا، ولكن يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ لكن هناك فارقٌ ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤]، فالحاصل أنَّ هذا الكون العظيم ما يمكن أن يكون عَبَثًا هكذا؛ يحيا ثم يكون ترابًا، فالله عز وجل يُحيي الموتى، ليس بني آدم فقط، ولكن بنو آدم وغيرهم؛ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨] ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥] وأخبرَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ البهائم يُقْتَصُّ من القَرْناء للجَلْحاء[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، حتى البهائم يُقضى بينها، واضح يا جماعة؟ ولهذا نقول: ﴿الْمَوْتَى﴾ لا يختصُّ بالإنسان فقط، بل بالإنسان وغير الإنسان؛ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٠]. ثم أكَّدَ هذا أيضًا -إحياء الموتى- بمؤكِّد آخَر؛ بالجملة التي بعده، وهو قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم ٥٠]، فإذَنْ أُكِّد إحياءُ الموتى بمؤكِّدينِ لفظيَّينِ ومؤكِّدينِ معنويَّينِ. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كلُّ شيءٍ اللَّهُ قادرٌ عليه، كلُّ شيءٍ بدون استثناء، كلُّ ما تتعلَّق به القدرة ويمكن أنْ يكون قادر عليه؛ فإنَّ الله تعالى قادر، على كلِّ شيءٍ قدير، ليس على ما يشاء فقط، بلْ على ما يشاء وما لا يشاء، فهداية الكافر الذي مات على كُفره الله قادرٌ عليها ولَّا لا؟ * طلبة: نعم قادر. * الشيخ: وشاءَها؟ ما شاءَها، وهو قادرٌ عليها، فلا تختصُّ قدرته بما شاءه، وبهذا نعرف أن تعبير بعض الناس أنَّه على ما يشاء قدير، أنَّه لا ينبغي، بلْ قُل كما قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. وأمَّا حديث الرجل الذي يبعثه الله يوم القيامة فذكر القصَّة، وفيها أنَّ الله قال له: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، فهذه ليس المراد بها وَصْف الله بالقدرة مطلقًا، بل وَصْف الله بالقدرة على هذا الشيء المعيَّن الذي استبعده المخاطَب، فالله يقول: قد شِئْتُه فأنا قادرٌ عليه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، فالقيد بالمشيئة هنا ليس عائدًا على القدرة، لكنَّه عائدٌ على الجمع، الشيءُ المعيَّن ممكن أن تقيِّده بالقدرة، أمَّا إذا أردتَ وَصْفَ الله بالقدرة فلا تقيِّدها بالمشيئة، ففرقٌ بين أن تُعَلَّق القدرة بشيءٍ معيَّن خاصٍّ وبين أن تُذكر على سبيل الوصف العام لله، إذا كانت وصفًا عامًّا لا؛ فالله تعالى ما ذكر قَيْد المشيئة أبدًا؛ ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤] وما أشبهَ ذلك. والقدرة ضدُّ العجز؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، وأفاد العلم هُنا لأنَّ العاجز قد يعجز لعدم عِلْمه بالشيء؛ واحد مهندس لكنْ فيه روماتيزم ما يقدر يتحرَّك، مهندس تمام، قلنا له: اصنع السيارة هذه، يقدر ولَّا لا؟ ما يقدر. ليش؟ ما عنده القدرة، عاجزٌ؛ لأنه ما يقدر يتحرَّك. وآخَر نشيط يحمل الحجر الذي أكبر منه، لكنه ما يعرف الصناعة هذه، قلنا له: اصنع السيارة، قال: ما أقدر. ليش؟ لعدم العلم، فانتفاء القدرة قد يكون لعدم العلم وقد يكون لعدم القدرة، ما عنده عِلم، ما عنده شيء؛ يعني عاجز. طيب، (...) تفسير هذا في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ آخر سورة المائدة ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠] يقرِّر عبارة منكَرة، هو ما أرادَ بها سوءًا -الله أعلم- ما أراد بها سوءًا فقال: (وخصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر). (خصَّ العقلُ ذاتَه) يعني أنَّ العقل يقتضي تخصيص ذات الله، فالله ما يقدر عليها. صحيح هذا؟ * طالب: ما هو بصحيح. * الشيخ: هذا ليس بصحيح، بل الله على كلِّ شيءٍ قدير، ولهذا الله تعالى استوى على العرش، بفِعْله ولَّا لا؟ بفعله وقدرته، يَنْزل إلى السماء الدنيا، يأتي للفصل بين عباده، يتكلَّم بما أراد، كل هذا مِمَّا يتعلَّق بذاته وهو قادرٌ عليه. فإنْ قال قائلٌ: الله يقدر على إماتة فلان، هل يقدر على أن يُميت نفسَه؟ هذا ما يمكن، لا لانتفاء القدرة، لكن لأنَّ هذا أمرٌ لا يليق به، وهو أشدُّ من العجز، فنقول: امتناع هذا لأنَّه مستحيلٌ على الله عز وجل، ولهذا السفَّاريني رحمه الله في العقيدة لَمَّا ذكر صفة القدرة قال: بِقُــــدْرَةٍ تَعَلَّــــقَتْ بِمُمْـــكِنِ ∗∗∗ ..................... أمَّا المستحيل فهو مستحيلٌ ما يمكن، المستحيل أصلُه مستحيلٌ ما تتعلَّق به القدرة، يُقال: إنَّ الشيطان إذا مات العالِمُ يفرح فرحًا عظيمًا، وإذا مات العُبَّاد يعني ما يُهِمُّه، قال جنوده له: كيف تفرح بموت العالِم هذا الفرح ولا تفرح في موت العابد اللي طول النهار بمحرابه. قال: نعم؛ لأن العالِم أشدُّ علينا من العابد، وإذا شئتم أنا الآن أضربُ لكم مثلًا. فذهب إلى العابد وقال له: هل يقدر الله عز وجل أنْ يجعل السماواتِ والأرضَ في جوف بيضة. قال العابد: لا، ما يقدر. قال: هل يقدر الله يَخْلق مثلَه. قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، يُمكن يقدر يَخْلق مثلَه. صح هذا؟! هذا لا يصح وغير ممكن، فذهب إلى العالِم فقال مثلَ هذا القول، قال: أمَّا خَلْق المثْل فهذا شيءٌ مستحيلٌ، ولا يمكن للمخلوق أن يكون مثل الخالق أبدًا مهما كان، وأمَّا كونه يجعل السماواتِ والأرضَ في جوف بيضةٍ فهو على كلِّ شيءٍ قدير. المسكين العابد كَفَرَ من وجهين: أثبتَ ما لا يمكن، ونَفَى ما يمكن، وهذا حقيقةً .. يعني العُبَّاد مِثْل ما قال سُفيان بن عيينة؛ يقول: «مَن فَسَدَ من عُبَّادنا ففيه شبهٌ من النصارى، ومَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شبهٌ من اليهود»[[انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢ / ١٤٢).]]. واليهود أخبثُ من النصارى لا شكَّ؛ لأن العالِم فسادُه -والعياذ بالله- عن عِلْم، والعابد فسادُه عن جَهْل، وما كان عن جَهْلٍ فهو أهونُ مِمَّا كان عن عِلْم. * طالب: بالنسبة لقول مَن قال: إنَّه على ما يشاء قدير، ما يمكن نستخلص قاعدة أنَّ الصفات الذاتية (...) الصفات الفعلية (...) المشيئة عمومًا. * الشيخ: (...)، القاعدة عندهم أن الصفات الذاتية هي اللازمة للذات، والفعلية ما تتعلَّق بالمشيئة هذه قاعدتهم. * طالب: بالنسبة للتنزيل والإنزال في القرآن، كيف يُجاب عن ذلك؟ * الشيخ: أيُّ آية؟ * طالب: في القرآن، في نفس القرآن وَرَدَ أنَّه نزَّله، وقال: تنزيل، كيف الفرق؟ * الشيخ: المراد إذا وَرَدَ أنَّه نزل مثل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١] يكون المراد ابتداءُ إنزاله؛ يعني أنْزلنا الجملة منه، ما هو كله، وأمَّا التنزيل فهو باعتبار مجموعِهِ يكون نازلًا شيئًا فشيئًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦] مع أنَّه قد يأتي التنزيل لشيءٍ وَقَعَ جملةً واحدةً مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، فعلى هذا تكون القاعدة التي ذكرها أهل العلم في هذه المسألة قاعدة أغلبية ما هي لازمة. * * * ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم ٤٨] إلى آخره. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: * أولًا: كمال قُدرة الله عز وجل بإرسال الرياح، وإثارتها السُّحُبَ، وارتفاعها في الجوِّ وبَسْطها فيها، وجعلها كِسفًا، ونزول المطر منها، نعم، كم هذه من وجه؟ يُستفاد منه كمال قدرة الله من عِدَّة أَوْجُه: أولًا: إرسال الرياح، إثارتها السحاب، بَسْطه في السماء، جَعْله كِسفًا، نزول المطر منه؛ من خمسة أوجُه. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ السماء يُطلق على كلِّ ما علا؛ لقوله: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾؛ فإنه لا يُبْسط في السماء التي هي السقف المحفوظ، وإنما يُبْسط في الجوِّ العالي. * ومن فوائدها: حِكمة الله عز وجل في نزول المطر من أعلى؛ لأنَّه إذا نزل من أعلى عَمَّ النازلَ والمرتفعَ، بخلاف ما لو كان يجري في الأرض فإنَّه يُغرق النازلَ قبل أن يصِلَ إلى العالي. