تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾
ثم قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ إلى آخره.
﴿سَارِعُوا﴾ ولم يقل: أسرعوا؛ لأن المفاعلة تكون من اثنين في الغالب، المعنى أنه لِيَسْبِقْ بعضكم بعضًا أو ليسابق بعضكم بعضًا إلى هذا الأمر: المغفرة والجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١].
﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست هي مجرد التجاوز عن الذنب؛ لأن أصلها من (الْمِغْفَر)، والمغفر ما يوضع على الرأس حال الحرب يتَوقَّى به السهام، وهو مفيد فائدتين وهما: الستر والوقاية، ويدل لهذا قوله تعالى حينما يحاسب عبده في الآخرة ويقرّ العبد بذنوبه فيقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[أخرجه البخاري (٢٤٤١) من حديث ابن عمر.]] فالمغفرة إذن أيش؟ ستر الذنب والتجاوز عنه، فمن ستر الله عليه ذنبه في الدنيا فقد غفر له، ولكن لا تتم المغفرة إلا بالتجاوز عن الذنب وعدم العقوبة عليه، وإلا فإن الستر نوع من المغفرة بلا شك، فإن الإنسان لو فُضِح بذنبه -والعياذ بالله- لم يكن هذا مغفرة، لكن إذا سُتِر عليه فإن هذا فيه مهلة أن يجعل الله تعالى الأمر بينه وبين عبده لعله يتوب ولا يُعلَم بذنبه.
﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وكيف نسارع إلى المغفرة؟ المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، وأسباب المغفرة إما استغفار، وإما عمل صالح؛ فالاستغفار أن يقول: اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، وإما عمل صالح؛ لأن من الأعمال الصالحة ما يُكفّر الله به الخطايا مثل: الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، العمرة إلى العمرة، العمل الصالح يُذهِب العمل السيئ، فإذن المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى أسباب المغفرة، إما بالاستغفار وهو طلب المغفرة، وإما بالأعمال الصالحة التي تُذهب السيئات.
وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ مغفرة وجنة؛ لأن الإنسان لا تتم سعادته إلا بأمرين: زوال المكروه، وحصول المطلوب، ففي أي شيء يكون زوال المكروه من هذه الآية؟ بالمغفرة.
* الشيخ: حصول المطلوب؟
* الطالب: بالجنة.
* الشيخ: بالجنة، ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾. وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ الجنة هنا هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، أعدها الله للمتقين، والمتقون المؤمنون هم أولياء الله، هذه هي الجنة، أما الجنة في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة ٢٦٥] فهي البستان، ففرْق، جنة الدنيا هي البساتين، جنة الآخرة هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن للإنسان أن يتصوّر ما في الجنة من النعيم، أما جنات الدنيا فكل إنسان يتصور ذلك، كل إنسان يمكن أن يتصور جنة فلان أو فلان؛ يعني بستانه على صفة كذا وكذا، لكن جنة الآخرة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ في الآية الثانية: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١] والفرق بينهما: أن التشبيه هنا بليغ، وأما التشبيه هناك فليس ببليغ، يعني من حيث الاصطلاح وإلا كل القرآن بليغ؛ لأنهم يقولون: التشبيه مؤكَّد غير مؤكد، وبليغ غير بليغ، إذا ذُكرت أداة التشبيه فهو غير بليغ، فإذا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار بليغًا، هنا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه، أما إذا ذُكِرت أداة التشبيه فإنه يسمى تشبيهًا مرسلًا، وإذا ذُكِر وجه الشبه صار مرسلًا غير مؤكد، أظنكم تعرفون هذا في البلاغة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما يخالف. نقول: فلان كالبحر كرمًا، وإن شئت فقل: في الكرم، هذا التشبيه فيه كل الأركان الأربعة؛ لأن التشبيه له أركان أربعة مثل القياس: مشبَّه، مشبَّه به، أداة تشبيه، وجه الشبه، فإذا قلت: فلان كالبحر كرمًا، أو في الكرم لا بأس، فهنا التشبيه ذُكِرت فيه الأركان الأربعة، باعتبار ذِكْر أداة التشبيه يُسمى مرسلًا، وباعتبار ذكر وجه الشبه يسمى غير بليغ؛ يعني أن هذا أدنى أنواع التشبيه، فلان إذا ذُكِر المشبّه والمشبّه به وأداة التشبيه ووجه الشبه، فهذا أدنى أنواع التشبيه، إذا حُذفت أداة التشبيه وذُكِر وجه الشبه صار مؤكدًا، لكنه غير بليغ؛ لأنك إذا قلت: فلان بحر، أكدت أنه بحر، في الكرم، نقصته شوي، فإذا حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار تشبيهًا بليغًا، إذا قلت: فلان بحر، فإذا قلت: رأيت بحرًا يعطي الدراهم بلا عدّ، صار هذا أبلغ من الأول، أبلغ، ويسمى هذا استعارة، معروف عندكم. على كل حال ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ هذا التشبيه ما نوعه؟
* الطلبة: بليغ.
