تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ﴿٢﴾
فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾
فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾
غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ وهم أهل الكتاب، غلبَتْها فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأوثان، ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارسُ الرومَ).
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: هذا فعل مبني للمجهول، و﴿الرُّومُ﴾: نائب فاعل، وأنَّثَها ﴿غُلِبَتِ﴾، ما قال: (غُلِبَ الرومُ) مع أن الذين يحاربون هم الرجال، ولكنه أنَّثَها باعتبار القبيلة، والذي غلبها الفرس، والحكمة -والله أعلم- في حذف الفاعل ليكون ذلك أعظم إهانة لهم للفرس، وليكون هذا أخفى بالنسبة لذُلِّ الروم وخذلانها.
أقول: أخفى الفاعل لسببين:
السبب الأول: إهانة للفرس وأنهم ليسوا أهلًا للذِّكْر.
وثانيًا: تهوينًا للأمر على الروم؛ لأنه إذا قيل للإنسان: أنت غُلِبْتَ، أهون مما إذا قال: غلبك فلان؛ لأنه إذا قال: غلبك فلان، صار معناه أنه ذليل لهذا الرجل المذكور.
وقوله: (الروم: أهل الكتاب)، لو قال المؤلف: (أهل كتابٍ) لكان أحسن؛ لأن الروم نصارى، وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، فلو قال: (أهل كتاب) لكان أحسن.
(غلبتها فارس وليسوا أهل كتاب، بل يعبدون الأوثان)؛ لأنهم مجوس يعبدون النار.
(ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم): يعني أن كفار مكة تفاءلوا بهذا الشيء وقالوا: إذا كان الروم أهل كتاب وغلبتهم الفرس وهم أهل أوثان فهذا مفتاح نصر لنا؛ أن نغلب المسلمين الذين هم أهل كتاب ونحن أهل أوثان.
يقول: (﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أي: أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة التقى فيها الجيشان، والبادي بالغزو الفرس).
قوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، قيل: المعنى أقرب الأرض إلى فارس، وأن فارس اعتدوا على الروم فحصل القتال بينهما.
وقيل: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: في أقربها إلى أرض العرب، وهذا يرجع إلى التاريخ الذي يحدد موقع هذه المعركة حتى نعرف أدنى الأرض، إنما لا شك أن ﴿أَدْنَى﴾ بمعنى أقرب.
قال: (﴿وَهُمْ﴾ أي الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أضيفَ المصدرُ إلى المفعول، أي: غلبة فارس إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ ).
شوف تأكيد هذا الوعد أُكِّدَ هذا الوعدُ حيث صُدِّرَ بالاسم ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾؛ لأنه إذا صُدِّرَ بالاسم صار جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت، وأُكِّدَ من وجه آخر بقربه حيث كان الخبر مقرونًا بالسين الدالة على القرب، ثم أُكِّدَ أيضًا بمؤكِّد ثالث وهو قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ لتحقُّقِ الغلبة وأن هذا أمر لا بد أن يقع ولو كانوا مغلوبين؛ لأنه لو حُذِف ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وهم سيغلبون، لكان الإنسان يقول: سيغلبون ولو غُلِبوا؟! لعلهم إذا كانوا قد غُلِبوا لا يغلبون. فلما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ صار في ذلك تأكيد للغلبة.
فصار تأكيد غلبة هؤلاء من وجوه ثلاثة، علِّمْنا بها، هات المؤكدات الثلاثة، المؤكدات لكونهم يغلبون.
* طالب: الضمير.
* الشيخ: ويش هو الضمير؟
* الطالب: ﴿هُمْ﴾.
* الشيخ: ويش وجهه للمؤكِّد؟
* الطالب: دخول السين.
* الشيخ: لا، مَن يعرف؟
* طالب: الجملة الاسمية.
* الشيخ: نعم، وجه التأكيد أنه حوَّل الجملة إلى اسمية وهي دالة على الثبوت والاستمرار، يلا كمِّل الثالث.
* الطالب: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾، ما وجهه؟ مَن يعرف الوجه؟
* طالب: أنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ يمكن (...) لا يغلبون.
* الشيخ: كذلك أنهم سيغلبون حتى في حال غلبهم، طيب.
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ لكن ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (في بضع سنين) متعلق بقوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ أي: في خلال هذا البضع.
(﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾: هو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر): ما بين الثلاث إلى التسع، أو ما بين الثلاث إلى العشر. ما بين الثلاث إلى التسع كم يصير؟ الرابع أربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية: خمس سنين، وإلى العشر؟
* طالب: ستة.
* الشيخ: ست سنين، هذا البضع، يعني إما خمس سنوات وإما ست سنوات أو لا؟
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى العشر يصير: أربع -اللي بين الثلاث والعشر-: أربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع.
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى التسع يكون: أربع خمس ست سبع ثمان: خمس سنوات، يعني الثلاث هي داخلة ولَّا غير داخلة؟
* طالب: غير داخلة.
* الشيخ: غير داخلة، ما قال: من الواحد إلى العشر، أو ما بين الواحد إلى العشر، قال: (ما بين الثلاث إلى التسع).
* طالب: البضع يعني أكثر من الثلاث إلى العشر؟
* الشيخ: إيه كم يصير؟
* الطالب: يصير أكثر..
* الشيخ: لا موجب كلام المؤلف أنه ما هو بأكثر، لو قال يعني: تضمن ما زاد على الثلاث.
* الطالب: إي نعم، يعني إما أربعة..
* الشيخ: ما زاد على الثلاث إلى العشر.
* طالب: ليش (...)؟
* الشيخ: نعم؟ والله فيه احتمال، وهذا ينبغي أن إحنا نفهم في الأول؛ أن البضع من الواحد إلى التسع أو إلى العشر، لكن تعبير المؤلف فيه إشكال.
* طالب: (...) يبدأ الثلاث (...) البضع دا (...) ثلاثمئة (...) البضع: أربع خمس ست، يعني أكثر من ثلاث يُعَدُّ بضعًا إلى العشر.
* الشيخ: وما دونها ليس ببضع؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إيه نعم، إذن معناه نقول من الواحدة إلى العشرة، لكن ما دون الثلاث.
* الطالب: ليس ببضع.
* الشيخ: لا يدخل في هذا نعم.
* طالب: (...) يدخل (...) قد يكون ما بعد (...) واللي قبله (...).
* الشيخ: إي نعم، على كل حال نرجع إلى فهمنا الأول أنه يكون من ثلاث إلى تسع أو إلى عشر، يعني ما دون الثلاث لا يدخل في البضع.
* طالب: والثلاثة.
* الشيخ: والثلاث لا على كلام المؤلف: (ما بين الثلاث) أنه ما يدخل الثلاث؛ لأن ما بين الشيء والشيء ما يدخل فيه الجانبان.
قال: (فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول وغلبت الروم فارس): (التقى) يعني: حصل بينهما حرب أخرى فغلبت الروم فارس، فصدق بذلك وعد خبر الله سبحانه وتعالى بأنهم سيغلبون في بضع سنين؛ لأنه ما تجاوز الأمر سبع سنوات حتى كانت الغلبة للروم على الفرس، فصدق الله وعده أنهم سيغلبون في هذه المدة، قال: تكون الغلبة في هذه المدة.
* طالب: (...) غلبة يعني يأخذ بضع سنين (...).
* الشيخ: لا، المعنى أن الغلبة تتم في خلال سبع سنين، وليس المعنى أن الغلبة تستمر سبع سنوات.
وقوله: (﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم ٤] أي: من قبل غلب الروم ومن بعده، المعنى: أن غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته).
قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هذه الجملة اسمية قُدِّمَ فيها الخبر لإفادة الاختصاص: لله وحده الأمر، (ال) هذه للاستغراق، يعني كل الأمر، و(ال) التي للاستغراق هي التي يحل محلها (كل)، فإن كانت لاستغراق المعنى فهى لاستغراق المعنى، إن كانت لاستغراق الأفراد فهى لاستغراق الجنس:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] (ال) هذه لاستغراق الجنس؛ لأنه يصح أن يحل محلها (كل) فيقال: وخلق كل إنسان ضعيفًا.
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢] هذه (ال) أيضًا لاستغراق الجنس أي كل إنسان. وإن كانت لاستغراق المعنى فهي لاستغراق المعنى، ومثَّلوا لذلك بقولهم: (زيدٌ نِعْمَ الرجلُ). أي: نِعْمَ الشخص الجامع لصفات الرجولة.
هنا ﴿الْأَمْرُ﴾ (ال)؟
* طالب: لاستغراق الجنس.
