×

آل عمران

الآية ١٨١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴿١٨١﴾

ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. أولًا: نتكلم على ما في الآية من القراءات: يقول: فيها قراءات: ﴿سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيقُولُ﴾ اللي عندنا الآن: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ بالنون و﴿نَقُولُ﴾ بالنون أيضًا، وبناءً على هذه القراءة تكون (ما) مفعولًا به، وتكون: (قتل) معطوفة على المفعول به، والمعطوف على المنصوب منصوب. على القراءة الثانية: ﴿سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ تكون (ما) نائب فاعل مرفوعة مبنية على السكون في محل الرفع، ويكون (قتل) معطوفًا على مرفوع على نائب فاعل فيكون بالرفع، وعليه يكون ﴿قَتْلَهُمُ﴾ مبنيًّا على قراءة أيش؟ (يُكتب)، ولا يجوز أن تقرأ: سنكتب ما قالوا وقتلُهم، لا، (قتل) ما يمكن يرفع إلا إذا قرأنا: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ . و﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقُولُ﴾ هذه: ﴿يَقُولُ﴾ تصادف أي القراءتين أو توافق أي القراءتين؟ ﴿سَيُكْتُبُ﴾ ولَّا ﴿سَنَكْتُبُ﴾؟ * الطلبة: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ . * الشيخ: ﴿سَيُكْتُبُ﴾ ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ . أما: ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ ففيها قراءتان: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ ، والثاني: ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ بالياء كما في ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ فعلى قراءة: ﴿الْأَنْبِئَاءَ﴾ تكون من النبأ بالهمز وهو الخبر، وعلى قراءة الياء تكون من (النُّبُوّة) أو (النَّبْوَة) وهي الارتفاع. يقول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ أكّد الله هذا الخبر بثلاثة مؤكدات؛ الأول: القسَم المقدّر؛ لأن اللام هنا واقعة في جواب القسم، والثاني: (قد)، والثالث: (اللام) في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾. وإنما أكده سبحانه وتعالى للمبالغة في تهديد هؤلاء، وأما نحن المؤمنين فإننا نعلم أنه بمجرد ما يخبرنا عن شيء فهو مؤكَّد، لكن من أجل تهديد هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ ﴿سَمِعَ﴾ هنا بمعنى أدرك هذا القول، أي: سمعه سماعًا، ولا نقول: بأُذنه؛ لأنه لا يلزم من السماع الأذن، بخلاف قولنا: استوى على العرش فنقول: بذاته؛ لأن الله أضاف الفعل إلى نفسه، أما هنا ما نقول: سمع بأذنه، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السماع ثبوت الأُذن، فها هي الأرض يوم القيامة ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ٤]، أي: تخبر عما فعل الناس عليها أو عما قالوا عليها، مع أنه ليس لها أُذن، الجلود والأيدي والأرجل تشهد يوم القيامة على الإنسان بما عمل، وهي ليس لها آذان، إذن لا يجوز أن نقول: إن الله له أُذن بناء على أن الله أثبت له السمع، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السمع ثبوت الأذن. إذا قال قائل: ألستم أثبتم لله عينًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما نقول: نعم، نقول: بلى، ألستم أثبتم لله عينًا؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: إي نعم، نقول: بلى، إذا قلنا: نعم، معناه ما أثبتنا، بلى؛ أثبتنا، كيف أثبتنا؟ من طريق أنه يرى أو من طريق أنه أثبت لنفسه عينين؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، نعم، لولا أن الله أثبت لنفسه عينين ما جاز لنا أن نثبت العين، ولهذا نحن نؤمن بأن الله يتكلم، لكن هل نقول: بلسان؟ أبدًا لا نقولها، مع أن الله قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] لكننا لا نقول: لله لسان، ولا نقول: لله شفتين؛ لأن الله لم يثبت ذلك لنفسه، ولا يلزم من الكلام اللسان، لا يلزم من الكلام ثبوت اللسان، بدليل أن الأرض تُحدّث أخبارها، والجلود تشهد، ويقول صاحب الجلد لجلده: لم شهدت علينا؟ فيقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت ٢١]، ولا يقول: لي لسان وشفتان، إذن لا يجوز أن نُثبت لله أيش؟ لسانًا ولا شفتين بمجرد ثبوت الكلام. واضح؟ كما أنه لا يجوز أن نثبت له أسنانًا؛ لأن الأسنان إنما تكون لمن يحتاج إليها لمضغ الطعام، ولا نثبت له أمعاء وما أشبه ذلك؛ لأن هذه تستلزم النقص؛ إذ إنها آلات لأيش؟ للأكل، والأكل مستحيل على الله عز وجل. نحن نقول: يسمع، وهل يلزم من سماعه ثبوت الأذن؟ لا ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ وهم أناس من اليهود، منهم رجل يسمى (فنحاص)، ولكن الله عز وجل في كتابه لا يذكر شيئًا خاصًّا إلا لسبب لا بد من تعيين الشخص، ولهذا لم يذكر الله عز وجل أحدًا باسمه في القرآن إلا رجلًا مؤمنًا ورجلًا كافرًا فقط، مَنِ الرجل المؤمن؟ * طلبة: زيد. * الشيخ: زيد بن حارثة ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧]، والرجل الكافر؟ * طلبة: فرعون. * الشيخ: لا لا لا، من هذه الأمة؟ * طالب: أبو لهب. * الشيخ: أبو لهب، غيرهم ما ذُكر؛ لأن الوصف -انتبهوا يا إخوان هذا تعليم من الله لنا- لأن الوصف أفيد لعمومه، هذه من جهة، ومن جهة أخرى أنها قد تتغير حال المعيَّن، يكون بالأول فاسقًا ماردًا كافرًا، ثم يُسلم ويتوب الله عليه، فإذا تاب ولم يكن له اسم أحسن، لكن لو ذُكر اسمه بقي عارًا عليه ولو تاب، واضح يا جماعة؟ الثاني: أنه أعم؛ لأن تعليق الحكم بالوصف أعم من تعليقه بالشخص، ولهذا إذا عُلّق الحكم بالشخص احتمل الخصوصية، وإذا قلنا: بعمومه؛ بعموم الحكم المعلّق بالشخص فإنه ليس عمومًا شموليًّا، ولكنه عموم تمثيلي؛ يعني بالقياس، كلام واضح؟ واضح. لهذا إذن ينبغي لنا في مثل هذه الأمور أن لا نعيّن الشخص بعينه، حتى مثلًا لو أردنا أن نتكلم على صحيفة خبيثة، فالأوْلى أن لا نعيّنها، نقول مثلًا: قالت بعض الصحف، وإذا ذكرنا الكلام عُرف، أولًا: لأن الصحيفة قد تتغيّر، وثانيًا: إذا حصرنا فقد يفهم السامع أنه لا يوجد سوى هذه الصحيفة، لكن إذا عمّمنا وجعلنا الحكم معلقًا بالوصف شمل غيرها، أما إذا عيّناها فقد يفهم السامع ولا سيما العامي اللي ما يعرف يقيس أن البلاء خاصّ بهذه الصحيفة مثلًا، لا يعرف أن يقيس، فإذا جعلنا المسألة معلّقة بالوصف صار هذا أنفع، وهذه مسألة يعني القرآن يدل عليه وكذلك السنة، السنة أيضًا تدل عليها، كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يقول: ما بال فلان يقول كذا، يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ»، من أجل الفائدتين اللتين أشرنا إليهما. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ هؤلاء اليهود، وسبب قولهم هذا أن الله قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة ٢٤٥]، «فرحت اليهود بهذا وجاءت إلى النبي ﷺ وقالت: يا محمد، إن ربك قد افتقر، إن ربك قد افتقر»[[أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٢٤٢٩) (٢ /٤٦٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. لأنه يطلب القرض منا -نسأل الله العافية- ولم يعلم هؤلاء البلهاء إن كانوا صادقين فيما ادعوا، وهم كاذبون فيما ادعوا حتى قولهم: إن الله قد افتقر، هم كاذبون، ما يعتقدون هذا، لكن تنزلًا معهم نقول: إن الله عز وجل جعل الإنفاق في سبيله له بمنزلة القرض إشعارًا للمنفِق بأنه سوف يُجازَى عليه، كما أن المقترض يجب عليه أن يُوفي من؟ قرضه، فهكذا جعل الله سبحانه وتعالى العمل له بمنزلة القرض تفضّلًا منه عز وجل وإحسانًا لعباده، واليهود لا يُستغرب أن يصفوا الله بمثل هذا، فهم قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة ٦٤]، ووصفوه بالبخل، يد الله مغلولة ما يُنفق، وهم قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم تعب واستراح يوم السبت، ولهذا يجعلون يوم السبت هو يوم الراحة عندهم، قاتلهم الله، وهم كاذبون في هذا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ وليتهم اقتصروا على هذا، أقول: ليتهم بناء على ما بعده وإلا وصفهم الله بهذا الوصف منكر من أعظم المنكر، قالوا: ﴿وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ فجعلوهم أكمل من الله، جعلوا أنفسهم أكمل من الله، وهذا غاية ما يكون من الوقاحة، قال الله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ وإضافة الكتابة إليه؛ لأن جنوده يكتبون ذلك، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار ٩ - ١١]، وقوله تعالى وهي أصرح: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾. نسمع ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، إذن الكتابة هنا كتابة الله عز وجل بيده؟ لا، ولكن بملائكته، الملائكة تكتُب، وأضاف كتابة الملائكة إلى نفسه جل وعلا؛ لأنهم يكتبون بأمره وهم جنده، كما يقول القائد: فعلتُ كذا. والفاعل غيره، الفاعل الجنود، الفاعل هم الجنود، فالملك والسلطان يتكلم بالشيء مضيفًا إياه إلى نفسه؛ لأنه حصل بأمره وسلطته؛ إذن ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ بأيش؟ بملائكتنا، والله عز وجل أحيانًا يضيف الشيء لنفسه مريدًا به الملائكة، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥] أقرب إليه بأيش؟ بملائكتنا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ مما يدل على أن القريب في نفس المكان، لكننا لا نبصره، وهؤلاء هم الملائكة، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦] الراجح فيها أن المراد أقرب إليه بملائكتنا بدليل قوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧] وهذا هو ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه؛ في مواضع من كلامه منها كلامه في شرح حديث النزول وهو مشهور متداول. يقول: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ لمجرد الاطلاع عليه أو للمجازاة؟ للمجازاة بدليل ما يأتي في آخر الآية. قال: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ذكر قتل الأنبياء بغير حق مع أنهم لم يقولوا: إنا قتلنا الأنبياء، لكن ليبين أن هؤلاء اعتدوا على حق الله وعلى حق رسله وأنبيائه، فقتلوا الأنبياء بغير حق، وهو شامل لقتل الأنبياء والرسل؛ لأن كل رسول نبي. وقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ القيد هنا قيد احترازي ولَّا قيد كاشف؟ * طالب: كاشف. * الشيخ: قيد كاشف؛ يعني أن قتلهم للأنبياء بغير حق، وليس المعنى أن الأنبياء ينقسم قتلهم إلى حق وغير حق، كل قتل الأنبياء بغير حق، ومع ذلك لا يقتلون الأنبياء لشخصهم، يقتلونه لما جاء به من الحق؛ أي واحد يأتي بهذه النبوة يقتل. وقوله: ﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ متى؟ * طلبة: يوم القيامة. * الشيخ: يوم القيامة؟ أو في القبر أيضًا. والقول هنا: ﴿نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ يُقصد به الإهانة والإذلال، وإلا فإنهم سيذوقون عذاب الحريق قيل لهم ذلك أم لم يُقل، لكن من باب الإهانة، وانظر إلى الإهانة العظيمة والتهكم في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]. يقال له وهو يُعذّب في النار: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ إهانة له، أي: أن عزك وكرمك لم ينفعك. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، * في هذه الآية من الفوائد أولًا: إثبات سمع الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾.. وليس المعنى أن الأنبياء ينقسم قتلهم إلى حق وغير حق، كل قتل الأنبياء بغير حق، ومع ذلك لا يقتلون الأنبياء لشخصه، يقتلونه لما جاء به من الحق، أي واحد يأتي بهذه النبوة يُقتل. وقوله: ﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران ١٨١] متى؟ يوم القيامة أو في القبر أيضًا، والقول هنا ﴿نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران ١٨١] يُقصد به الإهانة والإذلال، وإلا فإنهم سيذوقون عذاب الحريق قيل لهم ذلك أم لم يُقَل، لكن من باب الإهانة، وانظر إلى الإهانة العظيمة والتهكم في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] يقال له وهو يعذَّب في النار: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ إهانة له، أي أن عزك وكرمك لم ينفعك. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: إثبات سمع الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٨١]، والسمع هنا بمعنى إدراك الصوت وإن خفي، والمراد به هنا التهديد. وليُعلم أن العلماء رحمهم الله قسموا سمع الله إلى قسمين، الأول: بمعنى الاستجابة، والثاني: بمعنى إدراك الأصوات؛ أما السمع بمعنى الاستجابة فهو كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، ﴿سَمِعْنَا﴾ يعني بآذاننا، ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يستجيبون، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا﴾ [التغابن ١٦]؛ ﴿اسْمَعُوا﴾ يعني سمع استجابة، ومنه قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، أي: لمستجيب الدعاء، ومعلوم أن