×

آل عمران

الآية ١٠٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ﴿١٠٩﴾

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وقبل أن نبدأ بالشرح أو بالتفسير نحب أن ننبه على قراءة يتبعها بعض الناس، لما وقف على ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ بقي ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ فقط، وقف ثم عاد وقال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾، مع أنه لو أتبع ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ ما قبلها لأمكنه ذلك ولم ينقطع نفَسُه، كذلك لما قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ﴾ ووقف، ثم قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، مع أن كلمة ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ لو أضافها لما سبق لم ينقطع نفسه، وهذه موضة يفعلها بعض القراء وهي في الحقيقة خطأ؛ لأن الترداد بدون سبب لا ينبغي، ثم إنه إذا قال: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أو ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ قطعها عن ما قبلها، فيحتاج على هذا أن يعيد الآية من أولها، فينقطع نفسه عند ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ ثم يعيدها من جديد، وينقطع نفسه عند قوله: ﴿وَضُرِبَتْ﴾ ثم يعيد من جديد، وينقطع في الثالث عند قوله ويعيد من جديد، وهكذا، ما هو صحيح، فأنا قلت لكم قبل هذا إنه إذا كان بقي كلمة أو كلمتان أتبعها ولو أنه حصل عليك شيء من ضيق النفس؛ لئلا تحتاج إلى إعادة الكلام مرة ثانية. يقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الجملة هنا خبرية تقدم خبرها لإفادة الحصر ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الفوائد أولًا: * من فوائد هذه الآية: عموم ملك الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، و(ما) موصولة تفيد العموم. * ومن فوائدها: انفراد ملك الله سبحانه وتعالى بذلك، أي أن الله وحده هو المالك لها، وهذا يؤخذ من تقديم الخبر؛ لأن القاعدة المقررة عند البلاغيين وأصحاب الأصول أن تقديم المعمول يفيد الحصر. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات السماوات والأرض، وهو أمر معلوم ولا يُنْكَر، لكن الفائدة من هذه الفائدة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى بخلق هذه المخلوقات العظيمة التي قال الله عنها: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مرجع الأمور إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. * ومن فوائدها: أن من حاول أن يشرِّع للخلق شيئًا سوى ما شرعه الله فقد شارك الله، أو فقد جعل نفسه شريكًا مع الله، وجه ذلك: أن الله حصر مرجع الأمور إليه، فقال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾، فمن حاول أن يشرع للناس أمورًا لم يشرعها الله فقد جعل نفسه شريكًا مع الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان سعة الله سبحانه وتعالى، حيث كانت جميع الأمور ترجع إليه؛ لأن الأمور جمع (أمر) وهو محلّى بـ(أل) فيفيد العموم، فكل الأمور ترجع إليه الدقيقة والجليلة، قال الله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود ٥٦]، كل الدواب صغيرها وكبيرها فالله سبحانه وتعالى آخذ بناصيتها، هو الذي يوجهها ويدبرها، العاقل منها وغير العاقل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن السماوات جمع، وقد جاءت آيات أخرى تبين أن عددها سبع سماوات، أما الأرض فجاءت في القرآن مفردة، ولكن الله أشار إلى عددها في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، وجاءت السنة صريحة في ذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧)، واللفظ له من حديث سعيد بن زيد.]].