×

آل عمران

الآيات ١٨–١٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿١٨﴾

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿١٩﴾

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران ١٨]، ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الشهادة قد تكون بالقول وقد تكون بالفعل، وشهادة الله سبحانه وتعالى لنفسه بانفراده بالألوهية كشهادته لرسوله ﷺ بأنه أنزل عليه الكتاب، فهنا قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء ١٦٦] وهنا قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، فشهادته لنفسه بالوحدانية وشهادته لنبيه ﷺ بالرسالة هو والملائكة، والشهادة كما قلت قولية كما في هذه الآية، وكما في آية النساء: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾، وفعلية وهي - أي الشهادة- ما يظهره الله سبحانه تعالى من آياته، فإن ما يظهره من آياته شهادة له بالوحدانية، كل الكائنات تشهد لله عز وجل بالوحدانية إما بلسان المقال وإما بلسان الحال، كذلك تأييده النبي ﷺ بالنصر وجعل العاقبة له شهادة له بأنه رسول الله حقًّا، فشهادة الله لنفسه بالوحدانية أقول إنها تكون بالقول وتكون بالفعل، في الآية الكريمة الشهادة بالقول ولّا بالفعل؟ بالقول ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ يعني: أخبر عن نفسه بأنه يشهد أنه لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مرّت علينا هذه كثيرًا، ويجب على كل مسلم أن يعرف معناها، وأن يعرف مقتضاها أيضًا، معناها: أنه لا معبود حقٌّ إلا الله، هذا معنى الآية، كل ما عُبد من دون الله فهو باطل، وإن سُمِّي إلهًا فإن ألوهيته مجرد تسمية، لكن هو لا يستحق الألوهية وإن كان هؤلاء عبدوه واتخذوه إلهًا لكن هو نفسه أي المعبود من دون الله ليس بإله، قال الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٤٠]، وليست مسميات وكيف تكون مسميات مطابقة للواقع وهي آلهة باطلة؟ هذا لا يمكن، إذن ﴿لَا إِلَهَ﴾ أي: لا معبود حق إلا الله، وأما المعبود باطل فهو موجود، كما سمى الله تعالى الأصنام آلهة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤]، وقال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود ١٠١]، وقال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، والآيات في هذا كثيرة، وقال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٣] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨]، كل هذه المعبودات تسمى آلهة لكن هل هذا الاسم مطابق للواقع؟ لا، فمعنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبود حق إلا الله عز وجل، ويلزم من كونه المعبود أن يكون هو الرب، كما يلزم من كونه الرب أن يُعبد وحده، فتوحيده بالألوهية متضمن لتوحيده بالربوبية، ولهذا بنى الله توحيد الألوهية على توحيد الربوبية في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]. وقوله: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ معطوفة على اسم الجلالة على (الله)، يعني: وشهدت الملائكة أنه لا إله إلا الله، والثالث: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ أصحاب العلم الذين رزقهم الله سبحانه وتعالى العلم يشهدون أيضا بأنه لا إله إلا الله، ولا أحد أشد يقينًا وأقوى إيمانًا من أهل العلم، ولهذا كانوا هم أهل الخشية كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، والمراد بأولو العلم هنا ليس هو العلم الدنيوي أو علم طبائع الأشياء أو علم أسرار الكون، بل المراد بالعلم العلم بالله عز وجل، أولو العلم بالله الذين عرفوا الله عز وجل بآياته الكونية والشرعية هم الذين شهدوا له بالوحدانية. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، ﴿قَائِمًا﴾ حال من ﴿اللَّهُ﴾ يعني: حال كونه قائمًا بالقسط، أي: بالعدل، بالعدل في أحكامه التكليفية، والعدل في أحكامه القضائية والجزائية، فهو عدل في أحكامه التكليفية، ليس في أحكام الله تعالى التكليفية جور، كلها عدل، بل إنها مع كونها عدلًا تتضمن الفضل والعفو والإحسان، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وقال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون ٦١، ٦٢]، هذا أمر زائد على العدل؛ لأنه متضمن للعفو والتسامح، كذلك في الجزاء، عدل في جزائه لا يظلم أحدًا أبدًا، بل هو ذو فضل في جزائه أيضًا؛ فإنه يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بمثلها أو يعفو، إلا من كان كافرًا ليس أهلًا للعفو فلا يُعفى عنه، إذن ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ في أحكامه التكليفية وفي قضائه، كذلك هو قائم بالقسط بالفصل بين عباده، فإن الله سبحانه وتعالى يقضي للمظلوم من الظالم، إما بإجابة دعوة المظلوم إن دعا على ظالمه في الدنيا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل وقد بعثه لليمن: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]]، وإما بالأخذ منه من حسناته يوم القيامة، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ؟»