تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴿٣٦﴾
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٣٧﴾
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الرحمة من الله تفضلًا منه وامتنانًا كيف ذلك؟ أن كونها من كقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا﴾. وأما كونها تفضلًا فلأنه لم يذكر لها سببًا تفضلًا وامتنانًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم الفرح إذا كان على سبيل الأشر والبطر، قد تقولون: من أين نأخذه من الآية؟
* طالب: من قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ يا شيخ.
* الشيخ: إي، لكن تقييد الفرح بالأشر والبطر من قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ يمكن يُؤخذ أن الفرح المذموم من الصفة التي بعده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السيئة لا تُضاف إلى الله؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ ولم يقل: وما أصبناهم.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]. فما هو الجمع؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب هنا قلنا: إن السيئة لا تضاف إلى الله؛ أي أن إيقاعها سيئة ولَّا لا؟ إيقاعها ليس بسيئة، هي سيئة لكن إيجادها ليس بسيئة، بل ولحكمة، فالشيء بنفسه قد يكون سوءًا لكن بالنسبة لفعل الفاعل لا يكون فعل الفاعل سوءًا، هذا رجل لُدِغَ ابنه، واحتاج الابن إلى كي، فأحمى الحديدة في النار وكواه، فصرخ الابن فرحًا أو ألمًا؟ ألمًا، إذن هذه سيئة ولَّا لا؟ لكن كي والده إياه سيئة ولَّا حسنة؟ حسنة.
فحينئذٍ يجب أن نعرف الفرق بين الفعل والمفعول، فالسوء والشر إنما هو بالنسبة لمفعول الله من الصفات المنفصلة عن الله، أما بالنسبة للفعل الذي هو فعل نفسه فإنه لا يمكن أن يكون شرًّا أبدًا بل هو خير، ويمكن أن تقول: إن الخير نوعان: خير لذاته، وخير لغيره، فما كان شرًّا في نفسه وقدَّره الله فهو خير لغيره، وما كان خيرًا في نفسه فهو خير، واضح، ممكن نقول هكذا؟ فإذن لنا عن هذا جوابان؛ الجواب الأول: أن يُقال: إن الشر ليس في فعل الله، بل هو في مفعوله، أما إيجاد الله له فهو خير لما يتضمنه من الحكمة البالغة، هذا واحد ونظيره كَيُّ الإنسان ابنه ليُشفى من المرض فهو في ذاته الكي شر، لكن بالنسبة لفعل الأب له خير، هذا وجه.
أو يقال: إن الخير نوعان؛ خير لذاته، وخير لغيره، فما كان خيرًا محضًا فهو خير لذاته كالمطر، والنبات، والأمن، وما أشبه ذلك وما كان شرًّا لذاته فهو خير لغيره، إذا كان الشر خيرًا لغيره صار بهذا خيرًا، فالجدب والقحط والخوف وما أشبه ذلك خير؛ لأنه يؤدي إلى خير كما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فهمنا الآن أن السوء لا يضاف إلى الله، وإنما يضاف إلى مفعولاته.
* من فوائد الآية الكريمة: أن السوء لا ينال الناس إلا بأعمالهم؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ طيب سؤال هل هذا يشمل السوء في الأمور الدينية والأمور الدنيوية أو في الأمور الدنيوية فقط؟ فيهما جميعًا؛ فالجدب والقحط بسبب الأعمال السيئة والمعاصي، كذلك زيغ القلب بسبب المعاصي ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
إذن المصائب الدينية والدنيوية كلها بسبب أعمالنا نحن، فلو استقمنا استقامت لنا الأمور، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٢٩] شوف فرقانًا، إذن التقوى سبب للعلم؛ لأن الفرقان ما يكون إلا بعلم يفرق الإنسان فيه بين النافع والضار والحق والباطل، إذن نقول: هذا يشمل أمور الدين وأمور الدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله، من أين يؤخذ؟ لأن الله أطلقه على سبيل الذم، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، هذا دليل على تحريمه، ودليل على تحريمه بالنظر أن القنوط يستلزم عدم الرجوع إلى الله؛ يعني إذا قنط من رحمة الله كيف يرجو رحمة الله؟ فيستحسر وييئس والعياذ بالله، ولا يتعرض لما فيه الرجاء والأمل.
