تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى ۖ وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ﴿١١١﴾
ثم قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١]، ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه المتمسكين بهديه، والفاعل في ﴿يَضُرُّوكُمْ﴾ يعود على أهل الكتاب، أي: لن يضركم أهل الكتاب إلا أذى. قوله: ﴿إِلَّا أَذًى﴾ اختلف المفسرون فيها هل هي استثناء منقطع أو استثناء متصل، فمنهم من قال: إنها استثناء متصل؛ لأن هذا هو الأصل في الاستثناء، الأصل في الاستثناء أن يكون متصلًا، وعلى هذا الرأي يكون في الآية شيء من الحذف تقديره: لن يضروكم إلا ضررَ أذى، إلا ضرر أذى، ليس ضرر عدوان حسي ببتر عضو أو أخذ مال وإنما هو أذى، وذلك بأن يُسمعوكم ما تكرهون، بأن يسمعوكم ما تكرهون، بالتوبيخ والاستهزاء وما أشبه ذلك، هذا إذا قلنا: إنه - أي الاستثناء- متصل، ولا شك أن الأذى نوع من الضرر، لكنه ليس الضرر الذي يطلق عليه اسم ضرر.
والقول الثاني: أن الاستثناء هنا منقطع، وعلى هذا القول يكون المعنى: لن يضروكم ولكن يؤذونكم، ولكن يؤذونكم، والأذية لا يلزم منها الضرر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]، فأثبت أنهم يؤذون الله ورسوله، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١٧٦] ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]]، فالضرر مُنتفٍ عن الله، والأذية؟
* طالب: حاصلة.
* الشيخ: حاصلة، الأذية حاصلة، ومن أمثلتها قوله تعالى في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْر»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]، ويوضح هذا أنه لو صلى إلى جانبك رجل قد أكل بصلًا أو ثومًا فإنك تتأذى برائحته، ولكن هل يضرك؟ لا، لا يضرك، وهذا القول أصح؛ أن الاستثناء منقطع، وهو وإن كان خلاف الأصل لكنه أعلى في البلاغة، هذا في البلاغة، لن يضروك ولكن الأذى ستصبرون عليه، والأذى ليس بضرر، ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾.
فإن قال قائل: هل هذه الآية محكمة عامة إلى يوم القيامة، أو هي منسوخة خاصة بما كان قبل النسخ؟ فالجواب: الأول.
فإن قال قائل: يَرِد على دعواكم أن المراد الأول أن اليهود يعملون بنا اليوم ما هو من أشد الأضرار، ومعلوم أن خبر الله تعالى لا يُخْلَف، فما الجواب؟الجواب أن نقول: الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، ومن كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه فلن يضره اليهود ولا النصارى، أما أناس يعتقدون الدين الإسلامي دين رجعية وتخلف، ويبدلونه بغيره من القوانين الرجعية الوضعية فهؤلاء لا يُكتب لهم النصر، ويضرونهم بالأذى القولي والفعلي والاقتصادي وبكل شيء، وإلا فإن كلام الله سبحانه وتعالى لا يُخلَف أبدًا. لكن قوم يقاتلون قتالًا جاهليًّا مبنيًّا على أيش؟ على القومية المتمزقة، وبدين باطل مضادّ لدين الله، فهؤلاء لا يستحقون النصر، ولذلك كانت اليهود الآن يفعلون الأفاعيل بنا، من يقدرون على الفعل ببدنه فعلوا، ومن لا يقدرون فإنهم يفعلون به ما يفعلون من المضارّ الاقتصادية العالمية، كما هو معروف، وحينئذ تبقى الآية محكمة غير منسوخة، باقية إلى يوم القيامة، لكن المشروط يتوقف على الشرط، فانتفاء الضرر موقوف على وجود شرطه، وهو أن نطبق سيرة مَن وُعِدُوا بهذا الوعد وهم النبي ﷺ وأصحابه.