، قالوا: من لا درهم عنده ولا متاع، أو قالوا: ولا دينار، قال:«الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَأْتِي وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا وَشَتَمَ هَذَا وَأَخَذَ مَالَ هَذَا، فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ وَطُرِحَ فِي النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨١ / ٥٩) من حديث أبي هريرة بلفظ «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟».]]، فلا بد من العدل بين العباد، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن الحقوق التي بين العباد من الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا، فلا بد أن يقتص للمظلوم من الظالم. فإن قال قائل: أليس الناس يصابون بالنكبات من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات؟ فالجواب: بلى، فإن قالوا: ألا يكون هذا ظلمًا؟ فالجواب: كلا ليس بظلم؛ لأن هذا بما كسبت أيدي الناس ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، إذن فهذه المصائب فضل؛ لأن المقصود بها تأديب الخلق وردعهم حتى يرجعوا إلى الله عز وجل، فليس هذا من باب الظلم في شيء، بل هو من باب الجزاء بالعمل لغاية حميدة وهي رجوع الناس عن ظلمهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ٤٥]. مر علينا الفرق بين القسط والإقساط، وقلنا: إن (قَسَطَ) بمعنى: جَارَ، و(أَقْسَطَ) بمعنى: عدل، وهنا قال: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾؛ لأن القسط نفسه هو العدل لكن (قَسَطَ) الفعل بمعنى جار، و(أقسط) بمعنى عدل، يعني: أحل القسط، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا حكم بعد الشهادة، فشهد الله لنفسه بأن لا إله إلا هو، وحكم لنفسه أيضًا بأن لا إله إلا هو، فاجتمع في كلامه عز وجل الشهادة والحكم، فكان شاهدًا لنفسه حاكمًا لها في الألوهية، فهذه الجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ حكم وتصديق؛ لأن المعروف في المحاكمات والمرافعات أن تؤدى الشهادة أولًا ثم يُحكم، فالله تعالى شهد أولًا وأخبر بمن شهد معه، وثانيًا حكم فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وسبق أن المتكلمين يفسرون هذه الجملة العظيمة بأن المراد بها أيش؟ القادر على الاختراع، ففسروها بما يقر به المشركون ولم يكونوا موحِّدين، فالمشركون يقرون بأن الله هو القادر على كل شيء، وأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، المدبر للأمر، ومع ذلك فهل هم موحِّدون؟ لا، بل هم مشركون قاتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم لم يحققوا معنى (لا إله إلا الله)، وتعجب أن يكون هؤلاء المشركون أفهم من هؤلاء المتكلمين بمعنى (لا إله إلا الله)، هؤلاء المتكلمون كثير من المتأخرين أيضًا إذا قرأت كتبهم وجدت كلامه في الألوهية يدور على تحقيق الربوبية فقط، وهذا نقص عظيم، الربوبية يقر بها المشركون، ولم يجعلهم الرسول عليه الصلاة والسلام موحدين، ولم يجعل إقرارهم هذا مُخْرِجًا لهم من الكفر، ولا عاصمًا لدمائهم وأموالهم، ولا منجيًا لهم من النار، بل قاتلهم واستباح دماءهم وأموالهم وسبي نسائهم وذرياتهم وهم يقولون: ربنا الله، وإذا سُئلوا من خلق السماوات والأرض قالوا: الله، وإذا سُئلوا من خلقهم، قالوا: الله، وإذا سُئلوا من يحيي ويميت قالوا: الله، وإذا سُئلوا من يدبر الأمر قالوا: الله، ومع ذلك لم ينفعهم هذا الإيمان، ما يكفي الإقرار بأن الله خالق الكون ومدبره والمتصرف فيه لا يكفي في التوحيد أبدًا، ومن مات على ذلك دون أن يؤمن بأنه لا معبود حقٌّ إلا الله فإنه لم يمت على التوحيد. وقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿الْعَزِيزُ﴾ أي: ذو العزة، والعزة تفسَّر بثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ أما عزة القدر فمعناها أن الله تعالى ذو القدر العظيم والسيادة والشرف والعظمة، إلى غير ذلك من معاني القدر والرفعة، والثاني: عزة الامتناع، يعني أنه يمتنع أن يناله السوء، ومن هذا قولهم في الأرض الشديدة الصلبة: أرض عزازٌ، يعني: قوية وصلبة لا ينالها شيء، والثالث: عزة القهر، أي أنه الغالب لكل شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣]، يعني: غلبني، هذه الأنواع الثلاثة كاملة لله عز وجل من جميع الوجوه؛ فهو ذو القدر العظيم، وهو ذو الامتناع الذي يمتنع عليه النقص بوجه من الوجوه، وهو الغالب الذي لا يغلبه شيء، يقول الشاعر الجاهلي: أَيْـــــنَ الْمَفَـــــرُّ وَالْإِلَـــــهُالطَّالِــــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ فالله عز وجل غالب لكل شيء، أما ﴿الْحَكِيمُ﴾ فإنه مأخوذ من