* الشيخ: لاستغراق الجنس نعم، أي: لله كل أمر.
وقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هل المراد بالأمر هنا الأمر الكوني أو الأمر الشرعي؟ الأمر الكوني، أي: إن جميع الأمور ترجع إلى الله عز وجل، سواء المتعلقة بأفعال العباد أو المتعلقة بأفعال الله سبحانه وتعالى فإنها راجعة إليه، وقد سبق لنا في التوحيد أن الأمر ينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي.
مثال الأمر الكوني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
مثال الأمر الشرعي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه الإرادة، الأمر الشرعي أوامر الله الشرعية مثل: افعلوا كذا وكذا، مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمره الشرعي ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣].
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾.
* الشيخ: نعم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾، [النساء: ٥٨] هذا أمر شرعي.
قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء ١٦]، من أي الأمرين؟
* طلبة: الكوني.
* الشيخ: من الأمر الكوني، هذا هو المتعين؛ أن الله يأمرهم أمرًا كونيًّا بالفسق فيفسقون.
وأما من قال: إن المراد بالأمر في الآية الأمر الشرعي، وأن الله يأمرهم فيفسقون -يعني يأمرهم بالطاعة فيفسقون ثم يأخذهم بالعذاب- فهذا القول باطل؛ لأنه يقتضي أن يكون المعنى: أن الله يرسل الرسل فيأمر الناس بطاعة الله ويش هو لأجله؟ لأجل أن يفسقوا فيحل بهم العقاب. وهذا معنى يرجع إلى أن المعنى أن الله بعث الرسل نقمة على العباد، وهو أمر لا يمكن.
ثم إننا نقول: الأمر الشرعي هل يختص بالمترفين؟ عام لهم ولغيرهم، والمهم أن هذا القول ضعيف وباطل وينافي حكمة الله عز وجل في إرسال الرسل.
هنا ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ قلنا: المراد به الأمر الكوني. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قد يقول أصحاب النحو: لماذا ضُمَّت مع أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر؟
* طالب: لأن فيه محذوفًا لفظًا ما هو موجود أي لله الأمر من قبل كل شيء وبعده، أي يبنى على الضم في محل جر، مبني على الضم في محل جر؛ لأن الضمة موجودة لفظًا ومجرور محلًّا.
* الشيخ: لأن (قبل وبعد) إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، هذا السبب: إذا حُذف المضافُ إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، فإن وُجِد المضاف صارا مُعْرَبَيْن، فتقول: (أتيت من قبلِ أن يأتي زيد) فتجرها.
وكذلك إذا حُذِف المضاف إليه ولم يُنْوَ لا لفظًا ولا معنًى فإنها تعرب كقول الشاعر:
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَادُ أَغَصُّ مِنْ مَاءِ الْفُرَاِتِ
وكذلك إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي لفظُه فإنها تُعرب لكنها لا تُنَوَّن تعرب ولا تنون، فيقال مثلًا: (كنت حريصًا على الدرس فأتيت من قبلِ) أي: من قبلِ ابتداء الدرس، فهنا حُذف المضاف ونُوِي لفظُه.
ويش اللي يدرينا؟ ما الذي يدرينا أنه نُوِي لفظه أو نُوِي معناه؟ اللي يدرينا الإعراب نفسه، إذا كانت مبنية على الضم علمنا أنه قد حُذف وأريدَ المعنى، وإذا لم تكن كذلك علمنا أنه قد حُذف وأريدَ اللفظُ، فإن نُوِّنَتْ علمنا أنه ما أريدَ اللفظُ ولا المعنى.
* طالب: يجوز أن نقول في حق الله عز وجل: إنه مَنْوِيٌّ.
* الشيخ: لا، يصلح أن نقول: مريد، أن الله أراد المضاف إليه؛ لأن الإرادة تدل على النية.
(﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تغلب الرومُ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] إياهم على فارس).
قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ﴾، (يوم) هذه ظرف متعلقة بـ﴿يَفْرَحُ﴾، وهي مضافة إلى (إذ) ونُوِّنَت (إذ) تنوين عِوَضٍ، عوض عن أيش؟
* طالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة؛ ولهذا قال: اليوم تغلب الروم. فالمحذوف الآن جملة.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] الفرح لا يحتاج أو لا يمكن لإنسان أن يعبر عنه، لو قلت: أيش معنى الفرح؟ خفة النفس وسرور النفس، أو نقول: الفرح معلوم؛ ولهذا في القاموس إذا جاء مثل هذه الأشياء قال: (م). الفرح مثلًا يمكن يكتب بعدها: (م). يعني أنه معروف لا حاجة إلى أن يُبَيَّن.
