تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٤٢﴾
يَـٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴿٤٣﴾
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، و(إذ) نقول فيها مثلما قلنا فيما سبق في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس.
وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا، وعيسى فيما بعد، في أول هذه السورة لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي ﷺ وهم من النصارى، فأراد الله أن يبين لنبيه ﷺ قصة المسيح ومن حوله كاملة حتى يتبين له الأمر تماما، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى وإذا عندهم علم قريب منها مما عندهم.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ الملائكة المراد بهم الجنس؛ إذ ليس المراد كل الملائكة، بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾، ونداؤها باسمها العلم نوع من التكريم؛ إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها العلم تكريما لها، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك؛ وذلك لأن اصطفى أصلها: اصتفى بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاء، وهي مأخوذة من الصفوة، يعني جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها سبحانه وتعالى من عدة وجوه:
الوجه الأول: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران ٣٥]، مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت.
ومنها -من اصطفائه لها- أنه أنبتها نباتا حسنا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية.
ومن اصطفائه لها أيضا: أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء؛ حتى تتربى ببيت نبوة.
وقوله: ﴿طَهَّرَكِ﴾ طهرك من أي شيء؟ هل هو من الأرجاس الحسية؟ أو من الأرجاس المعنوية؟
الظاهر الثاني، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائما في عبادة الله سبحانه وتعالى، كما سيتبين إن شاء الله.
ثم قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أي ميزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (3411)، ومسلم (2431 / 70) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فهي من النساء الكمل رضي الله عنها، ولهذا قال: ﴿اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.
وهل المراد نساء العالمين في زمنها؛ لأن النساء اللاتي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟
فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانهم، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، ومع ذلك فهذه الأمة أفضل منهم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧] ومن المعلوم أنهم ليسوا أفضل من هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]. ثم قال..
* طالب: والراجح؟
* الشيخ: يأتي إن شاء الله الكلام عليه.
* طالب: قول الرسول ﷺ: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» ما يأتي عامة (...)؟
* الشيخ: والله بعض العلماء أخذ من هذا أنها أفضل من الثلاث التي معها؛ لأنه قال: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» بعد أن ذكر فضل هؤلاء الثلاث، وبعضهم قال: إن المراد: على النساء سواهن، والله أعلم بمراد رسوله.
* طالب: شيخ (...).
* الشيخ: هي ما ذكرت معهن.
* الطالب: (...)
* الشيخ: لا ثلاث.
* الطالب: (...) تعقيب على (...)
* الشيخ: يعني فيه احتمال أنه عليه الصلاة والسلام أفردها لتكون أكمل منهن، وفيه احتمال أنها أفضل من النساء اللاتي سواها (...) والله أعلم بمراد رسوله، ما عندي في هذا.
* طالب: إن القول الأفضل إنها أفضل على نساء أهل زمانها، القول الثاني يا شيخ.
* الشيخ: إن ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ مطلقة، حتى نساء هذه الأمة هي أفضل منهن، وإن شاركتهن في الفضيلة لكن هي أفضل منهن.
* طالب: اسم مريم عليها السلام لم يذكر في القرآن سوى هذا الاسم، نأخذ منه فوائد.
* الشيخ: نحن وصلنا الفوائد؟
* طالب: حكمة التطهير بعد الاصطفاء، الاصطفاء يعم (...)؟
* الشيخ: الاصطفاء الاختيار، ونص على التطهير لدفع ما قاله اليهود في أنها كانت بغيا.
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هو قول الأخ حينما سأل: عليها السلام.
* الشيخ: من عنى؟
* الطالب: عنى مريم.
* الشيخ: عليها السلام؟
* طالب: إي.
* الشيخ: ما فيها مانع، «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، ما فيها مانع أبدا، لكن الأحسن أن يقال: رضي الله عنها أحسن؛ لئلا يتوهم واهم أنها نبية.
* طالب: الله سبحانه وتعالى يذكر في آيات أخر أن مؤمن آل فرعون مع الرجل الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ولم يذكر اسم الرجل، وهنا ذكر مريم رضي الله عنها كان أيش يصير فيها؟
* الشيخ: يعني هذا خطاب خاص، وهذاك تحدث عن شخص غائب.
* الطالب: يا شيخ هذا فيه فضيلة لو ذكر اسمه له؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: مؤمن آل فرعون؟
* الشيخ: لا؛ لأن الله يذكر القصص أحيانا للعبرة فقط، حتى لا يكون الإنسان معتنيا بالاطلاع على الأشخاص، فالعبرة بالمعاني وما سيقت القصة من أجله، أما كونه فلان وفلان ما يهم، حتى لو علمت الآن أن الرجل هذا اسمه فلان تستفيد فائدة كثيرة؟
* طالب: يعني أعرف الثناء عليه مثل مريم.