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ شِدَّة افتقار الخلْق إلى رحمة الله؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. * ومنها: إثباتُ المشيئة؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومنها: إثباتُ العبوديَّة العامَّة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾. * ومنها -ولننظر هل تصلح الفائدة هذه ولَّا لا- منها: جواز الاستبشار بالمطر وأنْ يُبَشِّر الناسُ بعضَهم بعضًا به. أو ما يمكن؟ المهمُّ هل يمكن يؤخَذ منه جواز الاستبشار بالمطر، أو يُقال: إنَّ هذا خبرٌ عن واقعٍ فلا يتأتَّى منه الحكم؟ فيه احتمال أنْ يُؤخَذ منه جوازُ الاستبشار بالمطر، وفيه احتمال أنْ يكون هذا بيانًا للواقع فلا يؤخَذ منه حكمٌ، وغايةُ ما فيه أنْ يُقال: إنَّه مُباح؛ لأن الله تعالى ذكره ولم يُنكره. * ومن فوائد الآية: بيانُ رحمة الله عز وجل لكَونِ المطر ينزل نُقَطًا لا أنَّه ينزل دفعةً واحدةً؛ لقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ لأنه لو نَزَل هكذا كأفواهِ القِرَب أو كالأوديةِ التي تمشي لَكان أيش؟ لَكان مدمِّرًا للمنازل، مدمِّرًا للأشجار، مؤثِّرًا على مَن ينزل عليه من الحيوان، ولكنَّ الله عز وجل جعله بهذا الرذاذ. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩]. * في هذا: بيانُ حال العبد قَبْل نُزول المطر وأنَّ العبد ضعيفٌ؛ لقوله: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾، فإنَّه ضعيفٌ، إذا أُصِيب بشيءٍ أَيِسَ واستبعدَ الفَرَج، ولكن الله عز وجل يُزيل عنه هذا الأمرَ؛ قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. طيب، مِن أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٥٠] في هذه الآية الأمرُ بالنظر، ويكون بالعين الباصرة، وبعين البصيرة أيضًا؛ فالأمر هنا بالنظر للوجهين جميعًا، الإنسان ينظر بعينه الباصرة وبعين البصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ النظر كما يكون نافعًا للإنسان فهو مأمورٌ به شرعًا؛ أي بمعنى: ثوابُ الإنسان أو إثابةُ الإنسان على النظر في آيات الله؛ لأنه مأمورٌ به. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الآثار التي تنتج عن المطر كلها من رحمة الله؛ إحياء الأرض بالنبات وكثرة المياه فيها كلُّه من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. * ومن فوائدها: الاستدلالُ بالمحسوسِ المنظورِ على المحسوسِ المنتظَر، كيف؟ المحسوسُ المنظورُ ما يَحْصل من حياة الأرض، والمحسوسُ المنتظَر ما يَحْصل من إحياء الموتى. * ومنها: أنَّه لا بدَّ أن يكون الدليلُ أَجْلَى وأَظْهر من المدلول عليه؛ بمعنى أنَّه لا يمكن أنْ نستدلَّ بالأَخْفى على الأظهر والأوضح؛ لأن الدليل معرِّفٌ للمدلول ومبيِّنٌ له، فكيف يمكن أن تستدلَّ بشيءٍ خَفِيٍّ على شيءٍ واضحٍ؟! أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمةُ الله تعالى بعباده؛ حيث يضرب لهم الأمثال، ويُبين لهم الأدلَّة ليتوصَّلوا إلى اليقين بما يجب الإيمان به؛ لأنه يكفي أنْ يقول الله عز وجل: آمِنُوا بأنِّي أُحيي الموتى، يكفي في إقامة الحجَّة عليهم، لكن مِن رحمته أنَّه يُبين لنا ويضرب لنا الأمثالَ لنَصِل إلى درجة اليقين بما أخبرنا به، مِن أين نأخذه؟ من قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: نعمةُ الله على العِباد بإحياء الأرض؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. * ومنها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت، ففيه ردٌّ على الفلاسفة الذين يقولون: إنَّ الجماد لا يمكن أن يوصَف بالحياة والموت لأنه غير قابلٍ لها. فنقول: إنَّ الله تعالى وَصَفَ الجمادَ بأنَّه حيٌّ وميتٌ كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١] مع أنها أصنامٌ من الأحجار والأشجار وما أشبهها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت صفة القدرة وعمومها؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، لا يُعجزه شيءٌ في السماوات ولا في الأرض.