هذا النوع أو هذا القسم من السمع معلوم أنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته. والقسم الثاني من السمع: سمع الإدراك، قالوا: وينقسم إلى ثلاثة أقسام، هذا النوع الذي هو إدراك الأصوات ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يراد به التهديد؛ وقسم يراد به التأييد؛ وقسم يراد به بيان الإحاطة والشمول لسمع الله. فأما الذي يراد به التأييد فكقوله تعالى لموسى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، المراد بالسمع هنا التأييد. وقد يقول قائل: والتهديد أيضًا بالنسبة إلى فرعون، وأما الذي يراد به التهديد فمثل هذه الآية: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]. وأما الذي يراد به بيان شمول علم الله عز وجل وسعته فمثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١]، قالت عائشة: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كنت في طرف الحجرة وإنه ليخفى عليّ بعض حديثها ـ سبحان الله ـ والله عز وجل فوق عرشه فوق سبع سماوات يسمع كلام هذه المرأة»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨) من حديث عائشة . ]]، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ تحاور الرسول والمرأة يسمعه، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٨١]. * طالب: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ [الزخرف ١٩] يعني الملائكة (...). * الشيخ: يكتمونها. * الطالب: طيب ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ الملائكة هم يعني..؟ * الشيخ: يحتمل هذا، المسألة أنها الملائكة أو أن الله يسألهم؛ لأن السؤال ورد في آية أخرى أن الله نفسه يسأل. * طالب: شيخ، «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٤٤)، ومسلم (٧٩٢ / ٢٣٣) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، كيف (...)؟ * الشيخ: المعنى «مَا أَذِنَ» : ما سمع، (أذن) بمعنى (سمع) هكذا قال العلماء. * الطالب: ما فيه إثبات (...)؟ * الشيخ: لا ما فيه تأويل أبدًا ما فيه، ولهذا عدّاه باللام (أذن له). * طالب: القتل هنا الوعيد يشمل قتل الأنبياء والرسل، نحن دائمًا مر علينا أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فما المقصود بالأنبياء؟ * الشيخ: إي نعم، أنا أعطيتكم قاعدة يا إخواني من قبل، أعطيتكم قاعدة أن الأنبياء المذكورين في القرآن رسل، ما تجد نبي ذُكر في القرآن إلا وهو رسول، وذكرت لكم دليلًا من القرآن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] فإن استقام هذا فالأمر واضح، وإن لم يستقم فنقول المقصود بالأنبياء الذين لم يوحَ إليهم بشرع جديد يبلغونه الناس. * طالب: بالنسبة لسماع الأرض (...) تسمع بنفسها (...) ينطقها الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: نعم، صحيح. * الطالب: ما يقاس على إثبات السمع للإنسان على الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: لا، ما هو قصدنا القياس، قصدنا أن الشيء قد يَسمع وإن لم يكن له أذن، فهمت؟ وقد يرى وإن لم يكن له عين أيضًا؛ لأن الأرض ستُحَدِّث ما فُعل عليها. * طالب: يعني (...) الأنبياء يا شيخ يعني إذا قيل: الأنبياء -في القرآن- ما يعني يقصد، أو ما يكون مقصد من (...) قتل الأنبياء (...) بمعنى أن إحنا الآن إذا قيل: قتل النبي، يصير قتل الرسول، لكن إذا قيل: قتل الرسول، ما بالضرورة يتطلب قتل النبي؟ * الشيخ: لا هو اللي بيقتل رسول بيقتل نبي؛ لأن النبي أدنى مرتبة من الرسول، لكن اللي يقتل الأنبياء لو قيل مثلًا: اللي يقتلون الأنبياء في غير القرآن، لقلنا: إنه لا يشمل قتلهم للرسل؛ لأن الرسول أخص. * طالب: هل إدريس عليه السلام هل هو نبي قبل نوح؟ * الشيخ: لا يا أخي، ما فيه أحد من الأنبياء قبل نوح أبدًا، وإدريس من بني إسرائيل، الظاهر من سياق الآيات أنه من بني إسرائيل، ولهذا يوجد، أنا أشوف شجرة للأنبياء، مكتوب إدريس قبل نوح، وهذا غلط، غلط لا شك فيه، ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وفي حديث الشفاعة يأتون إلى نوح ويقولون: «أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤ / ٣٢٧) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: الكثير يا شيخ ذكر إدريس قبل نوح. * الشيخ: غلط، الكثير ما هو.. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