* الشيخ: الثناء عليه يكفي أنه قال رجل مؤمن من آل فرعون، أنه من آل فرعون يكفي، أنه آمن وهو من آل فرعون، أما هذا الخطاب.. يعني أنا لو قلت لك: يا رجل أو قلت: يا عبد الرحمن، أيهن أبلغ في الإكرام؟ أو قلت: يا هذا؟
الخطاب غير مسألة التحدث عن شخص، الخطاب ليس كالتحدث عن شخص، الخطاب إذا ذكر الإنسان باسمه العلم صار هذا دليلا على التفخيم والتكريم.
* طالب: في بعض الآيات يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، وفي آيات ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾؟
الشيخ يقول: في بعض الأحيان يقول: ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وأحيانا يقول: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾ كيف يعني نقول؟
الجواب: أن المعنى واحد، وأن المراد بـ ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني اذكر ربك باسمه، وأما من قال: إن (اسم) زائد فهذا قول ضعيف، وأن ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني: اذكر ربك، هذا قول لا صحة له، ولكن المعنى: اذكر ربك باسمه؛ لأن هذا هو الذي يتم به الذكر.
* طالب: خيرية مريم وغيرها من النساء في الدنيا والآخرة أم في الدنيا فقط وفي الآخرة فقط؟
* الشيخ: في الدنيا والآخرة.
* الطالب: ورد في الحديث أن فاطمة رضي الله عنها سيدة (...).
* الشيخ: لا هذيك سيدة نساء أهل الجنة، لكنهن خير.
* طالب: شيخ، ما استدل به بعض المفسرين أن هذه القصة على أن الخال بمنزلة (...)، قصة زكريا.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: قصة زكريا ومريم وعيسى، بعض المفسرين على أن الخال بمنزلة (...).
شيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: أن أخت مريم خالة عيسى كانت تحت مريم.
* الشيخ: تحت زكريا، وبعدين؟
* الطالب: هل يصح هذا الاستدلال يا شيخ؟
* * *
* طالب:
﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٣ - ٤٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، ذكرنا أن الاصطفاء معناه الاختيار، وهو مأخوذ من الصفوة، وصفوة كل شيء خلاصته.
﴿وَطَهَّرَكِ﴾ ظاهرا وباطنا، من العيوب الظاهرة ومن العيوب الباطنة، ومن الأخلاق السافلة، فهي مطهرة ظاهرا وباطنا. ونص الله تعالى على ذلك دفعا لقول اليهود -قاتلهم الله ولعنهم-: إنها كانت بغيا، وإن عيسى عليه الصلاة والسلام كان ولد زنا.
وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قلنا: إن المراد بذلك نساء عالمي زمانهم، على أنها هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون هؤلاء الثلاث كملن من النساء، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[سبق تخريجه.]].
وقوله: ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ العالمين هم كل من سوى الله في الأصل، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فالرب والمربوب لا يوجد سواهما، وعليه فالعالم كل من سوى الله، هذا في الأصل، وسمي عالما لأنه علم على خالقه عز وجل، فإن ما في هذه المخلوقات من الآيات الدالة على كمال الله سبحانه وتعالى وعلى كل ما تتضمنه هذه المخلوقات علم واضح على ما تتضمنه هذه المخلوقات من الصفات الكاملة.
﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ هذا من خطاب الملائكة أيضا، تقول لها: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ والقنوت هو دوام الطاعة، واللام في قوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ للاختصاص، أي قنوتا خالصا لله، أي طاعة خالصة له؛ لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ الربوبية هنا ربوبية خاصة، وقد مر علينا أن الربوبية تنقسم إلى ربوبية عامة وربوبية خاصة، فالعامة هي الشاملة لكل أحد، والخاصة تختص بمن خصها الله به، لكنها تفيد تربية أكثر اعتناء واختصاصا من الربوبية العامة.
وقوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاسْجُدِي﴾ يعني السجود المعروف، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة أمرت أن تسجد على سبعة أعظم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨١٠)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٨) من حديث ابن عباس.]]، وعطف السجود على القنوت من باب عطف العام على الخاص أو الخاص على العام؟ الخاص على العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته. ولا شك أن السجود من أفضل أنواع الطاعة، ولهذا كان «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الركوع معروف، وهو انحناء الظهر، وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي في جملتهم، وليس المراد أنها تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطَب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله عز وجل.
وفي قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، مع أنها امرأة؛ لأن الكُمّل من الرجال أكثر من الكمل من النساء، ولهذا لم يكمل من النساء إلا ثلاث[[سبق تخريجه.]].
وقوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ قدم السجود على الركوع؛ لأن هيئة السجود أفضل وأبلغ في الخضوع، فقدمها على الركوع، أما من حيث الترتيب الفعلي بالنسبة للصلاة فإن الركوع قبل السجود.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من قصة زكريا وقصة مريم. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي من أخبار الغيب، أي من أخبار الشيء الغائب الذي لا يعلم، لكن من الذي لا يعلمه؟ ليس المراد من وقع في زمنه؛ لأن من وقع في زمنه فهم يعلمونه، لكن المراد: لا يعلمها النبي ﷺ ولا قومه؛ كما قال تعالى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩]
إذن هي غيب نسبي ولّا حقيقي؟ غيب نسبي بالنسبة لمن لم تكن في زمنه، أما من كانت في زمنه فهي مشاهدة، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام وقومه كانوا أميين، لا يعلمون شيئا عن الأمم السابقين، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ ما أوحى من أخبار السابقين التي ما كان يعلمها لا هو ولا قومه، وهو دليل على أنه رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله.
وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الوحي في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، فإذا أعلمك إنسان بسرعة على وجه خفي يسمى في اللغة وحيا، وحيا، ولكنه في الشرع: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، هذا الوحي، إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما أيش؟ بما يشاء من شرعه. ثم إن كلفه بتبليغه كان رسولا، وإلا كان نبيا.
* الشيخ: الأخ عرفنا ما هو الوحي شرعا؟ أنت إي نعم.
* طالب: الوحي ما أمر (...) بالشرع ولم يؤمر بتبليغه.
* الشيخ: هذا الوحي شرعا.
* الطالب: خلاف الرسول، فإذا أمر بتبليغه..
* الشيخ: صار الوحي شرعا من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه! هذا الوحي شرعا! أعتقد أنك ما أنت معنا؟
* طالب: (...)
* الشيخ: لا لا، تأملها في غير وقت الدرس، وقت الدرس تأمل ما يقول المدرس، ما تابعتنا ولهذا أخطأت في تعريف الوحي. طيب إذن الوحي؟
* طالب: الوحي هو ما يوحي الله سبحانه وتعالى شرعا نبيا من أنبيائه، فإن أمره بالتبليغ فهو كان رسولا، وإن لم يؤمره فهو نبي.
* الشيخ: أيش الوحي؟
* الطالب: هو ما يوحيه الله سبحانه وتعالى إلى نبي من أنبيائه من شرعه.
* الشيخ: لا.
* طالب: إيحاء الله لنبي.. إيحاء الله عز وجل..
* الشيخ: لا.
* الطالب: تبليغ وتكليف الله عز وجل.
* الشيخ: لا.
* طالب: إخبار الله لنبي من الأنبياء بما يشاء من شرعه.
* الشيخ: نعم، هذا الوحي: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، ثم إن أمر بتبليغه كان رسولا وإلا فهو نبي.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي نخبرك به على الوصف الذي ذكرنا، وهو إخبار الله تعالى لنبي من أنبيائه بما شاء من شرعه، هذا الوحي.
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي ما كنت عندهم، يعني عند زكريا وقومه ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿إِذْ﴾ أي حين، وهي متعلقة بقوله: ﴿كُنْتَ﴾، يعني ما كنت في ذلك الوقت عندهم ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ اختلف العلماء في تفسيره، فقيل: إنها على ظاهرها؛ أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: إن المراد بها سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، وسميت قلما لأنها تشبهه في الاستطالة ودقة الرأس، السهم عندهم بمنزلة الرصاصة عندنا في الوقت الحاضر.
على كل حال أيها ظاهر القرآن؟ ظاهر القرآن أن المراد بالأقلام الأقلام الحقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل، هذه هي القاعدة الشرعية في تفسير القرآن، بل وفي تفسير الحديث النبوي، بل وفي كلام الغير، حتى كلام الناس يجب أن نعمل بظاهره إلا بدليل، ولكن ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ كيف ألقوا هذه الأقلام؟
المعروف أنهم ألقوها في النهر؛ في الماء الذي يمشي، فما انحبس منها فصاحبه الذي يكفل مريم، وما جرى فهو الذي لا يكفلها، ولكن القرآن ليس فيه بيان ذلك، يعني ليس فيه أنهم وضعوا هذه الأقلام في النهر، إنما ألقوا أقلامهم على وجهٍ اللهُ أعلم بكيفيته، لكنهم ألقوها من باب الاقتراع، يعني قرعة أيهم يكفل مريم، فخرجت القرعة لمن؟ لزكريا؛ كما قال تعالى في أول القصة: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران ٣٧].
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني وما كنت عندهم أيضا في حال اختصامهم أيهم يكفل مريم، هذا الاختصام هل هو قبل إلقاء الأقلام أو بعده؟ قبله، الظاهر أنه قبله، لكن أخر في الذكر لمناسبة الآيات؛ رؤوس الآيات ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هذا هو الذي يظهر، على أنه قد يقال: إن الله سبحانه وتعالى ذكر النتيجة قبل المقدمة أو قبل السبب لأنها هي الغاية، فإن إلقاء الأقلام والاستهام هو غاية الاختصام، فاختصموا أيهم يكفلها فقالوا: لنسهم بإلقاء الأقلام.
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ هذا كالدليل لقوله: ﴿