تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٦٥﴾
هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦٦﴾
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها، وأنها من كلام الله عز وجل، يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصارى، ووصفوا وحدهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدى بها، إلى أن بعث النبي ﷺ.
قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، وكلنا يعلم أن قوله: ﴿لِمَ﴾ اسم استفهام مشغول باللام، و(ما) الاستفهامية إذا جُرت بالحرف فإنها تحذف ألفها، (لم) ما فيها ألف.
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] ما فيها ألف، (علام تفعل) هذه أيضا ليس فيها ألف، وتغيرت (على) من أجلها؛ لأن (على) تُكتب ألفها ياء، لكنها إذا دخلت على (ما) الاستفهامية كتبت ألفها أيش؟ ألفا: (علام)، مثل اللام.
قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته، يريد أن يخصم صاحبه، وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه، وليس المراد: في ذاته؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشر متفق عليه ولا محاجة فيه، لكن محاجة في شأنه وحاله، لم تحاجون فيه.
وما كيفية هذه المحاجة؟
كيفية هذه المحاجة على قولين لأهل العلم:
القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم، فهم كلهم يقولون: نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون: نحن على ملة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على ملة إبراهيم.
الوجه الثاني، وهو القول الثاني: يحاجون فيه لأن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي على دين اليهود، والنصارى يقولون: إن إبراهيم نصراني على دين النصارى. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون هم أنهم على دين إبراهيم، وهذا الوجه يدعون أن إبراهيم على دينهم.
وننظر الآن سياق الآية: ما الذي يؤيد من هذين الوجهين، ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ كيف تحاجون فيه وتقولون: إن إبراهيم على ديننا، أو تقولون: إننا نحن على دين إبراهيم؟ كيف المحاجة؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصارى؟ أو تقولون: إنكم على دينه وأنتم على الإنجيل، والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو على دينه التوراة ليست هي دين إبراهيم، إبراهيم له شرعة خاصة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] فكيف تحاجون في هذا؟ تدعون أن إبراهيم على التوراة أو على الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل على دين إبراهيم، مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا عقل ولّا هوس؟ هذا هوس وسخافة، كيف يكون إبراهيم على دين كتاب لم ينزل بعد؟ التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على من؟ على عيسى، وهم بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم على هذا؟
ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والهمزة للتوبيخ، استفهام للتوبيخ، يعني: أفلا يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تأتي في القرآن كثيرا، وقد مر علينا أن فيها لعلماء النحو قولين، ويش مين يبينهما لنا؟ فيها قولان ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ في إعرابها؟
* طالب: الهمزة للاستفهام دخلت على نفي (لا).
* الشيخ: قولان، القول الأول؟
* الطالب: أشربت معنى التحدي.
* الشيخ: لا يا أخي، الإعراب، ما هو المعنى، المعنى للتوبيخ واضح.
* الطالب: الهمزة للاستفهام، ﴿أَفَلَا﴾ فاء للتنبيه.
* الشيخ: نسيت أو لم يمر عليك؟
* الطالب: لم يمر علي.
* الشيخ: لم يمر عليك؟ طيب.
* طالب: ﴿أَفَلَا﴾ الألف تقدمت على الفاء.
* الشيخ: الهمزة.
* الطالب: الهمزة تقدمت على الفاء، وأصلها: فألا تعقلون.
* الشيخ: يعني نقول الوجه الأول، الوجه الأول.
* الطالب: الوجه الثاني..
* الشيخ: اصبر، الوجه الأول، ما فهمنا شيئًا الآن؟
* الطالب: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام وقدمت لأن الاستفهام له الصدارة.
* الشيخ: طيب والفاء؟
* الطالب: والفاء عاطفة.
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على ما قبلها.
* الشيخ: على ما قبلها.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأصله على هذا الوجه، على هذا القول؟
* الطالب: فألا تعقلون.
* الشيخ: فألا تعقلون. طيب، هذا وجه، القول الثاني؟
* الطالب: أن الهمزة زائدة، وأنها معطوفة على فعل محذوف، يعني: أجهلتم فلا تعقلون.
* الشيخ: والهمزة زائدة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: هذا قول من؟ قول وليد! طيب هو حل النصف.