ثم قال: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [آل عمران ١١١]، يعني: لو فُرِضَ حصل بين المسلمين وبين أهل الكتاب قتال ولَّوا الأدبار، ولّوا الأدبار، ما يمكن يستقرون: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤]، ولكن الخطاب كما عرفتم لمن؟ للرسول ﷺ وأصحابه ومن كان على مثل هدي الرسول ﷺ وأصحابه. طيب ﴿إِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ﴾ عندنا شرط وجواب؛ الشرط المقاتَلة، والجواب: تَوَلِّي الأدبار، فهم بمجرد ما يحصل بيننا وبينهم لقاء وقبل أن يصل أول سهم إليهم -والله أعلم- أيش؟ يفرون يولون الأدبار، وهنا يقول: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: يجعلون الأدبار تليكم، وهو كناية عن أيش؟ عن الانهزام؛ لأن المنهزم يولي ظهره المنهزَم منه، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولهذا قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه حينما حوصر في مكة قال متمثلًا أو منشدًا قال:
وَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا ∗∗∗ وَلَكِــــنْ عَلَــــى أَقْدَامِنَــــا تَقْطُــــرُالدِّمَــــــــــــــــا
الذي تقطر الدماء على أقدامه مقبل، والذي تدمى أعقابه مدبر.
قوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ حُذفت منها النون؛ لأنها وقعت جوابًا للشرط، قال: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (ثم) للمهلة والتراخي، و﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ فيها النون، وهو محل إشكال؛ لأن (ثم) حرف عطف، و﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ معطوف عليه، والمعطوف على المجزوم أيش؟ يكون مجزومًا، ولكننا نقول: (ثم) هنا ليست للعطف ولكنها للاستئناف، والتقدير: ثم هم لا ينصرون، ولا بد من هذا التقدير؛ لأنه لو كانت عطفًا على قوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ لَجُزِمت، ولقيل: ثم لا يُنصروا، وحينئذ يفسد المعنى، يفسد المعنى؛ لأنه لو كان انتفاء النصر عنهم حين يقاتلوننا لأمكن لقائل أن يقول: إنهم ينتصرون بعد ذلك، لو قال: يولوكم الأدبار ثم لا يُنصروا، لصار انتفاء النصر مقيدًا بما إذا قاتلونا، ولكن الأمر ليس كذلك، هم لا يُنصرون أبدًا سواء قاتلونا أم لم يقاتلونا، ولهذا قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران ١١٢]، فتبيّن الآن أن (ثم) هنا ليست عاطفة ولكنها؟
* الطلبة: استئنافية.
* الشيخ: استئنافية، والفعل بعدها مرفوع؛ لأنها جملة مبتدأ بها، لم تُعطف على منصوب ولا على مجزوم، وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ما هو النصر؟ النصر هو المنعة والقوة والصرف، وما أشبه ذلك، فمعنى نَصَرْتُه يعني صرفت عنه عدوه وأيّدته وقوّيته، هذا هو معنى النصر، فهؤلاء لا يُنصرون أبدًا، ولكن قد يقول قائل: إنه جَرَت حروب بين المسلمين وبين النصارى، وبين المسلمين وبين اليهود، فنُصِر النصارى على المسلمين، ونُصِر اليهود على المسلمين، والجملة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ جملة خبرية، وخبر الله عز وجل لا يمكن إخلافه، فما هو الجواب؟ أما الأول فإن من العلماء من قال: إن هذا في اليهود، وأن اليهود ما انتصروا يومًا من الدهر على المسلمين أبدًا، بل من هزيمة إلى هزيمة، هُزِموا في المدينة؛ بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وهُزِموا في خيبر؛ بنو النضير، ولم يقم لهم قائمة أمام المسلمين، وبناء على هذا نقول: إن الآية خاصة بمن؟ باليهود، أما النصارى فلم تتعرض لهم الآية، ولكننا نجيب بجواب أصح من هذا، نقول: الخطاب للمسلمين حين كانوا يمثّلون الإسلام بالعقيدة والقول والفعل، وهم في هذه الحال سيُنصرون على اليهود والنصارى والمجوس وسائر الكفار، فهمتم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وحينئذ لا يُشكل، لا يشكل علينا، لا يشكل علينا تغلّب النصارى الصليبيين على المسلمين، ولا يشكل علينا تسلط اليهود على العرب؛ لأن القتال مع اليهود في راية العروبة قتال جاهلية، قتال طائفة لطائفة لا لدين، بل ربما هم يعتقدون أنهم يقاتلون للدين، يعتقدون إن الأرض المقدسة التي كتب الله لهم مكتوبة لهم إلى يوم القيامة، فهم يقاتلون واثقين بوعد الله، وموسى قد قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، فهم يقولون: الأرض أرضنا بنص قول نبينا، فنحن نقاتل للوصول إلى أرض كتبها الله لنا، ويذكر أنه لما كانت هزيمة عام سبع وستين ميلادي، لما دخلوا سينا وما استولوا عليه من بلاد العرب، صار الواحد من الجنود يأخذ التراب ويقبّله ثم يسجد عليه ويبكي؛ لأنه رجع إلى أرضه التي وُعِد، فصاروا يقاتلون عن عقيدة، أما عن قومية بائسة طائشة فلا خير فيها.