* الطالب: شيخ، البلاء..
* الشيخ: البلاء بما يُؤلم هذا سوء، والبلاء بما يسر هذا ابتلاء وليس سوءًا.
* الطالب: المؤمن يُبتلى على قدر إيمانه؟
* الشيخ: يُبتلى على قدر إيمانه؛ لأنه أحيانًا يكون الابتلاء بالمصائب ليس من أجل عقوبة لكن من أجل التمثيل وهو البيان، وهذا مر علينا أنه قد يقع ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة ٢١٤].
وقلنا: إن الابتلاء مع استقامة الحال ليس المراد به تكفير سيئة حصلت بل المراد به رفع درجات؛ لأن الصبر ما يكون إلا على بلوى، والصبر مرتبة عالية ما ينال إلا بمشقة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الاختيار في البحث؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الروم ٣٦]. فيكون في ذلك رد لقول مَنْ؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ما له اختيار في العمل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعاقَب على أعمال القلوب، أو قد يُذم على أعمال القلوب؛ لأن القنوط من أعمال القلوب؛ إذ إنه أشد اليأس ومحله القلب.
إلى الغيبة، ففيه تعلية للشأن مثل التعبير بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر ٦٠]، ما قال: وقلت لكم، أو أقول لكم؛ تعظيمًا لشأنه تعالى، ويش يصير المراد بذلك؟ تعظيم شأن هؤلاء الذين أرادوا وجه الله عز وجل بكونهم حصلوا على مضاعفة الأجر والثواب بخلاف الأولين.
ثم قال تعالى: (﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ممن أشركتم بالله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) يقول المؤلف: (لا ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به).
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعني: أوجدكم من العدم، لكن الخلق ليس مجرد الإيجاد بل هو الإيجاد بتقديرٍ، بل إن بعضهم قال: إن الخلق في الأصل هو التقدير، واستدلوا لذلك بقول الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَاخَـــــــــــــــــــــــــــلَقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي
ويش معنى (ما خلقتَ)؟ أي: ما قدَّرتَ، ولكن الصحيح أنه يطلق على الإيجاد المسبوق للتقدير، فمعنى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أوجدكم إيجادًا مسبوقًا بالتقدير والإحكام والإتقان. وهذا مسلم ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: حتى عند المشركين؟ حتى عندهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولا يمكن لأحد إلا المجنون أن يدعي أنه خلق نفسه، أبدًا، أو يدَّعي أنه خُلِقَ بدون خالق، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]؟ لا. فأنت ما خلقك أبوك، ولا خلقتك أمك، ولا خلقك أحد من البشر، ولا من غير البشر سوى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر مُسَلَّم.
ثانيًا: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾..
* طالب: الشيوعية يقولون: خلقتهم الحجارة (...).
* الشيخ: يقولون: إنها الطبيعة، فيعترفون بهؤلاء الخلق، لكن هؤلاء مكابرون لا عبرة بقولهم.
* طالب: أهل الطبيعة، ويش يصفون الخلق؟
* الشيخ: يقولون: هذا شيء وُجِد في الأزل على هذه الصفة وصار يتفاعل ويتوالد، وما أشبه ذلك.
* الطالب: لكن ما هم مقرين أن الله هو الخالق.
* الشيخ: لكن يقرون بموجد، ما يقولون: إن هذا الشيء مثلًا.. إن هذا الإنسان أو هذا الحيوان وُجِد هكذا صدفةً، يُقِرُّون بموجد وهي الطبيعة، فنقول لهم: هذه الطبيعة من الذي أوجدها؟
وقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم ٤٠]..
* طالب: (...) حقيقة الأمر (...).
* الشيخ: ﴿رَزَقَكُمْ﴾ أي: أعطاكم، والرزق في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أعطوهم.
