تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٦٦﴾
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أول الآية تكلمنا عليها، أليس كذلك؟
﴿مَا أَصَابَكُمْ﴾ (ما) هذه شرطية، وعلامتها أو دليل أنها شرطية أنه وُجد في الجملة فعل شرط وجوابه؛ فعل الشرط قوله: ﴿أَصَابَكُمْ﴾، وجوابه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقُرن بالفاء لأنه جملة اسمية؛ إذ تقدير الكلام: فهو بإذن الله.
قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، يعني بالتقاء الجمعين التقاءهما يوم أحد، فإنه لما التقى الجمعان صارت النهاية أنْ هُزم المسلمون واستشهد منهم سبعون رجلًا، وهذه تعتبر نكبة أمام الكفار؛ لأن الكفار سيكون لهم في هذه الحال سيطرة وعلوّ واستكبار كما وقع، فإن أبا سفيان قال في ذلك اليوم: «اعل هُبل»[[أخرجه البخاري برقم (٤٠٤٣) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.]]، أي أنه افتخر بعلوِّ صنمه على من؟ على المسلمين الذين يعبدون الله.
وهذا الذي حصل يوم التقى الجمعان يقول الله عز وجل: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإذن الله القدري أو الشرعي؟
* الطلبة: القدري.
* الشيخ: بإذن الله القدري، يعني الله هو الذي قدره، والإذن ينقسم - إذن الله - ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي، وإذن كوني، فما تعلق بالتكوين والخلق فهو إذْن كوني، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة١١٠]، فإن هذا إذن كوني، وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس٥٩]، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى٢١]، يأذن إذنًا شرعيًّا أو كونيًّا؟
* الطلبة: إذنًا شرعيًّا.
* الشيخ: إذنًا شرعيًّا، فإذا قيل: ما الفرق بينهما؟ فالجواب: أن الفرق بينهما أن الإذن الشرعي يكون فيما يحبه الله، والإذن الكوني يكون فيما يحبه وما لا يحبه، والثاني: أن الإذن الكوني يقع فيه المأذون به، والإذن الشرعي قد يقع وقد لا يقع، هذا الفرق بينهما.
وقوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: فهو كائن بإذن الله، أي الباء للسببية، ولهذا صح أن يُعطف عليها قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، واللام في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ للتعليل، ولا يجوز أن تسكَّن، أي لا يجوز قراءةً أن تقول: ولْيعلم؛ لأن الذي تُسكَّن بعد حروف العطف المعروفة هي لام الأمر، أما لام التعليل فهي مكسورة دائمًا.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني الذين صدقوا الله في إيمانهم، وقالوا فيما أصابهم: إنه بقدر الله، ورضوا به، وتابوا إلى الله من أسبابه وهي المعاصي والتنازع، والعلم هنا علم ظهور ولّا علم إدراك؟
* الطلبة: ظهور.
* الشيخ: علم ظهور، يعني: وليعلمه بعد ظهوره، أما علمه قبل ظهوره فهو ثابت لله عز وجل؛ لأن الله عَلِم كل شيء إلى يوم القيامة، وأيضًا هذا العلم علم يترتب عليه الثواب، أما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا يترتب عليه العقاب، هذان فرقان، الفرق الثالث: أن هذا العلم علم بالشيء بعد أن وقع، فهو علم بأنه وقع، وأما العلم الأزلي فهو علم بأنه سيقع، وهناك فرق بين العلم بأنه وقع وبين العلم بأنه سيقع، هذه ثلاثة أوجه، وإلّا فإن كثيرًا من الناس يقول: كيف ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أليس الله قد علمهم؟ فنقول: بلى علمهم، لكن العلم يختلف من هذه الوجوه الثلاثة.
ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، المؤمنين قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالوصف، وأما المنافقون فقال: ﴿