تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿١١٦﴾
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١١٦]، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل كل من كفر بالله من يهودي أو نصراني أو شيوعي أو دهري أو مسلم يرتد، المهم أن كل من كفر بالله فهذا حكمه.
والكفر ذكر أهل العلم أنه قسمان: كفر مخرج عن الملة، وكفر غير مخرج عن الملة، وعليه يتنزل قول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قال: «كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ»[[تفسير عبد الرزاق (٧١٧)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣٢٥٨). ]].
ومن أمثلة هذا النوع -أعني الكفر الذي لا يخرج عن الملة- قول النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، فإن قتال المسلم ليس بكفر؛ أي ليس بكفر مخرج عن الملة، ولكنه كفر دون كفر؛ لأنه لا أحد يقدم على قتل المسلم إلا الكافر، فإذا قدم المسلم على قتل أخيه المسلم فقد أتى خصلة من خصال الكفر.
والدليل على أن قتال المسلم ليس بكفر مخرج عن الملة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات ٩]، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠].
ومن ذلك قوله ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]، ولها أمثلة، المهم أن هذا كفر أصغر لا يخرج من الإسلام.
أما الكفر الأكبر فهو الكفر الذي يخرج من الإسلام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦].
وهنا يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هل المراد به الكفر الأصغر الذي لا يخرج به الإنسان من الملة أم الأكبر؟
الظاهر -والله أعلم- أن المراد به الأكبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١١٦]؛ لأن أصحاب النار لن يكونوا إلا الكفار كفرًا أكبر؛ لأن صاحب الشيء هو الملازم له، ومن كفر كفرًا أصغر فإنه لن يلازم النار، بل لا بد له من الخروج منها.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ يعني: لن تدفع عنهم شيئًا من عذاب الله إذا أراد الله بهم سوءًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد ١١]، وحينئذ نقول: إن قوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ أي لن تمنع ولن تدفع، فهي عاجزة عن منع ما أراد الله وعن رفعه.
وقوله: ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ذكر الأموال لأن الأموال يفتدي بها الإنسان نفسه في مواطن الحرج، لو أن أحدًا أمسك شخصًا وأراد أن يحبسه أو يقتله أو يعتدي على عرضه فقال له: دعني، أنا أعطيك ما شئت من المال، خذ ما شئت من مالي. حينئذ أغنى عنه المال. الأولاد كيف يغنون عن الإنسان شيئا؟ لأن الأولاد يدافعون عن آبائهم وأمهاتهم، وهم أشد الناس حماسًا في الدفاع، أعني الأولاد في الدفاع عن آبائهم وأمهاتهم، أشد الناس حماسًا، فالإنسان لا يمكن أن يدع عدوه يبطش بأمه أو بأبيه أبدًا وهو على قيد الحياة، فلهذا قال: ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾؛ لأن الأولاد هم الذين يدافعون عن آبائهم وعن أمهاتهم.
﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: (شيئًا) نكرة في سياق النفي، أين النفي؟ ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾.
قال الأصوليون: والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، أيْ: أيّ شيء كان، سواء كان هذا الشيء شديدًا أم كان ضعيفًا.
قال: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ففي الدنيا لا يغني عنهم مالهم شيئًا ولا ولدهم، وفي الآخرة كذلك هم أصحاب النار هم فيها خالدون.
والنار معروفة؛ هي ذلك الجسم الحار، ولكن حرارة النار في الآخرة ليست كحرارة النار في الدنيا، هي فضلت على حرارة النار في الدنيا بتسعة وستين جزءا -نسأل الله السلامة- فأنت إذا قدرت الآن أعظم ما في الدنيا من النيران في الحرارة فإن نار جهنم أشد منها، يعني تزيد عليها بتسعة وستين جزءًا، فإذا أخذنا الأصل والزيادة صارت سبعين، يعني مقدار حرارتها سبعين عن حرارة نار الدنيا.
وقوله: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي أهلها الملازمون لها و﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون.
ثم قال عز وجل في بيان أن أموالهم لا تغني عنهم شيئًا ولا تنفعهم: ﴿