تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿٧٦﴾
بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ جاء الوقت؟
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هذا للتقليل؟
* الشيخ: هه؟
* الطالب: للتقليل هذا؟
* الشيخ: لا، هذه للتبعيض.
* الطالب: أي بعضهم..
* الشيخ: بعضٌ منهم نعم، والبعض الآخر ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾. طيب فيه في الحقيقة في فائدة في الآية وهو أنه ينبغي مراقبة الخائن والقيام عليه؛ فإذا أعطيتَ مالَكَ مَن ليس بأمين فإنه ليس من الحزم ولا من العزم أن تَدَعَهُ، بل احترز منه، وإذا كان هذا في الائتمان على الأموال فالائتمانُ على الأعراض من باب أولى؛ ولهذا حذَّر النبي ﷺ من الدخول على النساء وقال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْحَمُو؟ قَالَ: «الْحَمُو الْمَوْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢ / ٢٠) من حديث عقبة بن عامر الجهني.]].
فكل شيء تخشى منه تضييعَ الأمانة، فاحرِص على أن تكون مراقبًا عليه وقائمًا عليه؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾.
* الطالب: الآن تأتي بعض الدعوات بالدعوة إلى الأمية يُخرجون أولادهم من المدارس وكذا، يحتجون بالأميات هذه الذي ذُكِر في القرآن؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: أقول: فيه دعوات، ليست يعني منتشرة وليست قوية، في الاحتجاج بالأمية نحن أمة أمية، فهل هذه تزكية؟ أمية..
* الشيخ: لا، ما هي تزكية، الأمية عيب ذكرها الله تعالى بصفة القدح فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، وأشار إليها أيضًا في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة ٢]. والضلال لا أحد يرى أنه مدح، لكنها بالنسبة للرسول ﷺ تزكيةٌ؛ لأن كونَه أُمِّيًّا ويأتي بهذا الكتاب العظيم يدل على أنه صادق؛ لأن الأمي لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكتاب كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]. ونحن «أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ» كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن بعد أن فتح الله علينا وآتانا العلم والحكمة صرنا أمة علمية لا أمة أمية.
إذا قال قائل: هذا ينتقض عليك؛ لأن الرسول قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠ / ١٥) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب.]] في المدينة بعد أن نزل عليه الكتاب؟ نقول: نعم، هو قاله باعتبار الهلال، باعتبار الهلال؛ ونحن باعتبار الهلال حتى بعد الفتوحات أمة أمية لا ندري عن حساب الأهلة ولا نعرفها، إي نعم.
* الطالب: المعنى الثاني، تفسير أُمِّيِّين المعنى الثاني الذي قلت، له وجه؟
* الشيخ: له وجه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ يحكي عن أهل الكتاب؛ لأنهم لا يعرفون الكتاب إلا أمانيَّ؛ إلا قراءة، وهذه فيها، انتبه، إن فيها ذم للذين يعتنون باللفظ القرآني ويغفُلون عن المعنى؛ بعض الناس يعتني بألفاظ القرآن وتجده يصل إلى حد الوسواس في إظهار بعض الحروف بناءً على أنه يريد أن يظهرها على حسب التجويد أو قواعد التجويد عندهم، لكنهم في المعنى..
* الطلبة: لا يعرفونه..
* الشيخ: لا يعرفونه، لا يعتنون به إطلاقًا فهم أميون؛ ولهذا أنكر شيخ الإسلام رحمه الله على مثل هؤلاء الذي يبالغون في إظهار الحروف وصفات الحروف وهم غافلون عن معاني القرآن.
* * *
* طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران ٧٧ - ٨١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
أظن أن ما سبق قد أخذنا فوائده؟
* الطلبة: نعم، ما انتهينا يا شيخ.
* الشيخ: ما انتهينا؟ إلى؟
* الطلبة: (...) ينبغي معاقبة الخائن، هذه آخر فائدة.
* الشيخ: إي نعم، طيب، من فوائد الآيات السابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾.
* من فوائدها: أن هؤلاء الخونة من اليهود عندهم ما يُلَبِّسُون به باطلهم في قولهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾.
* ومن فوائدها: بيان ما كان عليه اليهود من إعجابهم بأنفسهم واحتقارهم لعباد الله.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء اليهود يقولون على الله الكذب فيفترونه وهم كاذبون، وهذا أسوأ ممن يقول الكذب وهو جاهل.
* ومن فوائدها: أن اليهود وغيرهم سواء؛ في أن كل من اعتدى على أحد فعليه السبيل؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وهو يدل على أن الأميين وغيرهم سواء في تحريم الاعتداء عليهم.
* ومن فوائد الآيتين: أن هؤلاء اليهود عليهم السبيل في الأميين سواء اعتدوا على دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم؛ لقوله تعالى: ﴿بَلَى﴾؛ أي عليهم سبيل في الأميين، كما أن عليهم سبيلًا فيما لو اعتدى بعضهم على بعض.
* ومن فوائدها: أن الوفاء بالعهد والتقوى من أسباب محبة الله؛ لقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ومن فوائدها: إثبات محبة الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، فإذا كان الله تعالى يحب المتقين فيتفرع على ذلك فائدة أخرى وهي: الحث على تقوى الله؛ لأن كل إنسان يحب أن يحبه الله عز وجل؛ فإذا أردت ذلك فما عليك إلا أن تقوم بتقوى الله.
محبة الله سبحانه وتعالى متعلقة بالعامل، ومتعلقة بالعمل، ومتعلقة بالزمن، ومتعلقة بالمكان؛ متعلقة بالعامل كما في هذه الآية: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤]، وكما في قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥].
متعلقة بالعمل: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
متعلقة بالزمن «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَ»[[أخرجه أبو داود (٢٤٣٨)، والترمذي (٧٥٧)، وابن ماجه (١٧٢٧) من حديث ابن عباس، وأصله في البخاري (٩٦٩).]]. وقد يقال: إن هذا متعلق بالعمل لا بالزمن.
متعلقة بالمكان: كمحبة الله سبحانه وتعالى لمكة كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال فيها: «إِنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ»[[أخرجه البزار (٤٦٩٠، ٥٠٩٥) من حديث ابن عباس بلفظ: «إِنَّكِ لَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ»، وأصله في الترمذي (٣٩٢٦).]].
فمحبة الله إذن متعلقة بالعامل، والعمل، والزمان، والمكان.