×
آل عمرانالآية ٦٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ ﴿٦٣﴾

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ الضمير يعود على هؤلاء النصارى الذين طلب منهم النبي ﷺ المباهلة ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران ٦١]، وسبق أنهم امتنعوا عن المباهلة؛ لأنهم يعلمون أنهم لو باهلوا لأخذهم العذاب؛ لأن الرسول ﷺ حق وهم على باطل يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن المباهلة وعن اتباعك يا محمد فإنما هم مفسدون، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ولم يقل: عليم بهم، بل أظهر في موضع الإضمار. الإظهار في موضع الإضمار له فوائد: الفائدة الأولى: التسجيل أو انطباق الوصف في هذا المُظهَر على من يعود عليه، يعني أن هذا الوصف الذي جُعل في موضع الضمير ينطبق على مرجع الضمير، فكأنه قال: فإن تولوا فإن الله عليم بهم، لكن وصفهم بالفساد. الفائدة الثانية: العموم؛ لأنه لو جاء الضمير هنا حسب السياق: فإن الله عليم بهم، اختص العلم بمن؟ بهم هم، فإذا قال: ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ صار عامًّا فيهم وفي غيرهم. الفائدة الثالثة: أن هذا الفعل الذي حصل من هؤلاء الذين جاء الإظهار في موضع الإضمار عنهم هو نوع من هذا الوصف الذي عُبر به في موضع الضمير، يعني أن فعلهم فساد، وهو التولي والإعراض عن دين الله. ففي هذه الآية الكريمة، من فوائدها: تهديد من تولى عن دين الله عز وجل، ووجه ذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾؛ لأن المقصود من ذكر علمه بهم تهديدهم، وأنه لا يخفى عليه حالهم وسيعاقبهم بما تقتضيه حالهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التولي عن دين الله فساد، كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] وهل التولي نفسه فساد أو أنه سبب للفساد؟ الجواب على هذا أن نقول: هو فساد وسبب للفساد. ووجه كونه فسادًا أنه إذا تُولي عن دين الله حل محله ما سواه، ومعلوم أن دين الله صلاح وما سواه فساد، ولهذا نجد القوانين المحكَّمة في عباد الله لا تُصلح الخلق، لا يصلح الخلق منها إلا ما وافق الشرع، وأما ما خالف الشرع فإنه فساد، مهما كان واضع القوانين في الذكاء والفهم لأحوال الناس، فإنهم إذا وضعوا من القوانين ما يخالف شرع الله فإنه فساد بكل حال. إذن نفس التولي فساد، ثم هو أيضا سبب للفساد؛ لأن الجدب والقحط وضيق الرزق والفتن كلها سببها المعاصي، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]. إذن فالتولي عن دين الله أيش؟ فساد وسبب للفساد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من تولى عن دين الله فهو مفسد، وإن زعم أنه مصلح؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. ولهذا قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، قال: أي لا تفسدوها بالمعاصي. فكل عاص فهو مفسد، شاء أم أبى، وكل مطيع لله فهو مصلِح؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كان العاصي مفسدًا فالطائع مصلحًا، لكن الطائع في الحقيقة قد يكون صالحًا بنفسه غير مصلح لغيره، وقد يكون صالحًا بنفسه مصلحًا لغيره، فإذا كان عابدًا داعيًا إلى الله صار صالحًا مصلحًا، وإذا كان عابدًا غير داعٍ لله صار صالحًا غير مصلح، لكنه ليس على وجه التمام في صلاحه؛ لأن من تمام الصلاح أن تدعو إلى الله عز وجل.