وقوله: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ المراد بهم النبي ﷺ وأصحابُه.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَفْرَحُ﴾. وهو مصدر مضاف إلى فاعله، أما مفعوله فمحذوف وتقديره: بنصر اللهِ الرومَ على الفرس؛ ولهذا قال المؤلف: (بنصر الله إياهم على فارس).
والنصر معناه أيش معنى النصر؟ النصر معناه العون والظهور، أي معناه أن الله يعينهم حتى يظهروا على أعدائهم، هذا هو النصر أن يعين الله الإنسان حتى يظهر على عدوه، فهذا هو معنى النصر.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ سُمِّيَ نصرًا مع أنه لكفار على كفار؛ لأننا نقول: إن النصر هو العون والظهور، وهو لا فرق بين أن يكون بين مؤمن وكافر أو بين كافر وكافر، ثم إن أهل الكتاب أقرب من الفرس؛ ولهذا لهم أحكام خاصة تقربهم من المسلمين.
قال: (وقد فرحوا بذلك وعلموا بذلك يوم وقوعه يوم بدر بنزول جبريل بذلك مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه) يعني أنهم حصلت الوقعة بين فارس والروم في الزمن الذي حصلت فيه الوقعة بين الكفار والمؤمنين وذلك متى؟ في بدر وعلى هذا فتكون هذه الآية نازلة قبل الهجرة.
* طالب: بعد الهجرة.
* الشيخ: قبل الهجرة بخمس سنوات؛ لأنه إذا كانت مدة الغلبة يعني المدة التي حصلت فيها الغلبة سبع سنوات وبدر كانت في السنة الثانية لزم أن يكون غلبة فارس للروم قبل الهجرة بخمس سنوات.
* طالب: الآية؟
* الشيخ: إي نزول الآية وغلبة فارس.
وقوله: (مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه): فيكون في هذا الزمن اجتمع نصر أهل الكتاب على المجوس ونصر المسلمين على المشركين.
قال الله تعالى: (﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالب ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] بالمؤمنين).
* طالب: شيخ، قول المؤلف عليه دليل نقلي.
* الشيخ: الظاهر أنه اتبع التاريخ فقط، أما عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما فيه دليل، لكن فيها تاريخًا يقول هذا.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* طالب: قبل هذا المؤلف يقول: (غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته)، نسيناه.
* الشيخ: إي نعم نسيناه تعدَّيْناه، كان الذي ينبغي أن نتكلم عن قوله: (بأمر الله؛ أي إرادته) هذا في الحقيقة تحريف، بل الصواب أنه بأمره أي بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. فإن الله تعالى لا يُقَدِّر شيئًا إلا بالقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾، ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء أراده الله، فإنما يقول له: كن فيكون.
فالصواب أن المراد بالأمر هنا القول، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾: الأمر الكوني والشرعي ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. والإرادة ليست هي القول، فإن الإرادة صفة لا تستلزم القول؛ إذ إن المريد قد يفعل ما أراد أو قد يقوله، وأما القول فإنه أخص من الإرادة، كل قول فهو متضمن للإرادة، وليست كل إرادة متضمنة للقول.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم ٥]، ﴿يَنْصُرُ مَنْ﴾ هذه عامة، (مَن) تعم سواء كان المنصور كافرًا أو كان المنصور مؤمنًا؛ لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، وقد سبق لنا كثيرًا بأن كل شيء مقيد بالمشيئة فإنه يتضمن الحكمة؛ لأن الله تعالى لا يشاء شيئًا إلا لحكمة، فينصر من يشاء نصره لحكمة اقتضت ذلك.
وقوله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (الغالب)، وهذا أحد معاني العزة؛ لأن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
عزة القدر: بمعنى أنه سبحانه وتعالى عظيم القدر، وكلما كان الشيء عظيم القدر كان عزيزًا، أي: قليل الوجود، والله سبحانه وتعالى لا مِثْل له.
وعزة القهر بمعنى أيش؟ الغلبة والظهور.