إذن الجواب عندنا على وجهين؛ الوجه الأول: أن ذلك خاص باليهود، وأن اليهود لم تقم لهم قائمة بعد أن أجلاهم الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة، ثم أُجْلُوا بعد ذلك من خيبر، والقول الثاني: أن المراد اليهود والنصارى، لكن بشرط أن يكون المقابل لهم يقاتل للإسلام لتكون كلمة الله هي العليا.
ثم قال عز وجل: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران ١١٢]، قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، فيها قراءتان، بل ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمُ﴾، والثانية: ﴿عَلَيْهُم﴾ ، هاتان قراءتان، الثالثة: ﴿عَلَيْهِمِ الذِّلَّة﴾ ﴿عَلَيْهِمِ﴾ بدل من ﴿عَلَيْهِمُ﴾، فصار الهاء فيها قراءتان: الضم والكسر، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، الميم فيها قراءتان: الضم والكسر.
وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ من الذي ضربها؟ الله عز وجل، وسمَّى ذلك ضربًا كالضرب على الفلوس الذي يبقى منطبعًا لا يزول بمسح الأيدي، تعرفون الفلوس؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الفلوس النقد الحديدي هذا.
* طالب: معروف.
* الشيخ: معروف، هذا إذا ضُرب يكون فيه ما ضُرِب، اسم مثلًا الضارب مثلًا في الدولة الفلانية، أو بيان أن هذا نسبته نصف قرش، قرش أكثر أقل، هذا ضرب؛ لأنه أيش؟ ينطبع ما يتغير، فكأن هذه الذِّلة مطبوعة عليهم ما يمكن تتغير.
وقوله: ﴿الذِّلَّةُ﴾ على وزن فِعْلَة، وهي تختلف عن الذُّل؛ لأنها تدل على ذِلّة معينة مخصوصة، قال ابن مالك:
وفَعْلَــــــــةٌ لِمَــــــــرَّةٍكَجَلْسَــــــــــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ وفِعْلَــــــــةٌ لِهَيْئَــــــــةٍكَجِلْسَــــــــــــــــــــــــــــهْ
على كل حال (ذِلَّة) على وزن (فِعْلة) أي: ذِلّة مخصوصة، كما تقول: جلس فلان جِلْسة الأسد، يعني جِلْسَة معروفة، طيب ما هذه الذُّلة؟ هي ذُلّة - والعياذ بالله - ما تخرج من قلوبهم؛ لأنه قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾، فكما أن النقش في السكة المضروبة لا يتحول ولا يزول فكذلك هذه الذِّلة.
﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ عندي ﴿أَيْنَ مَا﴾ مكتوبة (أين) وحدها، كذا عندكم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: والقاعدة أنها متصل بعضها ببعض مقرونة (أينما)، لكن ما عليه المصحف قاعدة قديمة.
قوله: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، يعني: وُجِدُوا، قال الله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١]، يعني: حيث وجدتموهم، فهؤلاء اليهود والنصارى أيضًا من بني إسرائيل ضُرِبت عليهم الذلة، في أي مكان كانوا من الأرض فهم أذلّاء؛ لأن الله ضرب عليهم الذلة.