* الشيخ: بليغ؛ لأنه حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه فيكون بليغًا. ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وأيش معنى ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؟ يعني كعرض السماء والأرض، لكن هل يلزم من هذا أن تكون مالئة للسماء والأرض؟ أو أنها كعرض السماء والأرض وإن كانت هي في محلّ آخر؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، ولذلك شكَّك بعض العلماء في الأحاديث التي فيها «أن رجلًا من اليهود سأل النبي ﷺ قال: » ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ «، كيف تكون عرضها السماوات والأرض؟ أين السماوات والأرض إذا كانت هي عرضها عرض السماوات والأرض؟ فقال الرسول: «أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟» »[[ أخرجه الطبري (٦ /٥٥) من حديث عمر بن الخطاب موقوفًا عليه، وعزاه ابن كثير للبزار مرفوعًا.]]. فهذا الحديث في رفعه نظر، لماذا؟ لأن الآية لا تدل على أن الجنة ملأت السماوات والأرض وصارت في محلهما، بل تدل على أن عرضها عرض السماوات والأرض وإن كانت هي فوقهم، ولذلك نقول: إن الجنة فوق السماوات والأرض كلها، كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهَا، أَوْ: وَفَوْقُهَا -رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ- عَرْشُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة.]]. وهذا يدل على أن الجنة فوق السماوات، وأما النار فهي في أسفل السافلين، وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال إطلاقًا. ويحتمل أن نقول: إن هذا اليهودي أراد أن يُلَبِّس ويُشَبِّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبي ﷺ -إذا صح الحديث- أجابه على وجه يُبْهَت فيه ولا يتكلم، وعلى مقتضى أيش؟ على مقتضى عقله، فقال: «أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟». وعلى كل حال فإن معنى الآية الكريمة أن هذه الجنة عرضها عرض السماوات والأرض، وطولها؟ قال بعض أهل العلم: إنه إذا كان عرضها السماوات والأرض فطولها أعظم وأعظم؛ لأن العادة أن العرض؟
* طالب: أقصر.
* الشيخ: دون الطول، ولكن الصحيح أن عرضها واحد، ليس لها عرض وطول؛ وذلك لأنها مستديرة وليست مربعة، وإذا كانت كذلك فإن عرضها يكون طولها، هذا هو الصحيح الذي صحّحه جماعة من أهل العلم.
﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الجملة في ﴿أُعِدَّتْ﴾ هل هي في محل جر صفة لجنة، أم في محل نصب حالًا من الجنة؟
* طالب: صفة للجنة.
* الشيخ: يعني في محل جر؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: صفة للجنة، هل يجوز أن تكون في محل نصب حالًا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لماذا؟ مع أن الجنة نكرة.
* طالب: لأنها وصفت الجنة وُصِفَت ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
* الشيخ: والنكرة إذا وُصِفت جاز أن تأتي منها الحال.
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ من الذي أعدها؟
* طلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: أعدها الله عز وجل، وقد بيَّن الله ذلك في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة ١٠٠] فالْمُعِد هو الله، ولكنه ذُكِر بصيغة المجهول ليوافق قوله فيما سبق: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. المتقون هم الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم ذكر الله من صفاتهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٣٤، ١٣٥].
