تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا۟ بِهِۦ يُشْرِكُونَ ﴿٣٥﴾
أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥].
* من فوائد هذه الآية: أن أولئك المشركين ليس لهم حجة على شركهم؛ لقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾.
* ومن فوائدها: أن من صنع شيئًا بدليل فلا لوم عليه. من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ يعني لو كان لهم سلطان ما نلومهم، ولا نعذبهم.
* ومنها: أن المجتهد المتأول لا إثم عليه، لماذا؟ لاعتماده في اجتهاده على دليل؛ لأنه استند إلى دليل؛ ولهذا لم يُضمِّن النبي ﷺ أسامة بن زيد، لم يضمنه الرجل الذي قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، السبب؛ لأنه متأوِّل. ولم يُلزِم عمار بن ياسر بقضاء الصلاة حين تيمم عن الجنابة بالتقلب على الأرض والتمرغ فيها، لماذا؟ لأنه مُتأوِّل، ولم يلزم المرأة المستحاضة بقضاء الصلاة وهي تتركها وقت الاستحاضة؛ لأنها متأولة، وعلى هذا فكل متأول يظن أنه على صواب فإنه لا إثم عليه، لكن هل هذا يشمل الأصول والفروع أو هو خاص بفروع الدين؟
قال شيخ الإسلام: إنه يشمل الأصول والفروع، وأنكر شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن يكون الدين منقسم إلى أصول وفروع، وقال: إن هذا التقسيم لا أصل له، لا في الكتاب ولا في السنة، فهذه الصلاة عند المقسِّمين، الصلاة عندهم من قِسْم الأصول ولَّا من قسم الفروع؟ الفروع، وهي من آصل الأصول، هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ومع ذلك هي عندهم من قسم الفروع، وأشياء يختلفون فيها وهي عندهم من قسم الأصول، ويرون أن الاختلاف فيها مساغ؛ كاختلافهم في رؤية النبي ﷺ ربه، واختلافهم في نعيم القبر وعذاب القبر في بعض الصور، وما أشبه ذلك مما هو من العقائد، ومع ذلك يرون أن الاختلاف فيه سائغ.
فالشاهد أن المدار كله على قاعدة من قواعد الشرع، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فمن اجتهد في طلب الحق وتحرَّاه، ولكنه لم يُوفَّق له مع حُسْن النية وصحة المسلك، هل نقول: هذا آثِم؟ ما يمكن، يعني عندنا مثلًا فيه علماء أجلة نشهد لهم بالدين، والصلاح، وحب الإسلام، والانتصار للإسلام، ومع ذلك هم مخالفون للسلف في العقيدة، ونحبهم، ولا نؤثمهم، مِثْل مَنْ؟ كابن حجر، وابن الجوزي، وكذلك النووي، وطوائف من العلماء معروفون بالصلاح والإصلاح وحب الخير، ونعلم أنهم مجتهدون، مع أن الإنسان الذي تبين له الحق ولكنه عاند وأصر هذا يُعامَل بما يقتضيه عناده وإصراره.
وهنا الآن الذي قال الله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ هي في مسألة أصولية، في الشرك، لو كان لهم حجة يعتمدون عليها ما استحقوا العذاب ولا اللوم، ولكن ليس لهم حجة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥]
* يستفاد منها أيضًا: أنه لا بد أن يكون السلطان أو الحجة التي يحتجون بها واضحة؛ لقوله: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾، والتعبير بالكلام هو أوضح ما يكون من الإظهار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور عدل الله سبحانه وتعالى، وإلا لكان عز وجل يعذبهم بدون أن يقيم عليهم الحجة، ولكن لإظهار عدله سبحانه وتعالى صار يطالب بالحجة هؤلاء مع العلم أنه لا حجة لهم، ومن هذا النوع الموازين يوم القيامة، والكتب يوم القيامة، كل هذا لإظهار عدل الله، وإلا فالله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، قادر على أن يُعذِّب بدون ميزان وبدون كتاب، ولكنه سبحانه وتعالى بكمال عدله يُعطَى الإنسان كتابه ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤].
قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك، صحيح، لو تتذكر الحساب بينك وبين واحد معاملة وحساب صادر ووارد، قلت: خذ الدفتر وأنت حاسب، أيش يكون هذا عدل ولَّا لا؟ عدل بخلاف ما لو ما أجملت الحساب وقلت: عليك كذا ولك كذا، قد يكون في هذا شُبْهة، لكن يعطيك الدفتر ويقول: أنت حاسب نفسك، هذا غاية الإنصاف.
فيه بعده: ﴿