لكن يقول: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢] ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾، ففي هذه الحال لا تكون الذلة مضروبة عليهم، الحبل من الله: يعني السبب المنجي من هذه الذلة، الكائن من الله، وهو الإسلام، هو الإسلام؛ لأن الإسلام حبل من الله يعصم به الإنسان نفسه وأهله وماله، وعلى هذا فيكون المراد بحبل الله هنا أيش؟ الإسلام؛ لأن الحبل هو السبب، أي: بسبب من الله وهو أن يسلموا فتزول عنهم الذلة، وقيل المراد بحبل الله العهد، العهد الذي يكون بين المسلمين وبين هؤلاء الكفار، يبقون عندنا في ظلنا وحراستنا؛ لأنهم معاهَدون أهل ذمة.
وأما قوله: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ فالمراد به الأمان، الأمان الذي يجري بين الرجل الواحد والمأسور مثلًا، وذلك أننا إذا حاربنا بلدًا وفتحناه فإن لنا أن نجير أهله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين فتح مكة: «مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (١٨٢٧٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: «مَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ».]] «مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ»، هذه إجارة خاصة، الإجارة العامة أن يكون بيننا وبينهم عهد لا يتعدون علينا ولا نتعدى عليهم، ولا يحموننا ولا نحميهم، وهذا كما يوجد في الوقت الحاضر في العهود الدولية، كعهد ميثاق الأمم المتحدة وما أشبه ذلك.
* الطالب: شيخ، قلنا فيها ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ يعني مثلًا الضرر بالنسبة، أحيانًا المسلمون طبعًا يؤذون اليهود بجميع الأشياء بالسلاح..
* الشيخ: اليهود تؤذيهم ولا هم يؤذوننا.
* الطالب: لا اليهود يؤذون المسلمين من جميع النواحي، مثل هذا الضرر يقولون: نحن المتطورين بالسلاح وأشياء أي شيء بالنسبة (...) صور المرأة مثلًا هذا ضرر ولّا لا؟
* الشيخ: سمعتم كلامه؟
* الطلبة: إي نعم
* الشيخ: يقول: إنهم الآن يؤذون المسلمين، ويضرونهم بالقتل والجرح وسبي المال وما أشبه ذلك، فما هو المخرج من هذا الإشكال؟ وأظن أنه لو كان يقظًا لعرفه، لكن يبدو أنه كحل عينه بشيء من النوم.
* طالب: شيخ.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ذكرنا أن هذه الآية كانت خاصة بالنبي ﷺ وأصحابه، وهذا لا يكون إلا لمن اتصف بهديهم، بهدي النبي ﷺ وأصحابه، أما من اتبع غير ذلك فله الذلة.
* الشيخ: أحسنت، أعرفت؟
* الطالب: إي عرفت، بس يعني الضرر يعني مثلًا..
* الشيخ: الضرر الحاصل الآن من اليهود أو غيرهم من الكفار على المسلمين؛ لأن المسلمين أنفسهم ما قاموا بالواجب، والله يقول: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ أنتم أيها المسلمون ومن على شاكلتكم، هذا الفرق.
* طالب: شيخ ألم يُصَب النبي ﷺ بضرر عظيم في غزوة أحد، في حين موته مات بأثر السم من اليهودية، وأيضًا في غزوة بني المصطلق أصيب في عِرْضه وأهله؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فهل تخلف الشرط؟
* الشيخ: لا يمكن، نقول: هل تضرر بذلك؟
* الطالب: نعم تضرر.
* الشيخ: بأي شيء؟
* الطالب: أثر السم وجده في قلبه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وأيضا كُسِرت رباعيته في غزوة أحد.
* الشيخ: من الذي يقابله؟
* الطالب: المشركون.
* الشيخ: إي، وهذا؟
* الطالب: اليهود.
* الشيخ: في اليهود والنصارى أهل الكتاب.
* طالب: ما (...) عامة يا شيخ؟
* الشيخ: لا، الله يقول: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾.
* طالب: الذلة، يقول: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ تكون مثل الطبع في القلب؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: الطبع على القلب.
* الشيخ: نعم، الضرب معناه الطبع على القلب.
* الطالب: الذلة؟
* الشيخ: لا الذلة هذه ما فسرناها.
* طالب: أحسن الله إليك، كما يذكر التاريخ في غزوة مؤتة كان الذين يقاتلون الروم وهم النصارى يعني أغلبهم من الصحابة ومع ذلك نُكِّل بهم، كما هُزِموا؟
* الشيخ: صحيح، لكن سماه الرسول عليه الصلاة والسلام فتحًا، لما انحاز بهم خالد رضي الله عنه إلى الجبل وسلِموا قال: «ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه أحمد في مسنده (١٧٥٠) من حديث عبد الله بن جعفر، بلفظ: «ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ».]] فسماه فتحًا.