هذه أوصافهم، أولًا: الوصف الأول: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وحينئذٍ قد يسأل سائل: كيف بدأ بالإنفاق دون ذكر الصلاة مثلًا، والصلاة أهم من الإنفاق؟ لأنه لما نهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة بدأ بضده، ضد أكل الربا وهو الإنفاق، وهذا كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩] فإنه لما قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ بدأ بذكر الإنفاق في صفات المتقين؛ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ينفقون ماذا؟ حُذِف المفعول ليكون دالًّا على العموم، أي: ينفقون كل ما يمكن إنفاقه من أعيان ومنافع وجاه وغير ذلك، فإن الإنسان قد ينفق أعيانًا كالثياب، ودراهم كالنقود مثلًا، وكذلك قد يُنفق منافع؛ بأن يُعير شخصًا ما ينتفع به هذا المستعير، وجاهًا بأن يتوسط لشخص أو يشفع له، فالإنفاق هنا عام: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾، و﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿السَّرَّاءِ﴾: ما يَسُرّ، و﴿الضَّرَّاءِ﴾: ما يَضُرّ، يعني في حال الرخاء وفي حال الشدة ينفقون، ولم يبين على مَن ينفقون، ولكن الله قد بيَّن في سورة البقرة قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة ٢١٥]. فينفق في جهات الخير لا في جهات الشر؛ لأنه لو أنفق في جهات الشر لخرج عن وصف المتقين، والله سبحانه وتعالى ذكر الإنفاق هنا وصفًا لمن؟ للمتقين، فلا بد أن يكون إنفاقهم فيما يُرضِي الله.
إذا قال قائل: ﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، أما في السراء والسعة والرخاء فالإنفاق وجيه، وأما في الضراء فكيف يكون الإنفاق؟ فالجواب: أنه يجب أن نعلم أن الإنفاق ليس خاصًّا بالإنفاق على البعيد عنك، بل هو عام يشمل حتى الإنفاق على ابنك وبنتك وأمك وأبيك وزوجتك بل ونفسك، حتى الإنفاق على النفس يؤجَر الإنسان عليه ويكون صدقة، «قال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كلمة جامعة نافعة مانعة، قال: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ». أو: «فِي فِي امْرَأَتِكَ»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص.]]. إذن نقول في الضراء: هل يمكن الإنفاق في الضراء؟ الجواب: نعم، ينفق، قد يكون الإنسان في أشد العسر وينفِق على أهله وزوجته بل وعلى نفسه.
قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الكَظْم معناه: المنع مع ألم وتأثّر، الكظم يعني يكظم بألم وشدة وتأثر، والغيظ قيل: إنه أشد الغضب، أشد الغضب؛ يعني أنهم إذا غضبوا وثاروا حبَسوا غيظهم، ومعلوم أن من أشد ما يكون على الإنسان أن يحبس غيظه، ويعرف ذلك مَن يكون سريع الغضب، فإنه إذا أراد أن يكظم الغيظ يجد شدة عظيمة كأن أحدًا يصرعه صَرَعًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟» » قالوا: الذي لا يُصرَع -والصَّرَع معناه الطرح- قال: «إِنَّمَا الصُّرَعَةُ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٠٨ / ١٠٦) من حديث ابن مسعود.]]. هذا هو الصرعة الذي إذا ثارت نفسه ملكها؛ ولهذا قال: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني إذا فعل بهم إنسان ما يغيظهم فإنهم يكظمون على شدة ومعاناة وألم، ويدل على أن الكظم فيه شدة ومعاناة قولُ النبي ﷺ: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٨٩)، ومسلم (٢٩٩٤ / ٥٦) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]. ولهذا يجد بعض الناس إذا أراد التثاؤب يجد شدة عظيمة في منع فتح فمه، مع أن المشروع أن تكظم وألا تفتح الفم، وقد ذكر بعض العلماء شيئًا يُيَسِّر لك الكظم، قال: إذا أصابك التثاؤب فعضَّ شفتك السفلى. عَضَّ شفتك السفلى إذا عضَضْتها لم يمكن فتح الفم، بس أخشى أنه يُكَوِّر الإنسان ويقطعها، على كل حال هذه لا شك أنها فيها علاج. إذن الكظم معناه الحبس لكن بشدة ومعاناة، والغيظ أشد الغضب، وإذا كانوا يكظمون الغيظ وهو أشد الغضب فما بالك بما دونه، ولكن الحالة العليا هي كظم الغيظ.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: ذكرنا في قول الله عز وجل: ﴿