* طالب: دخلت على جملة محذوفة.
* الشيخ: لكن الهمزة هو يقول: زائدة؟
* الطالب: لا ليست زائدة.
* الشيخ: أيش هي؟
* الطالب: هي استفهامية.
* الشيخ: استفهامية، إي نعم، لكنها داخلة على جملة محذوفة، التقدير؟
* الطالب: أجهلتم أفلا تعقلون، أو أغفلتم.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: أغفلتم.
* الشيخ: (أغفلتم) لا، ما هو ضد العقل؟
* الطالب: الجنون.
* الشيخ: إي أو السفه.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إذن فيها وجهان:
الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام والفاء للعطف، لكنها قدمت الهمزة للاستفهام عليها لأن لها الصدارة، وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير لأن الجملة تكون معطوفة على الجملة التي قبلها.
والوجه الثاني: أن الفاء حرف عطف وأن المعطوف محذوف يقدر بما يناسب السياق، واللي مناسب هنا أن يقدر: (أسفهتم) مثلًا؛ لأن العقل ضده السفه ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ المراد بالعقل هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك؛ لأن هؤلاء عندهم عقل إدراك، والفرق بينهما: أن عقل الإدراك مناط التكليف، وعقل الرشد مناط التصرف، يعني بمعنى أن عقل الرشد يكون به حسن التصرف من العاقل، وعقل الإدراك يكون به توجيه التكليف إلى العقل، ولهذا يقال للرجل العاقل الذكي إذا أساء في تصرفه يقال: هذا مجنون، هذا غير عاقل، مع أنه من حيث عقل الإدراك عاقل ولّا غير عاقل؟ عاقل، طيب المنفي هنا في حق هؤلاء أي العقلين؟ عقل الرشد، يعني أفلا يكون لكم عقل ترشدون به؟
ثم قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أولا الإعراب في هذه الآية لأن فيها شيئًا من الإشكال، ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ها: للتنبيه، وأنت: ضمير منفصل مبتدأ، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ ها: للتنبيه وأولاء: منادى، والتقدير: هأنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم.
﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ نقول في قوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ﴾ ما قلنا في قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ من حيث الإعراب.
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أولا التنبيه هنا حسن؛ وذلك لأنه يخاطب قوما لمزهم بعدم العقل، والذي ليس عنده عقل ينبغي أن يصدر الخطاب له بما يقتضي تنبيهه؛ لأنه غافل، تصرفه تصرف مجنون، فاحتيج إلى أن ينبَّه فلذلك أتى بـ (ها) التنبيه.
ثم إن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة بعد ولّا قرب؟
* الطلبة: بعد.. قرب.
* الشيخ: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة بعد ولّا قرب؟ لا إله إلا الله! يحتاج إلى اشتباه ده يا جماعة، إذا كان للبعد يقرن بالكاف، وهنا لم يقرن بالكاف، بل قال: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ عرفتم يا جماعة؟ إذا كان -نرجع اسم الإشارة الآن بالنحو- إذا كان اسم الإشارة للبعيد أتي بالكاف، ولهذا قال ابن مالك:
بِالْكَــــافِ حَرْفًــــا دُونَ لَامٍ أَوْمَعَــــهْ ∗∗∗ وَالــــلَّامُ إِنْ قَدَّمْــــتَ هَــــامُمْتَنِعَــــــــــــــــهْ؎بِــــــذَا وَذِي وَتَـــــــا وَتِــــــيأَشِــــــــرْ إِلَــــــى ∗∗∗ دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صِــــــــــلَا؎فِي الْبُعْــــــــدِ.................... ∗∗∗ ............................هذا الشاهد: (وبه الكاف صلا في البعد)، معناه: في القرب لا تصل به الكاف، فإذا كان اسم الإشارة للبعيد فلا بد من الكاف، وإذا كان أبعد يؤتى باللام أيضا.
إذن المشار إليه قريب ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ومع قربهم أتى بـ(ها) التنبيه للدلالة على بلادتهم، وأنهم مع قربهم وقرب الإشارة إليهم على بلادة عظيمة يحتاجون إلى أيش؟ التنبيه.