وهل أحد يدعي أن الرازق سوى الله؟ قد يدعي أحد، قد يقول: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الله قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾، فأنا رزقت هذا الإنسان أعطيته، فيقال: لكن من الذي خلق ما أعطيت؟ الله الذي رزقك هذا هو الله، ومهما كان من عمل بني آدم فإنما هو تحويل لا إيجاد، كل عمل بني آدم -حتى الصنائع والبناء وغير ذلك- ليس إلا مجرد تحويل؛ يعني: تغيير من شيء إلى شيء، وإلا فالأصل هو الله عز وجل، هو الخالق، وهو الموجد، هذا الرزق اللي أعطيت مثلًا، هذا الرجل أعطيته كيسًا من الطعام، صحيح أنك رزقته، لكن من الذي أوجد هذا الكيس؟ الله عز وجل، فإذن الرزق أصله من الله وإن كان قد يوجد على أيدي بعض الناس؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» »[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]].
لكن يقال: من الذي خلق هذا الرزق؟ ومن الذي جلبه إليك؟ ومن الذي قدَّر أن تعطيه هذا؟ كله الجواب هو الله.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد هذا الخلق والإمداد؛ الخلق إعداد، والرزق إمداد، الله عز وجل أوجدك وأعدك وهيأك، ثم أمدك بما به قوامك، بعد ذلك يميتكم، ﴿يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد الحياة الدنيا يكون الموت؛ وهو مفارقةُ الروحِ البدنَ مفارقةً تامةً، لأن النوم فيه مفارقة تفارق الروح البدن لكن ليست مفارقة تامة، أما الموت الذي هو الموت فهي مفارقة تامة، ولكنها تُعَاد إليه في قبره إعادةً برزخيةً لا كإعادتها في الدنيا.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الحياة الآخرة التي ليس بعدها فناء.
قال الله عز وجل: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ هذه مضافة إلى المفعول ولَّا إلى الفاعل؟
* طالب: إلى الفاعل.
* الشيخ: ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ الذين أشركتموهم، فتكون مضافة إلى المفعول؛ يعني هل من هؤلاء الذين أشركتموهم بالله؟ ولهذا قال المؤلف: (ممن أشركتم بالله).
* طالب: أشركتم هذا (...).
* الشيخ: لا، أشركتم، لكن أشركتموهم، أصلًا ممن أشركتموهم.
* طالب: أن الإنسان يشرك.
* الشيخ: نعم، إذا أشرك فالمشرَك به مفعول، فمعنى ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ ليس معناه هم الذين أشركوكم، بل أنتم الذين أشركتموهم مع الله، فهو مضاف إلى مفعوله.
قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إعراب ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: فعل الشرط.
* الشيخ: أي شرط؟
* طالب: (هل).
* الشيخ: لا، ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ﴾ (مَن) ويش إعرابها؟
* طالب: مفعول المصدر.
* الشيخ: لا، يحتمل أن تكون نكرة موصوفة، والتقدير: هل من شركائكم أحدٌ يفعل ذلك، ويحتمل أن تكون موصولة على أنها مبتدأ مؤخر؛ أي: الذي من شركائكم، هل الذي يفعل ذلك من شركائكم؟ والأول أحسن؛ أن تكون نكرة موصوفة؛ يعني: هل من شركائكم أحد يفعل من ذلك؟
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِن) زائدة، وصحت زيادتها؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي، و(مِن) تزاد في النفي، كما قال ابن مالك:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)
وقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما هو؟ الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فعلى هذا يكون الجواب عن كونه مفردًا مَذَكَّرًا مع أن السابق أربعة أشياء؛ جمع، يقال: لأنه أُوِّل بالمذكور، ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي: من ذلكم المذكور، فصحَّ أن يأتي اسم الإشارة مفردًا مذكرًا؛ لأنه عائد إلى المذكور.
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: ما يمكن يفعل هؤلاء أي شيء من هذه الأمور؛ لا الخلق، ولا الرزق، ولا الإحياء، ولا الإماتة. وهذا على سبيل التحدي، فإذا كانت هذه الآلهة التي أشركت بالله لا تفعل شيئًا من هذا، هل تصح أن تكون آلهة؟ لا، بل تأليهها باطل؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
يبقى النظر لو ادعى مدعٍ أنه يحيي ويميت؛ كالذي حاج إبراهيم في ربه، إبراهيم ﷺ قال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فما هو الجواب لو قال قائل: إن من المعبودين من يستطيع أن يحيي ويميت؟
نقول: هذه دعوى باطلة؛ لأن الإحياء والإماتة من الإنسان ليست إحياء وإماتة ولكنها فِعْلُ سببٍ يحصل به (...).
﴿