×

الروم

الآية ٢٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٢٨﴾

ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، حطوا بالكم من كلمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ وبهذا التفسير الذي فسرناها به يتبين أن المؤلف رحمه الله قد قَصَّر في تفسيرها. (﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾، ﴿ضَرَبَ﴾: جعل، ﴿لَكُمْ﴾ أيها المشركون، ﴿مَثَلًا﴾ كائنًا، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وهو..). ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ الْمَثَل بمعنى الشَّبَه والنظير، يعني: ضرب لكم أمرًا نظيرًا لما فعلتم أنتم في جانب الله عز وجل، ما هذا الْمَثَل؟ ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول: (وهو ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، ﴿مِنْ مَا﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من مماليككم، ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ لكم). كلمة ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إعرابها أنها مبتدأ دخل عليها حرف (مِن) لأجل العموم، ولكنه قد يُشْكِل علينا أن (من) ما تُزَادُ إلا بعد النفي، ابن مالك ويش يقول في هذه المسألة؟ وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ اللي معنا الآن ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ قلنا: إن (من) هذه زائدة إعرابًا، ولكنها في المعنى لها معنى، وهو التنصيص على العموم، وذكر ابن مالك أنها لا تُزَاد إلا بعد نفي وشبهه، اللي معنا الآن شِبْه نفي نعم؛ لأنه استفهام بمعنى النفي، يعني: ما لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم. وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ أي: مشاركين لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، هذه قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ليست عائدة على النفي، لكنها عائدة على الْمَنْفِيّ، يعني: فهل أنتم سواء فيما رزقناكم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ أي: أمثالكم من الأحرار، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟! قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول المؤلف رحمه الله: (أي: أمثالكم من الأحرار)، فجعل الأنفس هنا بمعنى الجنس؛ لأن النفس كما تقدم تأتي بمعنى الجنس، يعني: يقول: هل هؤلاء المماليك شركاء لكم في رزقكم من الأموال والأولاد، ومساوون لكم، وتخافونهم كما تخافون من أنفسكم؟ ويش الجواب؟ لا، فإذا كان كذلك فلماذا تجعلون هذه الأصنام شركاء مع الله وهي مخلوقة له مملوكة مربوبة له. إذن الْمَثَل واضح جدًّا في أن هؤلاء المشركين يُفَرِّقُون بين المتماثِلَيْن، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: فكما أنكم الآن بإقراركم أن عبيدكم لا يساوونكم في المنزلة، ولا يشاركونكم في الرزق، فكذلك أيضًا ما يملكه الله عز وجل من هذه الأصنام وغيرها لا يساوون الله تعالى في المنزلة، ولا يشاركونه في الحقوق، وهذا مَثَل ظاهر جدًّا. مثاله أيضًا من أنفسنا نحن، هذا رجل يُؤَدِّب ولده إذا أخطأ، فقال له بعض الناس: ليش تؤدب ولدك، ليش تضربه، ليش تنهره؟ ماذا يقول لهم؟ يقول: ألست تفعل بولدك مثل هذا؟ أيش الجواب؟ الجواب: بلى، إذن كيف تلومني على شيء تفعله أنت؟ هذا الذي ذكر الله عنهم يقال لهم: كيف تجعلون مع الله شريكًا فيما يستحقه وحده، وأنتم لا تجعلون لأنفسكم شريكًا من عبيدكم فيما تَخْتَصُّون به من الرزق، والعجيب أن هذه الآية استدل بها مَن يرون الاشتراكية، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدؤوا يأتون بالنصوص المتشابهة، وقالوا: هذه الآية صريحة في الاشتراكية. كيف ذلك؟ قال: لأنه يقول: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ شوف كيف التلبيس؟ وهذه ما هي على ما أرادوا، هذه داخلة في النفي، يعني: لستم فيه سواءً، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: هذا معنى الآية، لكن دائمًا أهل الباطل يُلَبِّسُون لباطلهم بمتشابه النصوص، وهذه من حكمة لله عز وجل أنه في النصوص أشياء متشابهة ليَضِلّ بها مَن يَضِلّ، والله أعلم، وهذه وجدتها (...) ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: أولًا: أن البرق من آيات الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن البرق يشتمل على الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. وسبق أن الصحيح أنها ليست مُوَزَّعَة كما ذهب إليه المؤلف، بل هي صفة مشتملة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى بإنزال الماء من السماء. * ومنها: رحمته بالخلق، حيث كان إنزال هذا المطر من السماء، هذا واحد، وحيث كان ينزل شيئًا فشيئًا؛ لأنه لو كان ينزل دفعة واحدة لأهلك الناس. * ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يحيي الأرض بعد موتها، تجد الأرض يابسة ما فيها عود أخضر، ثم بعد نزول المطر تصبح مُخْضَرَّة تهتز. * ومنها: رحمته بالخلق أيضًا، فإن إحياء الأرض نافع للإنسان والحيوان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول، تؤخذ؟ * طالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال العقل في القياس، في قياس الأشياء المتشابهة، والنظير على نظيره. * ومن فوائدها: أن القياس من الأدلة العقلية، وإن كان ثابتًا بالشرع، لكن طريقه هو العقل؛ لأن العقل يهتدي بهذا على هذا، وينتقل من هذا إلى هذا. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: أن قيام السماوات والأرض بأمر الله، ليس للمخلوقين فيه تعلُّق إطلاقًا، الله تعالى هو الذي يُقِيمُها، يقيم السماوات والأرض، سواء القيام الحسي أو المعنوي. * ومنها: إثبات الكلام لله، من أين؟ * طالب: قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾. * الشيخ: لا، قبل. * طالب: ﴿بِأَمْرِهِ﴾. * الشيخ: ﴿بِأَمْرِهِ﴾، والمؤلف قال: (بإرادته)، وقد تقدم التنبيه على هذا، أن المراد ﴿بِأَمْرِهِ﴾ اللي هو الكلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى ببعث الموتى بكلمة واحدة، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ولاحظوا يا جماعة أن المسألة ما هي بخلق واحد فقط أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة، بل هي ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، دعوة واحدة يكون بها جميع الخلق خارجين، وهذا لا شك أن فيه ما هو من أبلغ القُدَر، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. * ويستفاد من الآية أيضًا: أن مَقَرّ بني آدم الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥] ، فالمعمول في هذه الآية مُقَدَّم، ﴿فِيهَا﴾ و﴿مِنْهَا﴾، وتقديم المعمول يدل على الحصر، ومن هذا الشيء (...). إذن فالحياة على الكواكب متعذِّرة بالنسبة لبني آدم، هذا هو ظاهر الآيات؛ لأن بني آدم خُلِقُوا من الأرض ويرجعون إلى الأرض، ويُدْعَوْن يوم القيامة من الأرض. * ومنها: إثبات الكلام لله في قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾. أما قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * فيستفاد منها: عموم ملك الله، من أين يؤخذ العموم؟ العموم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأن (من) اسم موصول، والموصولات كلها تفيد العموم. * ويستفاد من الآية: انفراد الله عز وجل بالملك واختصاصه به، من أين يؤخَذ؟ من تقديم الخبر، ﴿وَلَهُ مَنْ﴾، يعني: لا لغيره، أو لا؟ وهنا يَرِدُ علينا إشكال في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، هذا العموم نجد أن بني آدم يملكون أشياء من هذا، أو لا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: فما هو الجواب عن ذلك؟ نقول: الجواب عن هذا أن ملك بني آدم ملك مقيَّد بتمليك مَن له الملك، ولذلك أنت لا تستطيع أن تتصرف بمالك كما تشاء، هل تملك أن تحرق مالك؟ ما تملك أن تحرقه، ولا أن تتلفه، صحيح تملكه بالنسبة لغيرك من الآدميين ما يقدرون يمنعونك، لكن بالنسبة للخالق الذي له الملك يمنعك من هذا، فصار ملكنا لما نملك ليس ملكًا تامًّا. دليله أو وجهه أننا لا نستطيع ولا نملك أن نتصرف فيما بين أيدينا كما نشاء. * ويستفاد من الآية الكريمة: خضوع الكائنات لربها سبحانه وتعالى، من أين؟ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، وأن جميع الكائنات خاضعة لله. * ويستفاد من ذلك: أن القنوت لا يختص بالقنوت الشرعي، وأكثر الناس يظنون أن القنوت يختص بالقنوت الشرعي، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، هذا قنوت شرعي لا شك، لكن الآية هذه وما أشبهها تدل على أن القنوت أنه الخضوع لله عز وجل، سواء كان ذلك خضوعًا شرعيًّا أم كونيًّا. ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الخلق حادث بعد أن لم يكن، أو لا؟ الخلق حادث بعد أن لم يكن، من أين يؤخذ؟ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، فيكون في الآية ردٌّ لقول الفلاسفة القائلين بِقِدَم العالم، والصواب أن العالم حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إعادة الخلق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: استعمال قياس الأَوْلَى، وأظنكم تعرفون قياس الأَوْلَى في أصول الفقه، الاستدلال بالنظير على نظيره هذا قياس مساواة، والاستدلال على الشيء الذي يكون أَوْلَى من الْمَقِيس عليه يسمونه قياس الأَوْلَى، فهنا في الآية استعمال قياس الأَوْلَى، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. * الشيخ: قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إعادتُه، فإنه إذا كان قادرًا على الابتداء فهو على الإعادة من باب أولى. * طالب: على أحد الوجهين يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم، على ما مشى عليه المؤلف. * ومن فوائد الآية: إثبات كمال الصفات لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * ومن فوائدها: الرد على أهل التعطيل الذين ينكرون صفات الله عز وجل، فإن الذين ينكرون صفات الله ما جعلوا له الْمَثَل الأعلى، بل جعلوه موصوفًا بالنقائص -والعياذ بالله- سواء كان هذا التعطيل كليًّا أم جزئيًّا؛ لأنه إن كان كليًّا كما فعل الجهمية وسَلَبُوه جميع الصفات، وكذلك المعتزلة قالوا: له أسماء بدون صفات، فلاحظ أنهم سَلَبُوا الكمال عن الله، أما إذا كان جزئيًّا كما فعل الأشاعرة والماتُريدية ونحوهم فإن هذا فيه سَلْب الكمال عن الله فيما وصف به نفسه، أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] الاستواء صفة كمال، وهم يقولون: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى: استولى، فلم يجعلوا للعرش خصيصةً بالاستواء عليه؛ لأن الله تعالى مستولٍ على كل شيء. وكذلك أيضًا إذا قالوا: إن المراد بالآيات خلاف الظاهر، فإنهم وصفوا الله عز وجل بالنقص، كيف ذلك؟ لأن إرادة المتكلم بكلامه خلافَ الظاهر بدون بيان يعتبر تدليسًا وتمويهًا، والله عز وجل ما أنزل القرآن إلا للبيان، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، فإذا قلنا: إن الله أراد بهذا خلاف الظاهر، فهذا وصف له بالتعمية سبحانه وتعالى، وأنه لا يريد البيان، وهذا لا شك أنه نقص، ولهذا نقول: إن جميع مَن أنكروا صفات الله عز وجل كلية أم جزئية فإنهم قد صفوا الله سبحانه وتعالى بالنقص، واضح؟ * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن كل صفة وصف الله بها نفسه فهي صفة كمال، أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾. * الشيخ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، فإذا أثبت لنفسه صفة عَلِمْنَا أنها صفة كمال، الرحمة أثبتها الله لنفسه، صفة كمال ولَّا نقص؟ * طالب: كمال. * الشيخ: كمال، لكنها عند أهل التعطيل الْمُحَرِّفين هي صفة نقص، يقولون: إن الرحمة تدل على الْخَوَر والضعف، فلهذا رحمة الله لا يراد بها الرحمة وإنما يراد بها الإحسان، أو مرادف الإحسان، يفسرونها إما بالجزاء المفعول المخلوق، وإما بإرادته، وعلى هذا فَقِس. هل يستفاد من هذه الآية الكريمة استعمال قياس الأَوْلَى في حق الله، وأن نقول: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أَوْلَى بها؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام رحمه الله يُقَرِّر هذا، بأن استعمال قياس الأولى في حق الله جائز، أما قياس التمثيل وقياس الشمول فهذا ممتنع؛ لأنه هو التشبيه، فإذا قلنا: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أولى بها، صح. لكن يجب أن نعلم أن صفات المخلوق الكاملة التي تكمل نقصه كاملة في حقه، لكن لتكميل نقصه هذه لا يُوصَف الله بها، يعني هي كاملة في حق المخلوق، لكن لتكميل نقصه، فإن الخالق لا يُوصَف بها؛ لأنها وإن كانت كاملة فهي في الواقع نقص، مثل الأكل والنوم والنكاح، وما أشبه هذا، هذه الصفات في حق المخلوق أيش؟ صفة كمال؛ لأن اللي لا يأكل معناه مريض، والذي لا ينام معناه مريض، والذي لا يتزوج معناه أنه مريض، فَفَوَات هذه الصفات نقص في المخلوق، لكنها لما كانت تكميلًا لنقصه صارت لا يوصَف بها الخالق، لحاجة الإنسان إلى الأكل صار يأكل، واللي ما يشتهي يموت، اللي ما يشتهي ولا يأكل آخره الموت. وكذلك لما كان الإنسان يتعب ويحتاج إلى صفة تقطع هذا التعب، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ ٩]، صار النوم في حقه كمالًا، وكذلك لما كان الإنسان محتاجًا إلى بقاء النسل والنوع صار النكاح في حقه كمالًا، وفي الحقيقة تكميل لنقص، لكن لا يُوصَف الله به عز وجل؛ لأن الله كامل من جميع الصفات. * طالب: شيخ، سبق لنا أن الصفات توقيفية، ولو فتحنا هذا الباب كما قال شيخ الإسلام رحمه الله فربما الإنسان يقيس بعقله ويخطئ لأنه قد يظن هذا كمالًا وهو ليس صفة كمال، يعني توقيفية. * الشيخ: بيَرِدُ علينا هذا الشيء، لكن نقول: كل صفة كمال من حيث العموم والجنس، أما أن نقول: كل صفة مثلًا تثبت للمخلوق نثبتها للخالق هذا ما يمكن ما يستقيم، أما من حيث الجنس كل صفة كمال في المخلوق فالله أولى بها. * طالب: لكن ما لم يَرِد (...). * الشيخ: هو مؤيد، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: مثل ما قلنا: المقصود الجنس، أما كل صفة مثلًا ما يمكن، خصوصًا .. * الطالب: المثل الأعلى فيما ورد من الصفات، فيما ورد السمع .. * الشيخ: لا، مطلقًا، حتى - مثلًا الأشياء التي قد لا قد تكون موجودة في النص وهي من صفات الله، يعني قصدي أنها من الكمال، والله تعالى متَّصِف بها. * الطالب: وهل هي (...)؟ * الشيخ: ممكن الصفات الخبرية قد نقول: إن الصفات الخبرية أنها تمتنع أن يقاس الله بالخلق، ولا قياس الأولى، كالعين واليد، وما أشبهها، فهذه قد نقول: إنها ما يمكن أن نقيس قياس الأولى، فالأُذُن في المخلوق كمال، لكنها في الخالق ما تُثْبَت له؛ لأنها ما ورد بها الشرع. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات العزة؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الحكمة ﴿الْحَكِيمُ﴾، وإثبات الْحُكْم أيضًا من قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: قطع الاعتراض أو على الخلق والشرع، بمعنى أنك ما تعترض على خلق الله أو على شرعه، وإنما تُسَلِّم، كيف ذلك؟ لأنك إذا آمنت بالحكمة، أن الله تعالى حكيم، فحينئذ ينقطع الاعتراض نهائيًّا، ما تقول: لِمَ، ولا من أين، إلا على سبيل الاسترشاد. * ومن فوائد الآية الكريمة: اطمئنان الإنسان التام لما قَدَّرَ الله تعالى وشَرَعَهُ، حيث إنه صادر عن الحكمة. * * * نبدأ الآيات الجديدة الآن، قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. قوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ﴿مَلَكَتْ﴾ هذه هي صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: مَلَكَتْهُ أيمانكم. وقوله: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الأيمان جمع يمين، وهي اليد، وأضيف الملك إلى اليد؛ لأن غالب تصرفات الإنسان بيده، وأضيف إلى اليمين؛ لأنه أشرف من اليسار. وقوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المراد: ما ملكت الأيمان من الإنسان، ولهذا قال المؤلف: (أي: مماليككم) أي: من مماليككم. وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ هذه هي المبتدأ، والخبر، وين الخبر؟ * طالب: ﴿لَكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ المقدَّم، ولكن المبتدأ دخلت عليه (مِن) لإفادة العموم، أو للتنصيص على العموم؛ لأن (مِن) الزائدة -كما تقدم لنا- تفيد التنصيص على العموم. وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إذا قال قائل: كيف جاءت (مِن) زائدة وهي لم تُسْبَق بنفي؟ * طالب: سُبِقَت بشبهه. * الشيخ: سُبِقَت بشبهه نعم. هل لكم شركاء لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، يقول المؤلف: (﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره)، والجواب لا ولَّا نعم؟ الجواب: لا، ليس لنا مما ملكت أيماننا شركاء فيما رُزِقْنَا، فالمملوك لا يشاركك في مالك، ولا يشاركك أيضًا في ولدك، ولا يشاركك في أي شيء تملكه. وقوله: (﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، المؤلف أتى بكلمة (وهم)؛ لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين، فلهذا أتى بقوله: (وهم)، ولا حاجة إليها في الحقيقة، الكلام تامٌّ بدونها؛ إذ من الممكن أن نقول: ﴿فَأَنْتُمْ﴾ الضمير يعود على المالك والمملوك، فأنتم أيها المالكون والمملوكون فيه سواء، وحينئذ لا نحتاج إلى تقدير: وهم. وقوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، هذا الذي تَسَلَّطَ عليه النفي، يعني: لستم فيه سواء. (﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أمثالكم من الأحرار)، ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على (ما) ﴿مِنْ مَا﴾، باعتبار اللفظ ولَّا باعتبار المعنى؟ باعتبار المعنى؛ لأن (ما) لو عاد إليها الضمير باعتبار اللفظ لعاد إليها مفردًا، فلما عاد إليها جمعًا صار باعتبار المعنى. وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، المؤلف رحمه الله جعل الأنفس بمعنى الجنس، يعني: كما تخافون من جنسكم، ولهذا قال: (أي: أمثالكم من الأحرار)، ويمكن أن يقال: إنه يعود على ذات الإنسان ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: كما أنكم لكم التسلُّط على أموالكم فأنتم تخافون أن يتسلطوا على هذه الأموال كما تتسلط أنفسكم. وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هذا مصدر مضاف إلى الفاعل، و(أنفس) هي المفعول، قال المؤلف رحمه الله: (والاستفهام بمعنى النفي، أي: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له). وهذا مثل واضح؛ لأنه إذا كان أنت اللي تملك لا يشاركك في مالك، وفيما هو من خصائصك فكيف تجعل لله تعالى شريكًا فيما هو من خصائصه؟ الكلام واضح جدًّا في إلزام هؤلاء بعدم الشرك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ قال المؤلف: (نُبَيِّنُها مثل ذلك التفصيل ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون). ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو إذن مفعول مطلق، أين عامله؟ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أي: مثل ذلك التفصيل والتبيين نُفَصِّل الآيات، ولكن مَن الذي ينتفع بها؟ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. فإذا قال قائل: إن الله تعالى فَصَّلَ الآيات للعاقلين وغير العاقلين، فلماذا خَصَّ ذلك بالعاقلين؟ الجواب: لأنهم المنتفعون بهذا التفصيل، مثلما وصف الله القرآن بأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢] ، وفي آية أخرى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عامة، فباعتبار الهداية المطلقة هو عامّ، وباعتبار الانتفاع هو خاص، والله أعلم. ﴿