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني خاصمتم فيما لكم به علم، وهو التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، يعني أنكم إذا حاججتم في التوراة والإنجيل وكانت المحاجة في التوراة من اليهود وفي الإنجيل من النصارى، فهذه محاجة فيما فيه علم لكم، نعم لكن لم تحاجون فيما ليس لكم به علم؛ وهو إبراهيم وما هو عليه من الدين.
وقيل: المراد بقوله: ﴿حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي في الإسلام، في دين الإسلام، يعني حاججتم فيه وخاصمتم تقولون: ليس على دين إبراهيم، دين إبراهيم دين اليهود والنصارى، وأنتم تعلمون أن الإسلام دين الله الحق؛ لأن اليهود والنصارى يعلمون أن دين محمد ﷺ هو دين الحق، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٤٦] فصار المحاجة الآن في أيش؟ إما في الكتابين وإما في الإسلام، في دين الإسلام، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ والمحاجة التي يراد بها إثبات الباطل وإبطال الحق مذمومة، حتى وإن كانت عن علم، بل هي عن علم أشد ذما، فكيف تحاجون فيما ليس لكم به علم وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ والله يعلم الأمر على ما هو عليه في شأن إبراهيم، وفي شأن محمد ﷺ، وفي شأن موسى وعيسى، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله تعالى من هذا وغيره.
ونفي العلم عنهم هنا ليس رفعا للإثم عنهم، ولكنه إيذان بجهلهم وجهالتهم، وأن تصرفهم كتصرف الجاهل، فهو في الأول قال: لا تعقلون، وفي الثاني قال: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾، فجمعوا بين السفه في الرأي والتدبير، وبين الجهل في العلم والتصور، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم ذكر الله عز وجل حال إبراهيم ذكرًا صادرًا عن علم، لا عن جهل، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ يعني ليس على ملتكم أيها اليهود، ولا على ملتكم أيها النصارى، عرفتم؟ هذا على قول من يقول: إن محاجتهم في إبراهيم أن اليهود يقولون: هو منا، والنصارى يقولون: هو منا، فنفى الله ذلك ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾.
وعلى القول الثاني، يعني ما كان إبراهيم على ما أنتم عليه من التعصب والتمسك بدينكم وإن كان منسوخًا، بطل بدين الإسلام، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، فلو أن إبراهيم كان حيًّا لاتبع من؟ محمدًا ﷺ، ولم يكن كحالكم يبقى على ما هو عليه من دينه كما بقيتم أنتم.
فالآية الآن تحتمل الوجهين بناء على القولين السابقين، أي ما كان إبراهيم يسير سير اليهود فيتعصب، ولا يسير سير النصارى فيتعصب، وليس المعنى على القول الثاني أنه ما كان يهوديًّا، أي على دين اليهود، أو على دين النصارى، بل ما كان على طريقتهم في أيش؟ التعصب لما هم عليه، وإن تبين أن الحق في خلافه، ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ عليه الصلاة والسلام، ﴿كَانَ حَنِيفًا﴾ أي مائلًا عن الشرك؛ لأن الحنف في الأصل: الميل، فهو مائل عن الشرك، مثبت للتوحيد، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾ فهو جامع عليه الصلاة والسلام بين البراءة من الشرك براءة كاملة وبين تحقيق الإسلام تحقيقًا كاملًا، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾.
وهنا إشكال في الإعراب في قوله: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ كيف نعربها؟
* طالب: يعني كان هو حنيفًا، هي خبر كان.
* الشيخ: ﴿مُسْلِمًا﴾؟
* الطالب: ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر كان.
* الشيخ: ثاني، يجوز تعدد الخبر؟
* الطالب: يجوز.
* الشيخ: إي.
* طالب: يكون معطوفًا على حرف عطف، ليس موجودًا الحرف ده أصلًا، حرف مقدر، كان حنيفًا وكان مسلمًا.
* الشيخ: نعم.
* طالب: يمكن حال يا شيخ؟
* الشيخ: حال؟ منين؟
* طالب: صفة حنيف.
* الشيخ: صفة لأيش؟
* الطالب: حنيف.
* الشيخ: الظاهر لو نجتهد كل واحد لو سألته يجينا أقوال! ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر ثانٍ، وتعدد الخبر جائز، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٠] كثير في القرآن.