* الطالب: تضرروا.
* الشيخ: صحيح أن منهم من قُتِل لا شك في هذا، ولكن قد نقول: إنه هذا القتل لن يضره؛ لأنه ينتقل من دار إلى أعلى منها.
* طالب: وفي غيرها، في عهد عمر وأبو بكر عندما كانت الجيوش تذهب تقابل الروم في الشام كان بعض المعارك يُهْزَم فيها المسلمون؟
* الشيخ: إي نعم، لو هُزِموا، لكن معنى الآية تدل على أنه ما يمكن يضروننا إلا أذى، حتى الضرر الحاصل قد يكون بمنزلة الأذى، يعني ما يكون النتيجة هو غلبة دائمًا، يمكن يُحمل على هذا.
* طالب: شيخ، قلنا: إن الاستثناء الأصل فيه أن يكون متصلًا، ودائمًا نرى المفسرين وغيرهم إذا قدّروا الاستثناء المنقطع أتوا بـ (لكن)، هل هذا ضابط مطرد أن الاستثناء المنقطع يقدّر ما بعده بـ (لكن)؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما يمكن يقدّر بحرف غير (لكن)؟
* الشيخ: لأن (لكن) هي التي للاستدراك، والاستثناء المنقطع استدراك.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يدخل في اليهود والنصارى الشيعة والمنافقين على تعدد أجناسهم في أذيتهم للمؤمنين؟
* الشيخ: على كل حال المنافقون يؤذون المؤمنين بلا شك، لكن هل يؤذونهم بالقول والفعل، إذا كانوا يؤذونهم بالقول والفعل على وجه فيه الضرر حُمِلت الآية على قوم آخرين لا يضرونا إلا أذى.
* طالب: الضرر الذي يثبت أو ينتفي إذا كانت المقاتلة جماعية أو إذا كان الإنسان منفردًا؟
* الشيخ: لا الظاهر مقاتلة جماعية، يعني مثلًا لو أننا اجتمعنا نحن المسلمين على الإسلام الحقيقي وقاتلناهم فإنهم لن يُنْصَروا علينا.
* الطالب: ولو قاتل شخص منفرد وهو (...) المكر عليهم؟
* الشيخ: ما التزم الله به.
* طالب: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ يدل إنه (...) بينهم، حتى ذكرنا أنهم قد يهربون مع أول سهم يصل إليهم (...) التقوا يقاتلوا من المسلمين (...) وبعد ذلك استمر معهم القتال إلى أن انهزموا (...)؟
* الشيخ: الخطاب لمن؟ ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الفاعل من؟
* الطالب: اليهود.
* الشيخ: اليهود هؤلاء ما هم عرب.
* الطالب: (...) يا شيخ
* الشيخ: ما هم عرب.
* * *
* طالب: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١١٢ - ١١٥]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران ١١٢]، قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ لم يبيِّن الضارب ولكنه معلوم، وهو؟ الله عز وجل، فأبهمه للعلم به، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، مع أن الله هو الذي خلقه، ولكن من طريقة القرآن أن الأشياء غير المرغوبة يعبّر الله عنها بصيغة الفعل المبني للمجهول، بخلاف الأشياء المرغوبة فيعبر عنها باسم الفاعل، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠].
هنا يقول: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، الضمير يعود على أهل الكتاب، ولكن هل المراد أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أم أنه خاص باليهود؟ اختلف في هذا أهل العلم، فقال بعضهم: إنه خاص باليهود، وقال بعض العلماء: بل هو عام، والأصل العموم؛ لأن الضمير ﴿عَلَيْهِمُ﴾ يعود على أهل الكتاب المذكورين في قوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ١١٠]، فنقول: الضمير يعود على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإذا قُدِّر أنه صار لهم عز في وقت من الأوقات فإنما ذلك لسبب يقتضيه، فهو خلاف الأصل، وإلا فالأصل أن الذلة مضروبة عليهم.
وقوله: ﴿