الحُكم ومن الإحكام، فهو ذو الحكم وذو الإحكام؛ أما الحكم فإنه ينقسم إلى كوني وشرعي، والإحكام بمعنى الإتقان، والإتقان يستلزم الحكمة وهي وضع الأشياء في مواضعها، تنقسم أيضًا الحكمة إلى قسمين: حكمة صورية، بمعنى أن الشيء على هذه الصورة موافق للحكمة، وإن شئنا قلنا بدل صورية لئلا يُفهم منها معنى فاسد: حكمة حالية وحكمة غائية، فالحكمة الحالية: ما عليه الشيء في الحال، والحكمة الغائية: ما ينتهي إليه الشيء، كذلك أيضًا تكون الحكمة في الأحكام الكونية وفي الأحكام الشرعية، وعلى هذا فإذا ضربت اثنين في اثنين بنسبة للحكمة بلغت أربعة، حكمة حالية في الحكم الكوني، حكمة حالية في الحكم الشرعي، حكمة غائية في الحكم الكوني، وحكمة غائية في الحكم الشرعي، كذا؟ كم قلنا؟ * طالب: الحكمة الحالية في الحكم الشرعي وفي الحكم الكوني. * الشيخ: هذا ثنتين. * الطالب: والحكمة الغائية في الحكم الشرعي وفي الحكم الكوني. * الشيخ: صح، هذه أربعة، طيب، ﴿الْحَكِيمُ﴾ إذن من الحكم والإحكام، والحكم ذكرنا أنه كوني وشرعي، وبما أن هذا الأمر أو أن هذا التقسيم قد مر علينا لم يبق الآن إلا أن نتذكره فنأتي أو نطلب مثالًا للحكم الكوني، آية فيها ذكر الحكم الكوني؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام ١٤٨]. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠]. * الشيخ: نعم، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، طيب الشرعي؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]. * الشيخ: وأين هو فيه؟ * طالب: في سورة المهاجرات. * الشيخ: لما ذكر حكم المهاجرات وما يتعلق بهن قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، طيب، ذكرنا أن الحكم الشرعي فيه حكمة حالية وحكمة غائية؟ * طالب: الشرعي فيه حكمة حالية وحكمة غائية مثل الصلاة، والحكمة الحالية هي الركوع والسجود. * الشيخ: يعني كونها على هذه الصفة المعينة. * طالب: كونها على هذه الصفة المعينة التي طلبها الشرع، الحكمة الغائية هي الابتعاد عن المنكرات، والابتعاد عن الأشياء التي.. * الشيخ: يعني ما يترتب عليها من الآثار الحميدة والثواب الجزيل كذا؟ طيب، في الأمور الكونية الحكمة الحالية؟ * طالب: مثل المطر له حكمة حالية وحكمة غائية، نزول المطر بهذه الطريقة ينزل بهذه الصفة هذه حكمة صورية أو حالية، وما ينتج عنه من نبات الأرض، ومن إحياء الأرض هو حكمة غائية. * الشيخ: سمعتم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما سمعتم، يقول: المطر نزوله على هذا الوجه قطرات لا تؤثر على الناس ولا على مواشيهم ولا على بنائهم ومن علو من فوق التي تشمل المرتفع في الأرض والنازل، هذه حكمة أيش؟ حالية، الحكمة الغائية ما ينتج عن هذا المطر (...) العظيمة فهي حكمة غائية، فالحاصل أن الله حكيم بهذه الوجوه، يقول: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الجمع بينهما له فائدة إن شاء الله تذكر في الفوائد. نأخذ الفوائد، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية: أهمية هذا النبأ، وذلك من وجهين، هما: تصديره بـ(قُل)، والثاني: إتيانه بصيغة الاستفهام الدالة على أيش؟ التشويق، أما الأول فقد قلنا: إن كل شيء يصدّره الله بـ(قُل) فهو أمر بتبليغه على وجه الخصوص، وهذا يدل على العناية به، وإلا فكل القرآن قد أُمِر النبي ﷺ أن يقوله للأمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ عبد يُؤمر ويُنهى؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾، وليس له حق في الربوبية أبدًا، فهو لا يحيي ولا يميت ولا يرزق ولا يدفع الضر عن نفسه ولا عن غيره ولا يعلم.. عبد يُؤمر ويُنهى؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾، وليس له حق في الربوبية أبدًا، فهو لا يحيي ولا يميت، ولا يرزق، ولا يدفع الضر عن نفسه ولا عن غيره، ولا يعلم الغيب، يمتاز عن الناس بماذا؟ * الطلبة: بالرسالة. * الشيخ: بالرسالة ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف ١١٠]. هذه الميزة ونِعمت الميزة هذه، وهو أيضًا عليه الصلاة والسلام نفسه شخصيًّا هو عنده من الاستعداد لتحمل أعباء الرسالة ما ليس عند غيره، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بخلقه، فإنه لما ذكر ما زُين لهم من الشهوات في الأمور السبعة يُخشى أن ينصرف الناس إلى هذه الشهوات، فمن عناية الله بهم أن أمر رسوله ﷺ أن ينبئهم بما هو خير من ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: حسن أسلوب التعليم والدعوة، وأنه ينبغي للإنسان في مقام الدعوة أن يأتي بالألفاظ التي توجب الانتباه؛ لأن الإنسان إذا قيل له: ألا أنبئك بكذا وكذا؟ سوف يتشوق وينتبه، ما هذا الذي تريد أن تنبئني فيه؟ بخلاف ما لو جاء الكلام مرسلًا لم يكن له هذا الوطأ. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين شيئين بينهما فرق عظيم؛ لقوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾، ومعلوم أن كل ما ذُكر من الشهوات السبع لا يساوي شيئًا أبدًا بالنسبة لثواب الآخرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد.]]، وهل جاء مثل هذه الصيغة في القرآن؛ تفاضل بين شيئين بينهما فرق عظيم؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]. * الشيخ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، كذا؟ بل إن الله قال -تنزلًا مع الخصم أو موافقة الخصم في دعواه- قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُون﴾ [النمل ٥٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الخير الذي شوَّق الله العباد إليه ثابت للمتقين؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وسبق معنى التقوى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الخير لهؤلاء المؤمنين في أكرم جوار وهو جوار رب العالمين؛ لقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾، فأقرب الناس إلى الله هم أصحاب الجنة؛ ولهذا جعلهم الله عنده كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظم هذه الجنات لكونها عند الله في جواره سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: أن جزاء هؤلاء المتقين هذه الدار العظيمة المشتملة على النعيم الذي لا نظير له؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، والأنهار سبق لنا أنواعها. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على تقوى الله بأن ذكر ثواب المتقين يتضمن الحث على التقوى. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بهؤلاء القوم؛ لقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ والربوبية هنا؟ * الطلبة: خاصة. * الشيخ: خاصة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء السادة يتنعمون في ثواب الله بكل أنواع النعيم بالأكل والشرب والنكاح، الأكل والشرب في قوله: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فمن الجنات يأكلون، ومن الأنهار يشربون، أما النكاح فقال: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، وهذه أصول لذائذ البدن: الأكل والشرب والنكاح. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الأزواج في الجنة بكونهن مطهَّرات ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، وسبق لنا معنى التطهير أنه حسي ومعنوي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن تمام نعيم هؤلاء برضوان الله؛ لقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، وقد بين الله تعالى في سورة التوبة أن هذا الرضوان أكبر النعيم فقال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة ٧٢]. * ومن فوائدها: إثبات صفة الرضا لله؛ لقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، والرضا من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ * الطلبة: الفعلية. * الشيخ: الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، متى وجد سبب الرضا وجد الرضا، وكل صفة تكون معلقة بسبب فإنها من الصفات؟ * الطلبة: الفعلية. * الشيخ: الفعلية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة الله سبحانه وتعالى بالعباد علمًا ورؤية؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل حيث قسم الناس إلى قسمين: متقين، وعصاة، من أين أخذنا ذلك؟ من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بعد قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾، فدل هذا على أن الناس قسمان: قسم متقي، وقسم غير متقي عاصي. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى حكيم حيث جعل التقوى في أهلها؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، فمن بصره بعباده أن جعل هؤلاء متقين والآخرين عصاة، وهؤلاء ثوابهم الجنة، وأولئك ثوابهم النار، ولا شك أن هذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، فإن الله كما هو أعلم حيث يجعل رسالته فهو أعلم حيث يجعل ميراث رسالته، وميراث رسالته هو العلم، العلم المتضمن للدعوة والعبادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل الخلق عباد لله، نأخذها من أين؟ * طالب: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. * الشيخ: وجه الدلالة؟ * الطالب: أن الله سبحانه وتعالى بصير بعباده. * الشيخ: وجه الدلالة أنه عام. * طالب: لأنه قال: ﴿بِالْعِبَادِ﴾. * الشيخ: طيب، مع قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾، فدل هذا على أنه بصير بجميع العباد: المتقي وغير المتقي. * ومن فوائدها: التحذير من مخالفة أمره؛ لأنه متى علم الإنسان أن الله بصير به فسوف يرتدع، أو فسوف يردع نفسه عن مخالفة ربه؛ لأنه إذا خالف ربه فالله بصير به وسوف يجازيه بحسب مخالفته. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]