وقوله: ﴿مُسْلِمًا﴾ يعني مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإسلام الذي هو عمل الجوارح، والإيمان الذي هو اعتقاد القلوب وأعمال القلوب.
وهذه قاعدة مهمة، وهي أنه إذا أطلق الإسلام وأفرد شمل الإيمان، وإذا أطلق الإيمان وأفرد شمل الإسلام، وإذا اقترنا صار الإسلام في الظاهر والإيمان في الباطن، وهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة، وعليها يدل الكتاب والسنة، فقد وصف النبي ﷺ الإيمان لوفد عبد قيس بالإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٧) من حديث بن عباس، وأخرجه مسلم (١٧ / ٢٣) من حديث بن عباس.]]، ووصف الله الصلاة بالإيمان في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] وهو يشمل كل الدين؛ الإيمان وأفعال الجوارح، فـ﴿مُسْلِمًا﴾ هنا مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإيمان والإسلام.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا تأكيد لقوله: ﴿حَنِيفًا﴾، يعني هذه الجملة وإن كانت معطوفة بالواو لكنها في المعنى مؤكدة لما سبق، يعني ما كان من الذين يشركون بالله، لا شركا خفيا ولا شركا ظاهرا، بل كان يحارب الشرك، وصبر على الدعوة إلى التوحيد إلى أن ألقي في النار عليه الصلاة والسلام، ولكن كان جزاؤه على ذلك أن قيل للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩].
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ هذا الحكم بين هؤلاء الخصوم، الخصوم ثلاثة: اليهود والنصارى والمسلمون، شوف الحكم من الحكم العدل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قدم هنا ما كان ينبغي أن يكون خبرا وجعله هو المبتدأ الذي هو ركن الجملة الذي يسند إليه الخبر فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، ولم يقل: إن الذين اتبعوه أولى به؛ لأجل أن يحكم بأن الأولوية لهؤلاء لا لغيرهم.
﴿أَوْلَى النَّاسِ﴾ من اليهود والنصارى والمشركين وأصحاب الأوثان وغيرهم من؟ ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾.
وهنا نسأل عن اللام في قوله: ﴿لَلَّذِينَ﴾ وأيش إعرابها؟
* طالب: حرف جر.
* الشيخ: حرف جر؟ لا، حرف الجر يكسر في مثل هذا.
* طالب: للتأكيد.
* الشيخ: للتوكيد، إي نعم، للتوكيد، و(إنّ) أيضا للتوكيد، فتكون جملة مؤكدة بمؤكدين: بـ(إن) واللام.
قال: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ للذين اتبعوه من بني إسرائيل ممن سبق النبي ﷺ، ولا شك أنه تبعه كثير من المؤمنين الذين آمنوا به في حياته والذين اتبعوا طريقته بعد مماته، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ شوف -الله أكبر- المشار إليه محمد عليه الصلاة والسلام، وكفى به فخرا أن يشير إليه رب العالمين ﴿هَذَا النَّبِيُّ﴾ هذا شرف عظيم لرسول الله ﷺ أن يكون الله يشير إليه بهذه الإشارة المفيدة للقرب، لم يقل: وذلك النبي، بل قال: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ إشارة إلى قربه؛ لأنه ﷺ أقرب الناس منزلة إلى الله سبحانه وتعالى.
﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيها قراءة: ﴿النَّبِيءُ﴾ كذا؟ على هذه القراءة ﴿النَّبِيءُ﴾ مشتق من النبأ، فهو فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، صح؟ بمعنى فاعل لأنه منبئ مخبر، وبمعنى فعيل لأنه مخبَر، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه في وصف الرسول: وهو الصَّادق المَصْدُوق[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٠٨) من حديث عبد الله بن مسعود، وأخرجه مسلم (٢٦٤٣ / ١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. فهو فعيل بمعنى فاعل، وفعيل بمعنى مفعل. ويبقى عندنا كيف يكون فعيل بمعنى مفعل؟ فعيل بمعنى، أنا قلت بمعنى فاعل؟ بمعنى مفعول وفعيل بمعنى مفعل. فعيل بمعنى مفعول كثير مثل جريح كسير قتيل. كثير، لكن فعيل بمعنى مفعل كيف ذلك؟ نقول: نعم هذا ورد، هذا الآن اللي معنا دليل على هذا، الآن من المعلوم أن الرسول منبئ للناس، أليس كذلك؟ فهي جاءت في القرآن، والقرآن حجة، وإذا أردت أن نأتي بحجة من كلام العرب فاسمع إلى قول الشاعر:
أَمِــــنْ رَيْحَانَــــةَ الدَّاعِــــيالسَّمِيــــــــعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِــــــــي وَأَصْحَابِــــــــيهُجُــــــــــــــــوعُ
(أمن ريحانة الداعي السميع) السميع بمعنى المسمع، (يؤرقني وأصحابي هجوع).
