×
آل عمرانالآية ١٤٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴿١٤٢﴾

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (أم) هنا منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والمراد بالاستفهام هنا التوبيخ، يعني: أتظنون أن تدخلوا الجنة ولم يحصل ما ذُكر. وقوله: ﴿حَسِبْتُمْ﴾ أي ظننتم، فالحسبان هنا بمعنى الظن: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، وهي دار المتقين التي أعدها الله سبحانه وتعالى لهم، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وكل مؤمن بها لا بد أن يسعى لها ويرجو دخولها. وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ الواو هنا حالية، يعني: والحال أن الله لا يعلم الذين جاهدوا منكم. و(لما) تأتي على أربعة أوجه في اللغة العربية، وقد ذكرناها فيما سبق، وهي هنا حرف نفي وجزم، ويفرق بينها وبين (لم) بأن مدخولها مترقب الحصول؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي: لم يذوقوه ولكنه قريب، وهنا قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ أي أن الله لم يعلم ولكن علمهم بذلك قريب. وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ أي بذلوا جهدهم في إعلاء كلمته بالقتال في سبيله، والعلم هنا ليس كالعلم الأزلي، فإن علم الله عز وجل نوعان: أزلي سابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وعلم بما حصل بعد حصوله، وهذا هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، ويسميه بعض العلماء علم ظهور، أي يعلمه ظاهرًا بعد أن لم يكن، فالمراد بالعلم هنا أيش؟ علم الشيء بعد كونه ووجوده؛ لأنه هو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب. وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ قلنا: الذين بذلوا جهدهم وطاقتهم في إعلاء كلمته، ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (يعلم) معطوفة على (يعلم) السابقة، ولهذا جاءت مجزومة لكنها حركت بالكسر لالتقاء الساكنين، ﴿يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أي الذين يصبرون على ما أصابهم، عندكم بالفتح؟ أنا ظننتها بالكسرة: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ﴾ هي بس مشكولة عندكم؟ لا بالفتح، نعم ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ كان فيها قراءة بالكسر، بالجزم عندك؟ * طالب: قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ العامة على فتح الميم، وفيها تخريجان، أشهرهما. * الشيخ: بعده، بعد هذه، والثاني؟ * الطالب: هذه تمنوا. * الشيخ: لا (...) قال: العامة، ضد العامة؟ * الطالب: العامة على فتح الميم، وفيها تخريجان: أشهرهما أن الفعل منصوب، ثم النصب بـ(أن) مقدرة بعد الواو المقتضية للجمع، فهي كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما، وهو مذهب البصريين، أو بواو الصرف، وهو مذهب الكوفيين، يعنون أنه كان من حق هذا الفعل أن يعرب بإعراب ما قبله. والثاني: أن فتحة لالتقاء الساكنين، والفعل مجزوم، فلما وقع بعده ساكن آخر احتيج إلى تحريك آخره، فكانت الفتحة أولى لأنها أخف، والإتباع بحركة اللام، كقراءة: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمَ اللَّهُ﴾ بفتح الميم. والأول هو الوجه، وقرأ الحسن وابن يعمر وغيرهما بكسر الميم عطفًا على (يعلم) المجزوم بـ(لما)، وقرأ عبد الوارث عن ابن عمرو وابن العلاء: ﴿وَيَعْلَمُ﴾ بالرفع. * الشيخ: لكن القراءة ليست سبعية، القراءتان الأخريان ليست سبعية، إذن ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ بالفتح، ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ يعلم بالفتح، وهنا فيها ثلاثة أوجه في الإعراب: الوجه الأول: أن الواو واو المعية، كقولهم: (لا تأكل السمك وتشرب اللبن)، ولنقف على هذا المثال لننظر اختلاف المعنى باختلاف اللفظ، تقول: (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن) فيكون لها معنى، وتقول: (لا تأكل السمك وتشربِ اللبن)، فيكون لها معنًى آخر غير الأول، وتقول: (لا تأكل السمك وتشربُ اللبن)، فيكون لها معنى غير الأول والثاني. فما معناها على وجه الأول؟ * طالب: واو المعية. * الشيخ: إيه ويش معناها (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن)؟ * الطالب: يعني السمك مع اللبن. * الشيخ: يعني لا تجمع بينهما، فإن أكلت السمك على انفراد وشربت اللبن على انفراد فلا بأس. إذن يكون السمك واللبن مباحين، لكن المحرم الجمع بينهما. طيب على الضم: (لا تأكل السمك وتشربُ اللبن)؟ * الطالب: فيه النهي عن أكل السمك وجواز شرب اللبن. * الشيخ: إي نعم، وإباحة شرب اللبن. على الجزم؟ * الطالب: على الجزم أي: لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن. * الشيخ: يعني؟ * الطالب: يعني كل واحد ما في.. * الشيخ: كل واحد ممنوع، سواء جميعًا أو على انفراد. ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني مع علمه بالصابرين، والصبر هنا في هذا المقام يشمل الصبر بأنواعه الثلاثة؛ وذلك لأن الجهاد فيه صبر على طاعة الله، وفيه صبر عن معصية الله، وفيه صبر على الأقدار المؤلمة، أليس كذلك؟ ففيه الصبر على طاعة الله؛ لأن الإنسان يصبر نفسه ويحبسها، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦] فلا بد من أن يصبر الإنسان نفسه ويحبسها حتى يخرج في الجهاد، فيه صبر عن معصية الله، عن الفرار حين يتلاقى الصفان، فإن هذا يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأن صبر الإنسان قبل الدخول في المعركة قد يكون محتملًا، لكن بعد الدخول وإذا رأى السيوف أمام وجهه فإنه قد يفر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال ١٦]. صبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأن الجهاد لا يخلو من جراح ومن تعب ومن عناء ومشقة، ففيها أنواع الصبر الثلاثة: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن التمني رأس مال المفاليس، يعني كون الإنسان يتمنى بدون أن يفعل السبب هذا خسران، رأس مال المفلس الذي لن يحصل شيئًا؛ لقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٤٢]. * وفيه من فوائدها: أن الجنة لا تدرَك بالتمني، كما قال بعض السلف؛ الحسن البصري رحمه الله: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي -ليس بالتمني بالقلب ولا بالتحلي بالمظهر- وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال»[[أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٨٦٦) من حديث الحسن البصري.]]. * ومن فوائدها: أن الجنة غالية رخيصة، غالية لكون ثمنها غاليًا، لأنه بذل النفوس في طاعة الله، والجهاد لإعلاء كلمته، رخيصة لأن هذا الأمر على من سهله الله يسير جدًّا، ولهذا تجد الموفق يسابق إلى أن يكون ممن يكتب اسمه في الجهاد حتى يخرج فيجاهد في سبيل الله. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يمتحن العبد بما يدل على صبره أو ضجره؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن جزاء الله، سواء كان عقوبة أو مثوبة لا بد أن يسبقه ما يمتحن فيه العبد؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ فلا بد من امتحان أولًا ليُنظر. * ومنها: أن علم الله عز وجل الأزلي لا يترتب عليه الثواب والعقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على علم الله المقرون بالفعل الذي يكون علمًا بالشيء بعد وجوده. * ومن فوائدها: أن الجهاد سبب لدخول الجنة؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، ولا فرق بين الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم، كلاهما جهاد، بل قد تحتاج الأمة الإسلامية إلى جهاد العلم أكثر مما تحتاج إلى جهاد السلاح، وقد يكون بالعكس، وقد يستويان، ولكنه لا بد من وجودهما في الأمة الإسلامية، لا بد من وجود علماء، لا بد من وجود طلبة العلم، لا بد من وجود مسلحين يقاتلون الكفار بالسلاح؛ لأن الجهاد لا ينزل علمه إلى يوم القيامة، لا بد أن يكون قائمًا. * ومن فوائد هذه الآية: أن الصبر سبب لدخول الجنة أيضًا؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. واعلم أن الجزاء يكون على قدر العمل، فإذا كان ثواب الجهاد الجنة، وكذلك ثواب الصبر الجنة، دل على عظم مرتبتهما في دين الله عز وجل. * ومن فوائدها: أن الصبر درجة عالية، لكنه يحتاج إلى مصبور عليه؛ لأن الصبر على ما يلائم الطبيعة ليس بصبر، ولهذا لا يقال للإنسان الذي وقف تحت الدش يصب عليه ماء باردًا في اليوم الحار لا يقال: إنه صابر، ليش؟ هذا يلائم طبيعته، هذا يلائم الطبيعة، الصبر لا بد له من شيء يعانيه الإنسان لا يلائم الطبيعة.