وأما عزة الامتناع فمعناها: امتناع جميع النقص عليه سبحانه وتعالى، فهو عزيز من هذه الوجوه الثلاثة.
عزة القدر: بمعنى أنه عظيم لا نظير له في قَدْره وعظمته. والثاني: عزة القهر بمعنى أنه قاهر وغالب لكل شيء. والثالث: عزة الامتناع، أيش معنى عزة الامتناع؟ أي إنه يمتنع عليه كلُّ نقص، ومن هذا المعنى قولهم: أرض عزاز، وحنا نقول: أرض عزا، أيش معنى عزاز؟ الصلبة التي يمتنع أن يؤثر فيها أيُّ شيء، فالله عز وجل متصف بالعزة من جميع هذه الوجوه.
وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (بالمؤمنين)؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
والصواب أن رحمة الله تعالى تكون عامة وخاصة، فإن كل مَن في السماوات والأرض فهم في رحمة الله العامة، لولا رحمة الله بالكفار هل يبقَوْن؟
* طالب: لا.
* الشيخ: أبدًا ما يبقَوْن، فكون الله يدر عليهم الأرزاق والعافية والنشاط والعقل وما أشبه ذلك لا شك أنه من رحمة الله، ولكن الرحمة التي تكون بها رحمة الدنيا والآخرة فهذه خاصة بالمؤمنين.
* وفي هذه الآيات الكريمة فوائد عديدة:
* أولًا: أن كلام الله عز وجل بالحروف؛ لأن ﴿الم﴾ حروف، ففيه رد على الأشعرية الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس وليس الحروف، وأن هذه الحروف مخلوقة لتعبر عن هذا المعنى القائم بنفسه.
ثم يقولون أيضًا: إن هذا المعنى القائم بالنفس لا يتغير ولا يختلف، فهو واحد سواء كان استفهامًا أو خبرًا أو أمرًا أو نهيًا أو قرآنًا أو زبورًا أو توراةً أو إنجيلًا، ما يختلف، فالتوراة هي الإنجيل وهي القرآن وهي الزبور وهي صحف إبراهيم وصحف موسى، فاهمين هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لكن تصوروا أنه ممكن، يقول: هذه اختلفت بالتعبير، إن عُبِّرَ عن هذا الكلام بالعربية صار قرآنًا، أو بالعبرية صار توراةً، أو بالسريانية صار إنجيلًا، أو بلغة داوود صار زبورًا، وهكذا. وهذا معنى غير معقول.
ثم يقولون أيضًا: إن الاستفهام والخبر معناهما واحد، فإذا مثلًا جاء استفهام من الله عز وجل فهو كالخبر عنه؛ لأن المعنى واحد. وهذا لا شك أن مجرد تصوره كافٍ برده وإبطاله.
* من فوائد الآية: عِلْم الله تعالى بالغيب، إثبات علم الله بالغيب؛ لقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الإخبار عن الغيب لا يكون إلا بوحي.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى كامل السلطان والتدبير؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن كل الأشياء لا تكون إلا بأمر الله؛ لأنه لما قال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، إذن فكونهم غُلِبوا بأمر الله، وانتصارهم بأمر الله، فكل الأمور بتقدير الله تعالى وأمره، كل الأشياء بأمره سبحانه وتعالى.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية، الذين يقولون باستقلال العبد بفعله، هم يقولون: إن العبد مستقل بفعله وليس لله تعالى فيه تقدير ولا أمر ولا مشيئة ولا غيره، وهذا الآية ترد عليه.
* ومن فوائد الآية: جواز التعبير بما يُدخِل الخوف والحزن على العدو؛ لأن قوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ -وهي من ثلاث إلى عشر أو إلى تسع- معناه: أنه سيبقى هؤلاء الفرس في ذعر وخوف، كل سَنة تأتي يقولون: هذه سَنة الغلبة. ولا شك أن هذا مما يزيدهم زعرًا وخوفًا؛ لأنهم لو غُلِبوا في أول سنة انتهى الأمر، لكن كونهم يُتوعَّدُون بأمر لا يُدرَى في خلال بضع سنين، لا شك أن هذا أشد عليهم من أنه يأتي الأمر وينتهي.
* ومن فوائد الآية: أن في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ أن من البلاغة حذف الفاعل إذلالًا له وإهانةً له: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لم يذكر الغالب إذلالًا له. * وكذلك الفائدة الثانية: رفقًا بالروم.
ثم قال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)