فهذه سميع بمعنى مسمع في لغة العرب، على أننا في الحقيقة لا نحتاج إلى استشهاد للقرآن لإثبات أن هذا لغة، بل القرآن يستشهد به ولا يستشهد عليه، لكن من المعلوم أنه كلما زادت البينات ازداد الإنسان طمأنينة، إذن على قراءة ﴿النَّبِيءُ﴾ يجوز نقرأ بها؟ يجوز، بل يستحب أن نقرأ بها، يستحب أن نقرأ بها أحيانًا. على هذه القراءة: من النبأ، أما على قراءة النَّبِيُّ﴾ بدون همز ففيها وجهان:
الوجه الأول: أنها مسهَّلة من (النبيء) بالهمز، مسهَّلة، يعني أن الهمزة جعلت ياء للتسهيل، وهذا موجود في اللغة العربية، أئمة يقال فيها في اللغة العربية: أيمة، تسهل الهمزة تجعل ياء، فالنبي نقول: هذه أصلها النبيء لكن جعلت الهمزة ياء للتخفيف، وعلى هذا الوجه يكون النبي من أين؟ من النبأ.
وقيل: إن الياء أصلية لا مسهلة (النبي)، وعلى هذا فيكون مشتقا من النبوة، وهي الشيء المرتفع الناتئ، يقال: نبا ينبو يعني ارتفع، فيكون مشتقا من النبوة وهي الارتفاع، وذلك لارتفاع مرتبة النبي؛ لأن الرسل صلى الله عليهم وسلم ومنهم خاتمهم محمد ﷺ أرفع الناس قدرا عند الله، ولهذا بدأ الله بهم في صدر من أنعم عليهم ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء ٦٩].
لو قال قائل: اجعلوها من الأمرين: من النبأ ومن النبوة؟ ماذا نقول له؟ نقول: يمكن؟ يمكن؛ لأن القول الراجح أنه إذا احتمل اللفظ معنيين بدون تضاد حمل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في المعنى، أما مع التضاد فإنه ينظر للراجح ويحمل عليه، لكن مع إمكان الجمع يجب أن يحمل على المعنيين جميعا.
فإذا قال قائل: هذا استعمال لمشترك في معنييه، تعرفون اللفظ المشترك؟ اللفظ المشترك ما اتحد لفظه وتعدد معناه، كالعين، العين تقال للباصرة، عينك اللي في وجهك عين، وتقال للعين الجارية، أيش هي؟ عين الماء، وتقال للعين.
* طالب: الجاسوس.
* الشيخ: لا الجاسوس ما هي حقيقة، وتقال للعين الذهب، عين ورق، ولهذا يقال: عين مورودة وعين منقودة، العين المنقودة الذهب والمورودة الماء، ونقول: عين مكحولة؟ إي نعم، يمكن، العين المكحولة هي العين اللي في الوجه.
يقول بعض العلماء: إن المشترك لا يمكن أن يحمل على معنييه؛ لأن كل معنى منهما يضاد الآخر، ولكن الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أنه يجوز أن يحمل على معنييه بشرط عدم التعارض، فإن تعارضا وجب طلب المرجح.
* طالب: شيخ، الآيات ما تؤيد أن القرآن نحن على (...) قولنا.
* الشيخ: ما كملنا الآيات الحقيقة، يمكن نخلي الأربع الآيات هذه كلها نتكلم عليها جميعا في الفوائد.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك! القول الثاني في ﴿