×

الروم

الآيات ٢٩–٣٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ﴿٢٩﴾

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿٣١﴾

مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٣٢﴾

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا۟ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿٣٣﴾

بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم ٢٩]، قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ﴾ هذه للإضراب، والإضراب هنا انتقالي وليس إبطاليًّا، ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى لَمَّا بَيَّنَ هذه الآيات الدالة على قدرته وعلى أنه إله واحد لا شريك له بضرب الْمَثَل الأخير، الْمَثَل الذي لا ينازع فيه إلا مُكَابِر، الْمَثَل الأخير ما هو؟ أنه كيف تجعلون لله شريكًا هو يملكه، الله يملكه، فهل لكم أنتم شركاء في أموالكم من مماليككم؟ الجواب: لا، إذن فإنه يدل على أن الله لا شريك له، بعد هذا بَيَّنَ عز وجل أن الذين خرجوا عن ذلك وأنكروا البعث وأنكروا الوحدانية أنهم ليسوا على حق، وإنما هم ظالمون، ولهذا قال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال المؤلف: (بالإشراك)، وهذا تخصيص في غير محله، والظاهر لي أن المؤلف خَصَّصَه مراعاة للمَثَل الذي قبله؛ لأن الْمَثَل الذي قبله واضح في أن الغرض منه إبطال الشرك، ولكن لو قيل: إنه يشمل هذا وغيره من الظلم، كإنكار البعث مثلًا، إنكار البعث لا شك أنه ظلم؛ لأنه يستلزم تكذيب الله عز وجل، كما ثبت في الحديث القدسي أن تكذيب الله «أن الله تعالى لن يعيده كما بدأه»[[أخرج البخاري (٤٩٧٤) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كذَّبَني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأمَّا شتمُهُ إيايَ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ ولم أُولدْ، ولم يكن لي كُفْئًا أحدٌ». ]]، وقد سبق ذِكْرُه، فيكون المراد بالظلم هنا الإشراكَ وغيرَه مما ظلموا فيه أنفسهم. وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، والهوى في الأصل الْمَيْل، ثم إنه لا يطلق في الغالب إلى على الهوى المذموم، فيقال: اتَّبَع هواه دون هُدَاه، وقد يأتي للهوى المحمود كما في الحديث وإن كان فيه ضعف، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ]]، فهنا الهوى التابع لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه هوى محمود. وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: أن هذا الاتباع ليس مبنيًّا على علم، بل هو مبني على الجهل والضلال فيمن كانوا جاهلين، وعلى الاستكبار والعناد فيمن كانوا معاندين، فالذين اتبعوا أهواءهم اتبعوها بغير علم؛ إذا كانوا جاهلين فالأمر ظاهر أنه لا علم لهم باتباع أهوائهم، لكن إذا كانوا معاندين فهل نقول: إنهم بغير علم؟ الجواب: نعم، نقول: إنهم بغير علم؛ لأن مَن استكبر وعاند الحق فإنه كالجاهل بما يستحقه الرب عز وجل، فهو في الحقيقة غير عالم، بل الجاهل خير منه. فإذا قال قائل: كيف يصح نفي العلم مع وجوده؟ قلنا: كما يصح نفي السمع مع وجوده، ونفي البصر مع وجوده لمن لم ينتفع به، أليس الله يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، أو ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، المهم أن نفي العلم لِمَن لم ينتفع به صحيح كنفي السمع عمن لم ينتفع به. والحاصل أن المتَّبِعين لأهوائهم ينقسمون إلى قسمين: قسم جاهل حقًّا بنَى هواه على الضلال، ويمكن أن نُمَثِّل لهؤلاء بمن؟ بالنصارى، فإن النصارى ضالُّون، وقسم آخر مُسْتَكْبِر معانِد، فهذا في الحقيقة لا علم عنده، وإن كان له علم فإنه لا ينفعه بل ضره، كاليهود. قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿فَمَنْ يَهْدِي﴾ (من) اسم استفهام، والمراد بالاستفهام هنا النفي، وقد سبق لنا قاعدة أن الاستفهام إذا جاء بمعنى النفي صار مُشْرَبًا بالتحدي؛ لأنك إذا قلت: مَن يفعل كذا، أعظم مما إذا قلت: لا أحد يفعله، كأنك تقول: هذا أمر لا يمكن، فإن كنت صادقًا فأَرِنِي مَن يفعله، فإذا جاء الاستفهام بمعنى النفي صار أبلغ من النفي المجرَّد؛ لأن الاستفهام بمعني النفي مُشْرَب معنى التحدي. وقوله: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، أين المفعول؟ المفعول محذوف، والتقدير: مَن أضلَّه الله، وهذا المفعول هو عائد الموصول، وعائد الموصول الذي يعود إليه. ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (أي: لا هادي له)، فَسَّر الاستفهام بالنفي، أي: لا هادي له، وهو حق، لكنه كما قلت: أبلغ من النفي المجرد. ثم قال: (﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين من عذاب الله)، الظاهر أن الواو هنا للاستئناف؛ لأن الجملة خبرية، والتي قبلها إنشائية، ﴿مَنْ﴾ إنشائية، هل هو صحيح ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: استفهام. * الشيخ: استفهام، الاستفهام من قسم الإنشاء كما قرأنا في البلاغة، أو ما يُدْرَس في الليل لا يُعْطَى في النهار؟! ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني أن هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم مستحقون للعذاب، ولن يجدوا أحدًا ينصرهم منه، أي: من العذاب، أي: يمنعهم. وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، النفي هنا مؤكَّد بـ(مِن) الزائدة الداخلة على قوله: ﴿نَاصِرِينَ﴾، وأصل الكلام بدون هذه أن يقال: وما لهم ناصرون، أسأل الآن: هل (ما) هنا حجازية أو عربية؟ * طالب: عربية. * الشيخ: عربية؟! * طالب: حجازية. * الشيخ: حجازية، ترى الحجازي معناه الذي يختص به الحجازيون، والعربي الذي للحجازيين والتميميين؟ * طلبة: عربية. * الشيخ: عربية؟ نعم، لماذا؟ لاختلاف التركيب؛ لأن خبرها قُدِّم، ولا تكون حجازية إلا إذا كانت مُرَتَّبَة الاسم قبل الخبر، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم ٣٠]، بعد أن تَوَعَّد هؤلاء المشركين بما توعَّدَهم به، وبَيَّنَ أنه لا أحد يهديهم إذا أضلَّهم الله عز وجل .. مائلًا إليه وعمن سوى ذلك، أليس كذلك؟ ولهذا حُذِفَ المتعلق بالاسم؛ ليكون شاملًا للميل إلى الدين، والميل عن الدين. وأصل الحنف: ميل الرِّجْل، الرجل المائلة تُسَمَّى حنفاء؛ فالحنيف معناه (المائل عن، إلى) أو لا؟ عن الشرك إلى التوحيد، وعن المعصية إلى الطاعة. وقوله: (أي: أخلص دينك لله أنت ومن تبعك) (أخلص دينك لله) هذا تفسير معنوي لقوله: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾، ولو جُعِلَ أعم من ذلك لكان أولى؛ لأن إقامة الوجه تشمل الإخلاص وتمام الإتباع؛ لأن إقامة الوجه نحو الشيء يستلزم متابعته وعدم المخالفة، فيكون شاملًا لإخلاص النية والاتباع اللذين هما أساس العمل، كل عمل لا ينبني على الإخلاص والمتابعة فهو باطل؛ لأنه إذا فَقَد الإخلاص صار شركًا، وإن فقد الاتباع صار بدعة، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] وهذا للإخلاص، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وهذا للاتباع. وقوله: (أنت ومن اتبعك) أتى المؤلف بقوله: (ومن اتبعك)؛ لأنه سيأتينا وصف مجموع وهو قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ إلى آخره، ولا يمكن أن تكون الحال المجموعة للمفرد؛ لأن الحال وصف فكما لا يُخْبَر عن الواحد بالجمع، لا تُجْعل الحال جمع لواحد. وما ذهب إليه المؤلف صحيح من وجهين: أولًا مراعاة اللفظ الآتي، والثاني أن الخطاب للرسول ﷺ خطاب له ولأمته؛ لأن زعيم القوم يُوَجِّه إليه الخطاب الموجه للجميع يقول مثلًا -الركن في الجيش- يقول للقائد: اذهب إلى الجبهة الفلانية، من يريد؟ القائد ومن معه، لا يريده وحده؛ فالخطاب لزعيم قوم خطاب للجميع. فالله عز وجل يوجِّه خطابه للرسول ﷺ والمراد هو والأمة؛ الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، الخطاب مفرد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وبعده ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ مو بوحده هو، بل كل الأمة، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١] فنحن لنا فيه أسوة فنحن له تبع. إذن وجه كون الخطاب لشخص الرسول ﷺ للأمة له وجهان: الوجه الأول أن خطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه بدليل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]. الوجه الثاني أننا مأمورون باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فكل خطاب له يُؤمر به أو يُنهى عنه فإننا تبع له في ذلك. والفرق بين الوجهين ظاهر؛ لأنه على الوجه الأول يكون تناول الخطاب لنا أصلًا مع الرسول ﷺ، وعلى الوجه الثاني يكون توجيه الخطاب لنا عن طريق التبعية. قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خلقته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه). (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه أي: الزموها). قوله: ﴿فِطْرَتَ﴾ البحث فيها من وجهين؛ الوجه الأول من حيث الرسم، الرسم غير جارٍ على القواعد المعروفة، لا في الرسم العثماني ولا في الرسم الحاضر؛ وجه ذلك.. أيش وجه ذلك؟ * طالب: (...) تاء مربوطة. * الشيخ: أن التاء مطلقة (فطرة) وهي مربوطة؛ لأنها مفرد والمفرد تكون التاء فيه مربوطة، وليس في القرآن فطرة مربوطة إلا هذه، هي مفتوحة ولَّا مطلقة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: عجيب، مفتوحة؟! كأن الفتح ضد الكسر، إحنا نسميها مربوطة ومطلقة. * طالب: الفتح ضد الغلق. * الشيخ: طيب، ويش تسمونها؟ * الطالب: مربوطة. * الشيخ: ويش ضد الربط؟ * الطالب: الإطلاق. * الشيخ: الإطلاق، طيب على كل حال، هذا لأن خط القرآن يُتْبَع فيه الرسم العثماني، واستفاضًا في البحث؛ اختلف العلماء رحمهم الله هل يجوز للإنسان أن يكتب المصحف على غير الرسم العثماني أو لا يجوز؟ فمنهم من قال: إنه جائز؛ لأن الرسم العثماني هو عبارة عن شكل وصورة، ولو كان الرسم العثماني في ذلك العهد على غير هذا الوصف لكُتِبَ القرآن به أليس كذلك؟ إذن فخضوعه للرسم العثماني في ذلك الوقت ليس على سبيل أنه نزل على هذا الوجه، لكن على سبيل أن الرسم في ذلك الوقت كان على هذه الصورة، فهمتم؟ ولا شك أنه لو كان على الصورة الموجودة حاليًّا لا شك أنه سيُكْتب عليها ولَّا لا؟ مثلًا (الصلاة) الصورة الحالية بعد الصاد لام ألف؛ يعني القاعدة الحاضرة الآن لام ألف، لكن على الرسم العثماني لام واو. * طالب: الصلاة. * الشيخ: لا، الصلاة (...) (الزكاة) مثلها، (الربا) بالواو مع أنها على الرسم الموجود بالألف، فالحاصل أنَّا نقول: إن بعض العلماء يقول: إنه يجوز أن يُكْتَب القرآن على القواعد المعروفة حاليًّا؛ تعليلهم لأن هذا الرسم شكل صادف أنه في ذلك الوقت على هذا النحو فكتبوه، وليس القرآن نازلًا مكتوبًا بهذا، لو كان نازلًا مكتوبًا بهذا لقلنا: ربما لا يجوز، لكن هذا اصطلاح، وإذا كان اصطلاحًا فكل ما يَتَأَدَّى به الغرض فإنه يجوز. ومنهم من يقول: إنه لا يجوز مطلقًا أن يُخالَف الرسم العثماني وأنه يجب أن يبقى الرسم حتى لو رسمته للصبيان على السبورة يجب أن يكون بالرسم العثماني احترامًا للقرآن. ومنهم من فَصَّل: وقال: إن المُبْتَدِئ يجوز أن نرسمه له بحسب القواعد المعروفة عنده، وغيره لا يجوز قالوا: لأن المُبْتَدِئ يحتاج إلى تعليم؛ لو أنك كتبته بالرسم العثماني للمبتدئ وقلت: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٦] ماذا يقرؤها؟ يمحق الله الربو أليس كذلك؟ (الزكاة) يقول: الزكوت، (الصلاة) الصلوت، وما أشبه ذلك بخلاف الإنسان العالم فإنه يكتبه بالرسم العثماني. وهذه الأقوال أيًّا كان صحيحًا فإن ما يفعله بعض الناس اليوم من جعلهم يكتبون القرآن على صورة النقوش يجعلونها في براويز أيهم أحسن نقشًا فإن هذا محرم على كل الأقوال؛ لأنه أصبح الآن إذا عملنا هذا العمل كأننا جعلنا القرآن وشيًا وتطريزًا فتضيع قيمته، وأقبح من ذلك أن يُجْعَل على صورة إنسان، فقد شاهدت في تقويم (...) صورة إنسان بآية من القرآن، حاطين رأسًا ورجلين كأنه جالس مفترش -أعوذ بالله- مضادة ظاهرة ومحادة لله ورسوله، الصورة محرمة كيف عاد تكتب بها القرآن؟! كذلك كتابة القرآن. والحاصل أن الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- صاروا يبالغون في أشياء تضرهم ما تنفعهم بالنسبة للقرآن الكريم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم صحيح، لكن الذين يقولون بالجواز يقولون: نحن نبغي نكتبها على قراءة واحدة، والقراءات الآن ضُبِطَت (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما سمعت، لا، الخلاف في هذا مشهور، ما فيه (...). والبحث الثاني في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ما الذي نصبها؟ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الذي نصبها فعل محذوف قدره المؤلف بقوله: الزموا فطرة الله، ومثل هذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، فهو إذن أبلغ من ذِكْر العامل الذي هو الْزَم، حذفه أبلغ؛ لأنه إذا وُجِدَ العامل تقيدت الجملة به، لكن إذا حُذِفَ العامل صارت الجملة صالحة له ولسواه مما يمكن أن يتسلط على المعمول، الزموها، اعتنوا بها، تمسكوا بها، وما أشبه ذلك؛ فلهذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، وهو المبالغة في الحث. ثالثًا ﴿فِطْرَتَ﴾ كلمة (فطرة) منين مشتق؟ من (فطر الشيء)، فطر الشيء أي: ابتدعه على غير مثال سابق؛ كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]؛ أي: مبدعهما على غير مثال سابق. هذه الفطرة أبدعها الله عز وجل في الإنسان أو في الناس كما في لفظ الآية على غير مثال سابق؛ ولهذا قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خِلْقَته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه). * الطالب: (...). * الشيخ: لا، البدع والفطر معناهما واحد؛ قال: وهي دينه أو الزموها. ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهذه الآية شاهد للحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] لو أن المخلوق تُرِكَ وفِطْرَتَه ما عَبَد إلا الله؛ ولهذا البهائم العُجْم التي ليس لها مَا يغريها أو (...) هل يمكن أن تعبد اللات والعزى والشمس والقمر؟ الجواب: لا ولَّا نعم؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، فأصل الخلق مفطور على تسبيح الرب عز وجل الخالق، لكن مَنْ أُعطوا العقول هم الذين ربما ينحرفون؛ لأن لهم إرادات واتجاهات بخلاف مَنْ ليس له إلا العقل المعيشي فإنه لا ينطلق عن هذه الفطرة؛ ولهذا البهائم العجم -كما قلت- تعرف خالقها وفاطرها ولا تسبح إلا الله. وقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال: (﴿﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴾ لدينه؛ أي: لا تبدلوه بأن تشركوا). * الطالب: تعريف الفطرة ويش معناه؟ * الشيخ: هو اللي ذكرنا قبل قليل، الفطرة معناه وجود الشيء أو إيجاد الشيء على غير مثال سبق، والمراد بالفطرة هنا توحيد الله ودين الله. * الطالب: هل نقول: قوة في النفس (...) الخالق (...)؟ * الشيخ: لا، ما حاجة، (دين الله) أوضح مثلما قال المؤلف رحمه الله. وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾ كلنا يعرف أنه نفي؛ لأن (لا) نافية للجنس، فهل هو باقٍ على كونه نفيًا لفظًا ومعنًى، أو أنه نفي لفظًا خبر معنى؟ المؤلف مشى على الأخير، وأنه نفيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا هذه الفطرة بالإشراك، والنفي يأتي بمعنى النهي كثيرًا مثل؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، عليه الكثير. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا نهي، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢]؛ فإنه فيها تفسيرينِ على ما تقدم؛ أحدهما أنها بمعنى النهى أي: ليس فيه ريب ولا شك، والثاني بمعنى النهي لا ترتابوا فيه، ومثل قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج ٧]، هذه ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبدلوا خلق الله بالإشراك، بل أقيموا وجوهكم حنفاء، ويجوز أن يكون نفيًا على ظاهره، وأنه لا أحد يُبَدِّل خلق الله كما في قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]، ويكون المعنى أن الأمر بيد الله عز وجل؛ فمَن شاء هداه بقى على فطرته، ومن شاء أن يُضِلَّه أضله، فلا أحد يستطيع أن يبدل خلق الله، وإنما الذي بيده الأمر هو الله؛ وعلى هذا فيكون في الآية وجهان: الوجه الأول أنها خبر بمعنى النهي. والثاني أنه خبر على بابه، وعلى الأول الأمر ظاهر، أي المعنى ظاهر أنكم لا تبدِّلوا فيكون (...) معنى على الإشراك، وعلى الثاني يكون وجهه أن هذه الفطرة التي فطر الله عليها الخلقَ لا أحدَ يستطيع أن يبدلها، بل الذي يبدلها هو الله، فمن أراد الله هدايته لم يضله أحد، ومن أراد الله إضلاله لم يهده أحد، لا سيما وأنه قال قبل هذا: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم ٢٩]. طيب، من جملة أخبار التبديل ما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، وذِكْر الأبوين ليس على سبيل الحصر، وإنما هو على سبيل التنظير والتمثيل؛ يعني أن من يتصل بهذا الإنسان يجعله يهوديًّا أو نصرانيًّا، وكم من إنسان تَنَصَّر لا عن طريق الأبوين ولكن عن طريق الجلساء والرفقاء، ومن ثَمَّ حذر النبي عليه الصلاة والسلام من جليس السوء ورغب في الجليس الصلاح، وقال: «إِنَّ مَثَلَ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ أَوْ يَبَيعَكَ أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَّ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[أخرج البخاري (٥٥٣٤) ومسلم واللفظ له (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة».]]. * طالب: نافخ الكير (...). * الشيخ: لا، معناه ما كان لمؤمن، هذه بمعنى أنه ممتنع غاية الامتناع؛ لأن (ما كان) و(ما ينبغي) وما أشبه ذلك في القرآن تأتي بمعنى ممتنع غاية الامتناع. * طالب: (...). ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة ١١٥]. * الطالب: (...) الأخير ما (...) تقال: جبرية. * الشيخ: لا، الرسول ﷺ يقول في خطبته. ويش يقول؟ «مَنْ يُهْدِ اللَّهَ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه أبو داود (٢١١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. * الطالب: (...) ما أحد يستطيع أبدًا، يعني: إن شاء الله هداه (...). * الشيخ: نعم، ما فيه شك، ما أحد يستطيع هداية الإنسان أبدًا أو انحراف إنسان إلا بإذن الله، هذا النبي عليه الصلاة والسلام حَرِصَ غاية الحرص وبذل ما يستطيع من جهد في هداية عمه أبي طالب، ولكن ما تمكن ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، وليس معنى ذلك أننا إذا قلنا: إن الأمر بيد الله عز وجل وأنه هو الذي يضلُّ ويهدي ليس معنى ذلك ألا نفعل الأسباب، كما أن الأمر بيد الله في إيجاد الأشياء، إيجاد الرزق، إيجاد الولد، دفع الضرر، هل نحن نفعل الأسباب أو نبقى حائرين؟ نفعل الأسباب. نحن نقول: الهداية بيد الله والإضلال بيد الله، لكن لكل منها سبب. * طالب: وهو أولى اللي مشى عليه المؤلف؟ * الشيخ: ما قاله المؤلف له وجه؛ لورود ذلك في اللغة العربية، والوجه الثاني هو الأصل؛ لأن اللي عندي النفي، فمن صرفه عن ظاهره يحتاج إلى دليل. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]